مشروع إعادة الإعمار: وسط بيروت ليس للناس

مع انتهاء أي حرب، تعمد الدولة إلى إعادة إعمار ما تهدّم جرّاء المعارك والقصف. ولكنّ الهدف من الإعمار يختلف بين نهج سياسي- اجتماعي وآخر. فمثلاً تلجأ بعض النماذج إلى إعادة السكان إلى بيوتهم وتثبيتهم في المنطقة التي دُمّرت في الحرب. في حين أنّ نموذجاً آخر قد يلجأ إلى تغيير الطابع الاجتماعي للمنطقة وبالتالي يُبدّل النمط الاقتصادي لهذه المنطقة. النمط الذي لا يأخذ بعين الاعتبار أبداً السكان المتضرّرين من الحرب، بل يعتبرهم أرقاماً لا مشكلة من التخلّص منها. هم جزءٌ من الذاكرة الاجتماعية للمكان الذي يجب أن يصبح "جميلاً". وهنا الجمالية تصبح إشكاليةً بحدّ ذاتها. فالأماكن جميلة بأُناسها والذكريات التي يصنعونها في منطقة معنية. ما حصل مع انتهاء الحرب الأهلية عام 1990 تمثّل رسميّاً بقرار إعادة إعمار البلد ما يعرف اليوم بال"downtown" أو "سوليدير". المُلّاك الأصليون أُجبروا على بيع عقاراتهم بأسعارٍ زهيدة للدولة التي كانت تضع خططَ إعادة إعمارها الشركة التي يرأسها رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري. فوقع المُلّاك بين خيارين إما البيع بسعر زهيد، او استملاك الدولة بالقوة. ربما ظنّ الناس بأنّ الدولة ستُعيد البلد إلى سابق عهده ملتقىً لكلّ الناس من كلِّ الطبقات ومن كلّ لبنان للتبضّع في الأسواق. إنّما الهدم الذي جرى في البلد دلّ على شيءٍ واحد وهو محو وطمس كلّ معالم بيروت السابقة للحرب. فساحة البرج اندثرت وأصبحت ساحة الشهداء. المحلات التي كان بإمكان أي شخص انتمى لأيّ طبقة أن يزورها اختفت. أصبحت هذه الأراضي مُلكاً خاصّاً لشركة سوليدير. كان القرار واضحاً حينها، وتمثّل ببناء "بيروت جديدة" لجذب السياح فأصبحت بيروت هجينة بلا هوية عمرانية أو ثقافية. أثناء إعادة الإعمار عُثر على لوحات فسيفساء ضخمة مدفونة في شارع ويغان على الطريق المؤدّي إلى بلدية بيروت (حيث دارت أعنف المواجهات مؤخّراً). في دولة تحترم نفسها وتحافظ على آثارها وتراثها، هذه الفسيفساء الضخمة يُحتفظ بها وتُصان. ولكن ما كان فعل سوليدير إلّا أنْ قامت بتفجير المكان لطمس المَعلم استكمالاً لمشروع خلق هوية جديدة للمدينة وقتل تاريخها. المنطقة عبارة عن نماذج معمارية مُستوردة من فرنسا بالأغلب. والسبب كان جذب سُيّاح الخليج إلى بيروت عوضاً عن باريس. الـ"downtown" أصبحت حكراً على طبقة معيّنة من الناس. إن مررْنا بها نحن نشعر بالغربة وبأنّنا دُخلاء على هذه المنطقة فهي لم تعد تشبهنا. وفي وادي أبو جميل أيضاً، عام 1997، قامت شركة سوليدير، بعد استملاكها لعقارٍ شُيّدَ عليه بناءٌ سكني، بتدمير المبنى لتشيد مكانه المباني المعاصرة. حينها، عارض سكان المبنى الإخلاء. تخيّلوا ما حصل. قامت سوليدير بتدمير المبنى على قاطنيه! هذه المباني فارغة الآن، فبيروت التي كانت لكلّ الناس أصبحت مدينة أشباح لا يمكن لأبناء الطبقة العاملة والمتوسطة الدخل من التفكير حتى في استئجار شقة فيها، فما بالكم في شراء شقة! قصة أخرى من قصص توحّش رأس المال تتجلّى في العقار المَبني عليه الآن الفرع الرئيس لبنك البحر الأبيض المتوسط (البنك المملوك من آل الحريري) على التقاطع مع الشارع المؤدّي إلى بيت الوسط. لم يشأ صاحب العقار بيعه وظلّ متمسّكاً به. فقرّر حينها مجلس الوزراء عبر سوليدير أن يمرّ النفق الذي يربط منطقة عين المريسة بمحلّة الرينغ أسفل ذلك العقار، وبالتالي الدولة ستستملك العقار لبناء النفق. حينها، وتحت هذا التهديد بخسارة العقار دون لقاء مالي، اضطّر صاحب العقار إلى بيعه لبنك ميد بسعر أقل، وحصل ذلك بسبب تضارب المصالح بين مالك البنك، مالك الشركة، ورئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري. كلُّ هذا العنف كان لطمس هوية المدينة وكأنّنا بتلك الطريقة ننسى الحرب الأهلية وويلاتها. الحرب الأهلية حصلت، ولطخاتها لا تزال، ولا سيّما إعادة الإعمار التي أطلقت يد الرأسمالية المتوحّشة لتجعل هذه المدينة محصورةً بفئة معنية من الناس، لا جميع الناس كما كانت قبل الحرب.أمّا الآن، نحن نستعيد البلد منهم بأظافرنا، نعود إلى بيروت وأسواقها ندمّر جماليتها المزيّفة لنضع بصمتنا الجمالية لبيروت، لنستعيد بيروت ونجعلها شوارع الثورة فتصبح الثورة المجيدة هي ذاكرة بيروت، لا المصارف، ولا الفساتين الباهظة ولا سيارات الفيراري، بل الناس كلّ الناس، نحن الذين ينظرون إلينا باشمئزاز ويطلقون علينا تهم تخريب بيروت. نحن لا نخرّب بيروت، نحن ندمّر حُلمَ النيوليبرالية الإعماري لبيروت الذي أصبح نهجاً في المنطقة، ومثالاً على ذلك الأردن والآن القاهرة الجديدة. الناس، هم الجمال، واللحظات الجميلة الدافئة. الذكريات هي المشاعر المعروشة في أعماق الروح. العلاقات الاجتماعية، الباعة والزبائن هم التواصل وحركة الحياة ومبعث السرور. أمّا مدينة الأشباح التي بنوها "كلن يعني كلن" هي المضاد للناس. وهذه الأراضي المغتصبة ستعود لأُناسها. ستعود البلد كما كانت لكلّ الناس.

