مخايل عون، باق في نضارة الثقافة الوطنيّة

رحل المحامي مخايل عون الأديب الشيوعي وصاحب القلم المكافح في مجالات كتابة السيرة والنقد والبحث. خبا كنجم في كبد السماء الليليّة الصافية، حيث أطلّ مشعّاً كنبض الحياة، يعرفه قرّاء "النداء" حتّى الأمس القريب في إطلالاته المواظبة، وله بينهم جمهور ينتظره ويتتبّع في قلمه ما يتجاوز البلاغة والطرافة إلى نبش ما طواه النسيان، وإلى إضاءة الزوايا المعتمة في التراث وفي تاريخ الحركة الوطنيّة الديمقراطيّة التقدّميّة، كما عُرف في المحافل الوطنيّة العربيّة والأمميّة مدافعاً عن القضايا المحقّة للديمقراطيّة والتحرّر الوطني والاشتراكيّة وحركة السلم العالميّة، وكان لقضيّة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة ضدّ العدوان والاحتلال الصهيونيّين،

كما لقضيّة حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه، ولثورات الشعوب من فييتنام إلى كوبا مروراً بالجزائر... مكانة ثابتة في نضاله الفكري والعملي، وفي إسهامه في تنشيط حركة التضامن الأممي ضدّ الحروب الاستعماريّة والإمبرياليّة، مكرّساً لها الحيّز الأكبر من نشاطه الفكري كما من إبداعه الأدبي.
نشأ مخايل عون في "حارة حريك" حين كانت ضاحية خضراء لبيروت، في بيت تصله جريدة "صوت الشعب" ومجلّة "الطريق"، وقد أقبل الفتى على قراءتهما، كما يقول في كتابه "رئيف خوري الأديب الثائر" في معرض الكلام على اكتشافه رئيف خوري الشاعر، عندما وعده الوالد بأن يشتري له بندقيّة صيد إذا حفظ عن ظهر قلب القصيدة التي ألقاها خوري بمناسبة الاحتفال بذكرى ثورة أوكتوبر الذي أقيم في صالة "سينما روكسي" في بيروت (1944). ثمّ طلب الفتى من والده أن يصطحبه إلى مناسبة يشاهد فيها الشاعر عن كثب، وكان له ذلك في "أربعين" عمر فاخوري، حيث ألقى خوري، إلى كلمته، قصيدة الشاعر محمّد مهدي الجواهري. وقد تركت هذه المناسبة وأمثالها من المهرجانات الشعبيّة بصمة لا تمحى في نفس الشاب وجّهت حياته في اتّجاهين: فمن جهة، اختار المحاماة كمهنة كونها تتيح له المرافعة دفاعاً عن ضحايا الظلم الاجتماعي والسياسي و الاضطهاد الفكري، ومن جهة ثانية، اعتنق حرفة الكتابة الأدبيّة، ناقداً وباحثاً ومبدعاّ خاصّة في القصّة. وقد ترك في هذه المجالات كلّها إرثا لأبناء الأجيال اللاحقة يفتح أمامهم آفاق تَعَرُّف تاريخهم بتناقضاته، فكان صاحب القلم الجريء، لا يساوم على قناعاته، متّبِعاً خطى كبار الكتّاب الذين مثّلوا الضمير الشعبي الكفاحي والثوري، وكان من الطبيعي أحياناً أن يتسبّب التزامُه الحارّ، مع صراحته القصوى إزاء نفسه وإزاء رفاق الدرب، بإطلاق أحكام متسرِّعة سرعان ما كانت تستعيد توازنها.
هناك مَن يلوذ بالصمت إزاء إرث مخايل عون، لأنه لم يقرأ هذا الإرث الغنيّ. لكن هناك كذلك من يلوذ بالصمت لأنّه قرأ. ذلك أن الأديب كان يرصِّع بساطة الاسلوب بومضات من البلاغة في خدمة حقيقة عربيّة ديمقراطيّة تقدّميّة أثيرة، وصفها بـ"اللبنانيّة" أسوة بعمر فاخوري، وكرّس لها كتابه الغنيّ "الروّاد في الحقيقة اللبنانيّة": عمر فاخوري نفسه مع اليازجي، الريحاني، جبران، مارون عبّود، الياس أبو شبكة، رئيف خوري، الياس فرحات، مخايل صوايا، فؤاد جرداق... وقد أفرد كتابين مستقلّين لإثنين من هذه الكوكبة: "رئيف خوري الأديب الثائر"، و"أمين الريحاني في قلب لبنان"، متابعاً اهتمامه الفكري بقضايا النقلة من النهضة إلى الثورة، ولا تزال اجتهاداته في هذا المجال قابلة لإثارة النقاش الخصب، هذا عدا نتاجه في القصّة وفنّ المقالة والبحث الاقتصادي الاجتماعي.
كان من أواخر إسهامات مخايل عون في "النداء" (10 آب 2018) مقالة شبه وداعيّة تحت عنوان "بيتنا في البستان بين العنبر والرمّان" يعود فيها إلى مرتع الطفولة في مسقط رأسه "حارة حريك"، وتُمسك بحلقه غصّة وهو يرى إلى البستان المزهر وقد استحال كتلاً إسمنتيّة. فحقّ له أن نستودعه رونق الحياة الثقافيّة اللبنانيّة التي لا تزال تحتفظ بنضارتها، رغم كلّ شيء.

# موسومة تحت :
  • العدد رقم: 355
`


الياس شاكر