Image

هذا القتل المعولم

أمضي في دُنيايَ، ولي عند أبواب الأعوام والسنين، عناق مجيئنا إلى هنا، وتلك المُنى في ما بعد، أحملها أباً عن جد، ولستُ غير من جاء غداً، حاملاً أثوابَ عيدٍ تلوَ رحيل، كما لو نجمع بقايا أجزائنا من قفارٍ وغياب، نجهدُ في جمعها كي تكون اجتماعنا، وهي سلوانا لأجل الخلاص من سنين الرصاص، لخلاصٍ بأعوام الخير والفرح. تأخذُ الغيوم بعض هيئاتنا، وبمتعة المطر والشّوق، أنتظرُ هاتي القطرات المُتباسمة، تسعى إلينا كيف تتوالد، كيف قطراتنا هناك، تتكاون عناقنا هنا، وعند غرابات الرؤى، هسيسُ الأساطير، خلفها، حروب الأكوان، حتى كانت سفينتنا الفضائية، هذي الأرض جامعة العوالم، الذاخرة، المتذاكرة دماءَ الكائنات، والغزاة منها، والحفاة، والطغاة، نعْدوها بأشكالٍ، بهيئاتِ أصنام، ولم أزل، أقتفي رائحةَ الشتوة الأولى، رائعة الغُسْلِ والتطَّهْر، لأزهى بخيوطٍ تتسلّلُ ذهبية، ولا لأذهبَ عن بوحي، وقد خلعتُ نعليَ عند أوّلِ خيال... من حينها، وحجيج الأرض، يقيمون موائد الأضاحي، تلك المُنتقاة بعناية، الذين، فائض بشرٍ ودموع كائنات، فائض صراخٍ وانذهال، هاك، عند الضفاف غزوات التبتّل، مجرّد إدمانٍ بأدواتٍ بشرية. ونحن، في هذا العصر الغريب، منذ حِقبٍ سحيقة، أذكرُ كم قُتِلتُ؟ كم صديقاً رفيقاً إنساناً... كائناً حيّاً في دمي؟ تمهّلْ صديقي، كلانا قِصّةُ سفرٍ ولقاء، وإن عزَّ سفرٌ حين سفرٍ خارج الوقت، تظلُّ في وقتنا... نُنشِدُ معاً رقصةَ الشمس، ولمّا نزل نولدُ بعد رصاصاتٍ قاتلة، والحياة بعدك فارغة، لكنّك من أثيرها ونسيجها، تُسبّحُ برحابك الجديدة، وبأنّا انتظارُكَ الورديّ، بأنّكَ ديمومتنا معاً، لا زمنَ بعد هذا السفر، فالوقت إلى زوال، حيثُكَ الخلود، وهاتي الأنخاب على قارعة المُحتفين، نرفعها صُبحَ مساء، والعين وصلٌ لعينٍ في عين اليقين، تنظرُنا من عليائك بلا ظنون، بلا خوفٍ يعترينا غير الشّوق لأيامنا، لمرايانا، لهذا الإمتداد السرمدي، تتداخلُ فيه للحظة التكوين، وقد خُلِقنا للتواصل، للحياة، لأبديةٍ من مأد الجذور. وقد رفعتُ عن كاهل القمرِ وردةً جذلانة، وبعض أفكارٍ راودتني، وتلك الأوراد لا تنْي، تهيم بمائي، بصلاتي ما بين جِنِّ سليمان، ورمشة عين، وعلى عين عيناثا، نواعمُ العين، يطرفن بغسقٍ وشفق، فانشقّ لهن القمر بآيته، واعتلّ الكون حتى اعتدل... هنا في مهدنا الوجوديّ، اتّبعنا معاً نوستالجيا انوجادنا، واستعجلتنا النوائبُ، لم نُصغِ لها، صِغْنا فرَحَنا من العذابات، وسرّعنا العقاربَ تدورُ بعكسها، كي ننعمَ... نكبر كلَّ ترجيعٍ ونداء، والساحات والميادين، حُرّاسها من كلِّ حبّةِ حِنطة وجمر، ولا لتتبخرَ الأنفاس؛ فهي في تآفقها وتعامدها، تصنع وطناً قديماً غنّيناهُ، حملناه في السرّاء والضرّاء، كي نغفو لمرةٍ، ولا نصحو على مقابرنا الحياتية. عوالمُنا الغريبةُ القاسيّة، تراقبُنا، لا ننفكُّ عن صخبها وضجيجها، لا استقرارَ كي نشمَّ أريجَها؛ فالأفكار اللعوب، تأخذ بنواصي الوجود، تحيل المعرفةَ لمجرّدِ مُتلّقٍ، لا يفقه أمراً، والسنون الكبيسة ترمينا بمعادلات المزارع والقطعان، طغيانٌ فريدٌ نذيرُ خزيٍّ وسقوط، ولمّا أزلْ أتسقّطُ منابتي؛ فنبتَ بين يديَّ، في أعماقي، قرنٌ من الحروب الدامية، والزّمان غبار أجسادِنا وأرواحنا، رواحنا في مكاننا بلا إرادة، إلياذةٌ طويلة الأساطير، الأساطين والأعراب، وغراب قابيل على عهده وخوفه، ينعق، يزعق في جراحنا المديدة، في حديدنا وصَلْبنا الدامي، في أصلابنا وارحامنا، في هذه الغيبة والغيبوبة الأممية، في قطرةٍ أوسع من مجرّات. كم لوجهٍ نحتاجُ لكي نغضب، لكي ننهض، لكي... وأخشى الجانبَ الآخر المجهول، كما لا أرجوه، كمن لا يخشاه، وهذه صورتي في وجه أبي، افتقد هذ الوجهَ المنذور لمقامهِ هناك، فاستعدَدْتُ ليومٍ آخر، لرجلٍ ذرّتهُ القصائد، وذلك العائد من موته، يسحبُ السحابَ بطائرة ورق، فلبثنا بضع سنينَ في الخوف والحنين، في ذلك الجُبِّ اليوسُفيِّ، وبعض السيارةِ رمونا بصلياتٍ جائرة، وغيرهم بمشاعر حائرة، غيرهم بأنوارٍ حملتني إلى صدرها، إلى صدر الحُبِّ والأمان، وكلُّ ما فيَّ غريب وشهيّ، كما لو كنتُ وجبةَ الموتِ هناك، يُجالسُني، يُخالطُ مشاعري وأفكاري، صوتي الخفيَّ، يومياتي المُحَصّنة بالآيات، يذهبُ بي في رحلة كلِّ يوم، ولا أجدُني على غير فراش، أتذكّرُ كيف كنّا في كلِّ الأماكن، في تلك اللحظة المفتوحة على الوقت، حيثُنا لا زمنَ، لا حِسابَ، لا أجراسَ، لا حُرّاس، لا أعلامَ أو مآذن، فقط ذلك الصراخ من أعماق المبنى المهدّم، وأنا أنظر إليه... أُناظِرُهُ على رؤوس الأشهاد كي يرفع الحطّام عن الأجساد الطرّية. لا يفعل، فهذا شأنهُ وعمله على الأرجح، وأجنحُ لأسئلةٍ بلا جواب، لمطرٍ مهروسِ الجلود، لولاداتِ الطين الممنوعة العواقب، وأنا القتيل الرّاغبُ بالمثول أمام قضاة المحكمة العليا، مرافعاً، مدافعاً عن القتلى، عن القتَلة لربّما، ربّما هم منذورن لكلّ هذا القتل المعولم.

Image

المعرفة البديلة: المساحات العامة مطلب أساسي

يقدّم النظام المهيمن المعرفة بشكل ومضمون محدّدين: هي أداة جامدة تنتجها النخبة المثقفة بمضمون يكون بالضرورة لمصلحة الطبقة المهيمنة. لكن هناك ما تغيّر ولو بشكل أوليّ، منذ السابع عشر من تشرين الأوّل، خاصة على مستوى مساءلة طبيعة المعرفة التي تقدّمها الأوليغارشيا، والبحث عن معرفة بديلة. وقد حملت هذه الانتفاضة تساؤلات جديدة كان قد أسكتها النظام المهيمن في لبنان، ومن ضمنها، الشكل الوحيد المطروح للتخطيط المديني في لبنان، أي غياب تحديد دور الدولة في تنظيم السوق الحرة لخدمة الأوليغارشيا. حملت هذه الانتفاضة إذاً مساءلة للأشكال المهيمنة لإنتاج المعرفة ونتيجتها على وعينا. فتحت الأيام السبعون ونيّف الماضية فرصَ نقاش مواضيع عديدة، كانت في ما مضى آخر اهتمامات الناس، أو لنقل، لم تكن أصلاً على لائحة الاهتمامات. فجأة، ظهر جوع غريب وكاسح تجاه كل أشكال المعرفة. نريد أن نعرف عن الاقتصاد، والسياسة، والقانون، نريد أن نعرف ماذا يجري على مستوى البيئة، والطبابة والنقل العام والصحة النفسية والفكر النسوي والإعلام والفنون والتخطيط: الشعب يريد المعرفة. ولا تأتي هذه الحاجة من فراغ، بل من سيطرة كاملة وكامنة للنظام الرأسمالي على كل أشكال إنتاج المعرفة في المنطقة، من التربية حتى الإعلام مروراً بالنقاشات في اللقاءات الاجتماعية. وفيما كانت مصادر المعرفة ترزح تحت هيمنة الأوليغارشيا، قدّمت هذه المصادر ولسنين طويلة وصفات إسكات الشعب وتخديره، من اتّهام الطوائف لبعضها البعض، واتّهام اللاجئات واللاجئين، أو من إسكات الناس بالقول بأن الوضع الاقتصادي ممتاز والفقير "فقير من إيدو". كما قدّمت أيضاً برامج تعمل على قتل الإبداع، من إنتاج درامي مسطّح لا يتعاطى بأي شكل من الأشكال مع حقيقة الحياة في لبنان والمنطقة من جهة، وأبدعت أيضاً بتحويل أزمة رأس المال إلى برامج تسمّيها "اجتماعية" تُظهر في أساسها مفهوم الاستعطاء والعمل الخيري الذي يسوّق للشفقة على المهمّشين/ـات ويعتبر الفقر مسؤولية الفرد لا النظام والمجتمع، ضمن رسالة سياسية قائلة "هناك فقراء تعساء، بإمكاننا استغلالهم لزيادة عدد المشاهدين وشحذ العواطف". لسنين إذاً، وجد الفرد نفسه/ـا في لبنان، أمام إنتاج معرفي واحد. وقد أثّر هذا الشكل من المعرفة المهيمنة، إلى اغتراب الأفراد عن "ميزاتهم" أي ما يسمّيه ماركس اغتراب عن جوهر الأنواع، جوهر كونهم بشراً، من حيث فقدان قدرتهم على تغيير وتشكيل ما حولهم، قدرتهم على البقاء بشر. فما يصنعونه وما يجبرون على التفكير به وقوله، لا علاقة له باهتماماتهم أو بمصلحتهم، لأن المعرفة التي يستطيعون الاحتكاك بها، تُنتَج لخدمة مصلحة الطبقة المهيمنة والمحافظة على موقعها السياسي. هو إذاً استلاب بين أفراد الطبقة العاملة بعضهم البعض، لأنه يضع هؤلاء المهمشات والمهمشين في مواجهة بعضهم البعض. ولأن الانتفاضة جاءت لتخلق بتراً مع هذا الاستلاب، خرج الناس إلى الشوارع للرفض، وكانت المعرفة البديلة، المعرفة المنحازة لهم هي أحد أشكال هذا الرفض. جاءت أولاً بمساحات نقاش غير نخبوية – مقارنة مع الأشكال الكلاسيكية، من شاشة تلفزيون أو قاعة محاضرات، مع ما يحمله هذان الشكلان من علاقة فوقية مع المتلقي/ـة: أصبح الشارع، باعتباره مكاناً ملموساً، مكانَ النقاش، أي مصدر الإنتاج المعرفي. وفي هذا المكان بالذات مساحة كبيرة للشكل الديمقراطي من إنتاج المعرفة. فالمثقف/ـة بشكله الكلاسيكي لم يعد هو مصدر المعرفة، إنّما الشعب. إذاً فتح الشارع بخاصيته، باعتباره مكاناً عاماً، المجالَ للشعب بأن يدخل في لجة النقاش السياسي الاقتصادي العلمي الهندسي الطبي البيئي وغيره، ويكون جزءاً منه، لا متلقّياً فقط. هكذا، أصبحت اليوم أساسية للنقاش، مواضيع كانت في الماضي غير مطروحة أصلاً، وكان أحدها موضوع التخطيط المديني وإدارة الأراضي والمنشآت. لماذا نعيش كما نعيش؟ أين هي الدولة من تخطيط الأراضي، وما هي حقوقنا؟ أسئلة نبشها الشعب من تحت تلال المواضيع التي حاولت الأوليغارشيا استخدامها للتعمية عن أهمية التخطيط. اليوم، تتمظهر إدارة الدولة للأراضي بشكل وحيد: تنظيم السوق الحرة لمصلحة الأوليغارشيا، إنْ كان عبر اعتبار البنى التحتية مصادر شرعية للربح، أو عبر اعتبار الأراضي سلعاً في السوق العقاري. في المقابل، طرح الشعب في نقاشاته في بيروت والمناطق عبر موضوع التخطيط، أسئلة عن علاقته بالدولة، فاكتشف بأنّ حقوقه أكثر بكثير ممّا رضي به لسنين طويلة مضت، وبأنّ أحد أكبر همومه اليوم، تأمين المسكن الآمن في ظلّ ارتفاع أسعار الإيجارات واضطراره للابتعاد عن قراه، وأنّ الظلم الذي يلحق بالقرى هو ظلم ممأسس تمارسه السلطة تجاه الطبقة العاملة في لبنان. نتيجة لذلك، تمّ في مناطق عديدة طرح تأثير الملكية الخاصة في تهميش حقوق الجماعة ككل، في تغيير غير متوقّع للأحداث (plot twist) بحيث كان المتوقع دائماً أن تساهم سنين التكييف المعتمد على المعرفة الرأسمالية بتقديس هذه الملكية ومنع أي نقاش حولها، فعمل نقاش موضوع التخطيط المديني إذ ذاك كخطوة تحرّرية من هيمنة المعرفة الرأسمالية. نفهم إذاً تهافت الناس خلال هذه الانتفاضة، على مواضيع كانت لتبدو أقلّ أهمية من الصراع اليومي من أجل القوت. لأنّ الجوع الذي أظهرته الانتفاضة، هو جوع سببه أيضاً غياب الإجابات: لماذا نحن فقراء؟ تقولون أننا منهوبون، من سرقنا وكيف ولماذا؟ جوع يفصل، شيئاً فشيئاً، بين السائل والمجيب الكلاسيكي المعتمد بشكل ببغائي بماورائيات الأديان الإبراهيمية، أو بالمغالطات السياسية الطبقية. لقد حرّكت الانتفاضة الركود المعرفي الموجود، فأصبح الشعب اليوم يطرح أسئلة جديدة ويطلب إجابات اعتاد الرفيق ماركس على الإجابة عنها.

Image

صرخة نساء الجنوب

"النظام الأبوي يقتل"، كان هذا أحد شعارات المسيرة النسوية يوم الأحد في مدينة صور. لم يتعدَّ عدد النساء الثمانين، لكنّ هذا الأمر لم يمنعهن من السير في شوارع المدينة الرئيسية، واقفاتٍ أمام مصرف لبنان والمحكمة الجعفرية، "مقبرة النساء" كما ذكرت الشعارات. كان صوتهُنّ مدوٍّ في كل شوارع المدينة. هتفْنَ ضدّ السلطة الدينية، هتفْنَ لحقّ الأمهات في الحضانة، لحقّ النساء في إعطاء الجنسية لأطفالهنّ، هتفْنَ ضدّ السلطة الأبوية وكل ما يحوي المصطلح من قمعٍ وذكوريةٍ واستغلالٍ وتميُّزِ فردٍ على آخر وإقصاءٍ واستضعافٍ للآخر. لعلّني أكثر تفاؤلاً من الكثيرات إذ أقول بأنّ هؤلاء النساء تحدّيْنَ مَن منعَهنّ من حقّهن في المشاركة السياسية والتظاهر في الساحات العامة والمساهمة باتّخاد القرار. إذ أنّ وجود النساء في الساحات والشوارع ليس بمشهدٍ مألوف في صور، بسبب حصر دورهنّ داخل التجمعات الخاصة الضيقة مثل المنزل وأماكن تجمّع الأسرة والحيّ. منذ بداية هذه الانتفاضة، كانت نساء صور الأقوى، بحيث عرفْنَ أنّ هذه الحقوق مكتسبة، ففرضْنَ وجودهنّ في الشارع وأصبحْنَ جزءاً أساسيّاً من انتفاضة صور، ونزلْنَ المسيرة يكرّسن ذلك. لنساء صور قوّة مرعبة، بالرغم من الواقع الاجتماعي القاهر. وكما يحدث في معظم المجتمعات المحافظة، فإن خروج النساء في كثير من الأحيان، ولو كان بهدف اللقاء بالأصدقاء، يخضع لبروتوكولات معيّنة، تحدّد المكان والمدّة والشكل وحتّى نوع الأصدقاء وشكلهم وبيئتهم. بينما يستطيع الأخ الأصغرأن يلعب دوراً في فرض سلطته على أخته التي قد تكبره بعشر سنوات. من المعلوم أنّ لصور خصوصية سياسية كحال الجنوب عامة، خصوصية من صنع حزب الله وحركة أمل، أقوى أحزاب السلطة. يأبى الثنائي إلّا أن يحافظ على هذه الخصوصية بكل ما لديه من أدوات لضمان استمراريته وسلطته. فلهذين الحزبين مثلاً سلطة لإلغاء حفلة يقيمها مطعم، بحجة أنّ في الفرقة الموسيقية "بنات بيلبسوا قصير". لهذين الحزبين سلطة لإقفال محال تبيع الكحول، ومنع جمعيات من دخول الجنوب، وإيقاف نشاطات غيرها، ومنع -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- وجود ساحات عامة للتلاقي والتفاعل، أو تجمع شبابي له تطلعات تغييرية أو بكل بساطة رؤية يمكن أن تتعارض مع مشروعهم. كما فرض الثنائي أنماط تديُّن جديدة، وأسقط علينا ممارسات ثقافية هي في الأصل غريبة عن مجتمعنا عامة، والمجتمع الجنوبي خاصة. وهي أنماط ليست ذات منشأ ديني كما يدّعي، إنّما ذات بُعد سياسي رأى من خلاله قدرة للسيطرة على المجتمع وعقول الناس. أنتج هذان الحزبان نوعاً خاصاً من رجال الدين ودعموهم ليحظوا بثقل وسلطة تفوق في بعض الأحيان سلطة رجال السياسة. استخدم الثنائي الشيعي موارده، فائض قوته وسلطته لعزل المدينة عن التطور والانفتاح. وقد نجح بنسبة عالية ولفترة معينة. لعلّنا، كنا لأعوام مستسلمين لهذا الواقع، وكل ما استطعنا فعله هو مراكمة الكره وحقدنا تجاه هذه المدينة والهرب نحو بيروت. اليوم، تعلم هؤلاء النساء أنهنّ في مواجهة مع من ينصّبون أنفسهم أولياءً عليهن بدعم مباشر من أقوى الأحزاب سلاحاً ومالاً وسلطة. ثارت نساء الجنوب على هذه الإنتاجات والأنماط، كسرْنَ كل القيود الإجتماعية، تحدّيْنَ كل الأطراف المعادية، تحدّيْنَ المجتمع ونظرته للنساء في الشارع، تحدّيْنَ السلاح والعنف الذي يهددون به المنتفضين كل يوم. تحدّيْنَ أنفسهنّ وانتصرْنَ، فأحدثْنَ خضّة نوعية تزعزع أركان الموروثات الاجتماعية والأنماط التي كرّسها هذا الثنائي في نظرة مجتمعنا للنساء. هذه الخضة يبنى عليها لتأسيس نمط اجتماعي تقدّمي في تعامله مع النساء، ويؤسّس لشكلٍ جديدٍ للمدينة.

Image

حب في زمن الثورة

شخصيات القصة من مدينة صور، أبطال رواية تبدو للوهلة الأولى غير حقيقية. كوثر بدوي من حارة الجورة - ما يُعرف بـ"حارة الإسلام"- حائزة على إجازة جامعية لتعليم اللغة الانكليزية عام 2018 وتبلغ من العمر 22 سنة. كانت تعمل في مقهى ستاربكس على الكورنيش البحري لمدينة صور قبل 17 اكتوبر. بدأت مسيرتها الثورية ليل الخميس عندما خرجت من المقهى لتسير مع التظاهرة الشعبية فطُرِدت من عملها في اليوم التالي. كوثر تملك صوتاً جميلاً وهي من "هتّافات" صور. الياس برادعي هو الشخصية الثانية في هذه الرواية، شاب عشريني من ما يسمّى بـ"حارة المسيحية" في صور. هو طالب جامعي في تصميم الغرافيك ويتلقّى تدريبات عديدة في التمثيل. كبطل رواية حقيقي، له هوايات عديدة منها ألعاب الخفة والنار. "كوكو"، هكذا يناديها الياس، كثيرة الحركة، اجتماعية، نشيطة بين المتظاهرين، تهتف بصوتها الرنّان بإصرار وثقة. أمّا "ليلو"، كما تناديه كوثر، فقد كان يتبعها في جميع نشاطاتها. في ساحة العلم يلتقيان، ويحتسيان القهوة ويتناولان الطعام معاً كلّ يوم. تقول روايتهما بأن الياس جاء في أحد الأيام متأخّراً يحمل طعام الغذاء لكوثر كونه يعلم أنّها ترهق نفسها في النشاطات. تمنّى لو تجلس بجانبه فتأكل وترتاح لبعض الوقت، لكنّه لم يجدها في الساحة وعندما سأل عنها قالوا له بأنها ذهبت إلى الصيدلية وسوف تعود. برد الطعام وحلّ الليل ولم تأتِ كوثر، فأصيب الياس بخيبة أمل. لم تترك له كوثر أيّ رسالة عن سبب غيابها المفاجئ. أمّا كوثر، فهي انتظرت رسالة من الياس أو اتصالاً منه، يستفسر عن سبب غيابها عن الساحة في ذلك اليوم ويطمئنّ عليها. لكن الياس لم يقدم على أي خطوة واعتبر أنّه أخطأ بإعطاء اهتمامٍ لعلاقة شخصية في ظل الثورة. عندما جاء اليوم التالي، التقيا في الساحة دون سلام. سأل أحد المتظاهرين كوثرعن مكان تواجدها في اليوم السابق، فأجابته بأنها كانت في المستشفى لأنّها كانت مريضة جداً. سمع الياس الحديث الذي دار بين المتظاهر وكوثر وأصيب بالخجل. أخذ يفكّر بكيفية الخروج من هذا المأزق، ثم ذهب إلى كوثر وأخبرها بأنه كان قد تصرف بتكبّر، وأنه لا يريد إزعاجها لأنه يعلم بأنها ليست مهتمة بأيّ ارتباط. فضحكت كوثر من دون تعليق. وعاد الياس يتبع كوثر كخيالها من الصباح حتى المساء ينتظر وقت الطعام أو القهوة صباحاً ليحظى بابتسامة أو حديث خاص بينهما. وفي يوم، قرّرأثناء إحدى الندوات الشعبية أن "يغيّر" الهتاف ويأخذ المذياع ليعلن لكوكو عن حبه بعد ثلاثة أسابيع تقريباً على بداية الثورة. إلياس الذي كان شاباً غير وفيّ في علاقاته مع النساء، يرى بأن هذه الثورة غيّرته. لم يشارك الياس في بداية الثورة ولم يهتم لما يجري، لكنه في اليوم الرابع نزل إلى مكان الاعتصام ورأى المتظاهرين. ثم لفتت نظره فتاة "هتّيفة" اجتماعية جدّاً، فأجبِر على الاختلاط بالمعتصمين. بدأ شيئاً فشيئاً يكتشف أموراً بسيطة لم يكن يعرفها من قبل، كحقّه بالحصول على الكهرباء 24/24 ، وبدأ ينمو لديه وعيٌ ثقافي حتى في مواضيع غريبة عنه تماماً كالحفاظ على البيئة. "أصبحت الثورة أملاً جماعياً"، يقول الياس. أمّا كوثر فتقول بأن الثورة هي مساحة للتعبير عن الرأي. لم يتغيّر شيء في شخصيتها المستقلة، لكنّها تعلمت من الياس "السحر". من جهة أخرى، هناك حواجز خوف في علاقة كوثر والياس، أولها الاختلاف الديني بين شخصين في علاقة. من ناحية موقف الأهل فأم إلياس أحبّت كوثر، أمّا أباه فقد اعتبرها في البداية شيوعية كافرة ومن عبدة الشياطين لعلمه بأنّ الياس تعرّف عليها في التظاهرات الشعبية، بالرغم من محاولات الياس لتوضيح صورة المتظاهرين الذين تعرّف عليهم وتعلّم منهم الكثير. والملفت أن أبا الياس مناصرٌ لحركة أمل. أبو كوثرالذي كان عضواً في حزب الله، أخذ موقفاً حاسماً جداً بعد اندلاع الثورة وخاصة بعدما طلب منه أحد عناصر حزب الله عبر اتصال هاتفي إخراج كوثر من الساحة، مهدّداً إيّاه بتجميد عضويته في الحزب. كان قرارُ أبي كوثر واضحاً، فقال له: "استقالتي جاهزة". انتفض أبو كوثر على حزبه ودعم ابنته لاستكمال مسيرتها النضالية. تختم كوثر روايتها بقولها "أحبه"، أمّا الياس فيقول: "يسقط نبيه بري".

Image

السابع عشر من تشرين: نحو حركة طلابية ثورية

لقد قالها الطلاب "يا بيروت شدي الحيل تنسقِّط رأس المال". تصدّع جدار البنية الطائفية في السابع عشر من تشرين الأول. كانت تلك الليلة نقطة تحول أولى لا رجعة عنها في تاريخ لبنان المعاصر. كانت شرارة تحوّل في الحسّ الطبقي المدفون تحت رمضاء الطائفية السياسية. وأمّا نقطة التحول الثانية كانت بين 20 و22 من الشهر عينه بين خطاب الأمين العام لحزب الله واستقالة الحريري من جهة والاعتداء الذي قاده المنطق الإقصائي الهمجي لشبيحة الأحزاب الطائفية من جهة أخرى. تجلّت معالم المواجهة المفتوحة بين أذرع الترهيب للدولة الطائفية الريعية وبين شعب هذه الأرض. أي أنّ تناقضات البنية باتت بينة لا تقبل التأويل: الدولة – أداة قمعية تتّكئ على عماد الهيمنة الدينية والاقتصاد التبعي مقابل شعب – أهل الأرض من المواطنين واللاجئين والعمال المهاجرين الذين قرروا الخروج عن صمتهم. أبناء شعبنا من الطلاب والشباب والعمال والعاطلين عن العمل رابطوا في الساحات رغم طبول القمع المفتوحة عليهم ليكون فعلهم إعلاناً صريحاً بأنّ المواجهة قائمة والمسؤولية تاريخية. لكنّ التاريخ صيرورة. لم ينفجر الغضب الشعبي في هذه الأيام مصادفة فقد أتى تشريننا هذا بعد سنة حافلة بالاحتجاحات، بدأت بإضراب المعلمين فحراك طلاب الجامعة اللبنانية الذي انبثق عنه  تشكيلات طلابية اتّخذت لنفسها موقع النقيض من البنية الطائفية. وقد توجت التحركات مع حراك المخيمات الفلسطينية الذي امتدّ على مدار تسعة أسابيع والذي عكّر صفو المفاهيم المعلبة للأنا والآخر في مجتمع تمزقه الهويات المجتزأة. تظاهر سكان المخيم (من الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين) باسم العمل والعمال ضدّ البنية القانونية اللبنانية لما فيها من تكريس للريع والعنصرية والزبائنية والعزل والإقصاء. انتفضت المخيمات ضد بنية النظام القانونية تلك عينها التي تعفي أصحاب راس المال والشركات والمصارف الكبرى من الضرائب وتحرم الفقراء (بمعزل عن جنسيتهم) من الحق في العمل والسكن والطبابة. غضِبَ طلاب جامعة الفقراء فانفجر الشعب انتفاضةً ستغيّر مجرى الزمان في هذا الوطن. تصدّع جدار البنية الطائفية في السابع عشر من تشرين وبدأت معالم الحسّ الطبقي والغضب الوطني الجامع تتجلّى، مُحطّمةً ثقافة الأيقونة السياسية وهيبة الحزب الطائفي فقالها الطلاب "بدنا علم وخبز ومصنع! نحنا الشعب اللي بقرّر ولمّا بدنا منغيّر!". لقد وضعت حركتنا الطلابية في لبنان نفسها في موقعها الطبيعي كجزء من الحركة الوطنية في البلاد. وإن كانت انتفاضة ليلة 17 من تشرين نقطة تحوّل أولى في صوغ معادلة تقرير المصير في البلاد و ليلة الـ22 نقطة تحوّل ثانية في وعي الانتفاضة للتناقض الوجودي بين الإرادة الشعبية والنظام اللبناني، فصبيحةُ السادس والسابع من تشرين الثاني كانت نقطة التحول الثالثة. نقطة تحوّل لا رجعة عنها في قواعد المواجهة بين النظام والحركة الشعبية. إنّ خروج الجسد الطلابي ككتلة متراصّة إلى الشارع في السادس من الشهر الجاري لهو انتفاضة تولد من رحم الانتفاضة.إنّ تحرّكَ الجسد الطلابي حصنٌ معنوي وفكري منيع للخطاب الجماهيري في الميدان. فمن شأن ولوج شخص الطالب في الشأن العام وبالتالي تبنيه لوجوده كفاعل سياسي، أن يقي وعي الشعب السياسي التحرّري من مغبّة الانكماش الذاتي أو التراجع أو الوهن. أي أنه لا مجال لسيناريو "التداعي السياسي" الآن، ولا مجال للمساومة مع بنيان النظام القائم الآن خاصّة بعد مأثرة طلاب الجامعة اللبنانية في السابع من تشرين الثاني، حيث أعلنت التشكيلات الطلابية المستقلة في الجامعة اللبنانية تمرّدها على مجالس طلاب الفروع – رموز إرهاب الدولة ضمن بنيان الجامعة اللبنانية القائم، الذي حول المؤسسة إلى آلة تجهيل ممنهج لإعادة إنتاج الطغمة السياسية والاقتصادية الحاكمة إداريّاً، ولتكريس ثقافة التطبيع والمطاوعة شعبيّاً. لا يقلّ الفعل الذي حرّر صرح الحدث من صمته في السابع من الشهر الجاري عن فتح ميداني ينتظر جلاءً فكريّاً أكثر جموحاً في جذريّته لكي ننتقل من مرحلة الحس الوطنيوالطبقي إلى فضاء الوعي الطبقي والوطني الجماهيري. خلاصةً، فقد وضعت حركتنا الطلابية في لبنان نفسها في موقعها الطبيعي كجزء من الحركة الوطنية في البلاد. أي أنّنا قد أعلنا مواجهة واقع مؤلّف من حقيقتين، الأولى هي البنيان التابع لأنظمتنا الرجعية والثانية فهي الراهنية الإستعمارية المتمثلة بالكيان الصهيوني التوسعي القاضم للأرض والأنهار والذي يتوغّل في بنياننا الاقتصادي على صيغة شركات عالمية. إن استمرارية هذا الواقع تُحتّم علينا جملة من المهام تتمثل بـالآتي: أوّلاً، ضرورة نشر وعي نقيض للنظام من جهة ولحالة الاعتراض الليبرالي من جهةٍ أخرى. على الوعي الطلابي النقيض مواجهة استفحال منطق منظمات المجتمع المدني المدعومة من الخارج والطروحات المطلبية المجتزأة والمهادنة للمنطق "الدستوري" الراهن. فمن غير المقبول أن نطوّع خطاب انتفاضتنا لـ"إصلاحات" متناثرة أو "تعديلات" قانونية لمنظومة آسنة في الجوهر. كأن نطالب بـ"تعديل قانون الضرائب أو العمل" بدلاً من أن نركّز على إلغاء المنظومة الضريبية نحو نظام جديد يرتكز على شطب الدين العام  وتأميم المصارف وإلغاء الضريبة غير المباشرة نحو اقتطاعات جبرية لذوي الشركات الكبرى واستعادة المال من الأوليغارشية الـ"وطنية". من غير المقبول أن نذعن لمنطق "التعديات" ضمن بنية السوق القائمة دون أن نعلّي الصوت ضدّ التمدد الإستعماري الجديد للشركات متعددة الجنسيات التي توفر فرص عمل منتجة للاستهلاك والتبعية لاقتصادات الخارج. من غير المقبول أن يسقط لنا جرحى وشهداء وأن تُحرق خيامنا ويُضرب شبابنا وشيوخنا في رياض الصلح والزيتونة وصيدا وكفررمان والنبطية وجونية وجل الديب وقبلهم في مخيم المية ومية ونهر البارد وعين الحلوة بأسلحة تستوردها سلطتنا الرجعية الطائفية من سوق السلاح العالمي الذي يتمول من السيولة الناتجة عن استهلاكنا لسلع الشركات العالمية مثل"نتسلة وبوما وباتشي وجي فور أس وزارا وأيشتي... إلخ". من غير المقبول أن نُضرب حدّ الإدماء تحت هراوات مكافحة الشغب وبنادق العساكر المستوردة دون أن نلحّ على فرض سياسة حمائية قاسية تكفّ عنّا بطش الدولة الفاشلة من جهة، وارهاب الدول العالمية وثقافاتها الاستعمارية من جهة أخرى.  ثانياً، ذلك الوعي يتطلب إسنادَ أمر قيادة الحركة الجماهيرية الطلابية إلى مساحات الإنتاجالمعرفي الجماهيرية المفتوحة، حيث من الممكن بلورة كوادر فكرية ثورية مُخوّلة تنظيم حركة حزبية سياسية راديكالية تنشط فكريّاً ضمن منطق جدلي يصل حركة التحرّر الوطني بالمواجهة الطاحنة ضدّ النظام اللبناني التبعي نحو العدالة الاجتماعية. وذلك لا يتحقّق إلّا بتكثيف الجهود نحو مأسسة مدرسة ميدانية ثورية ترتكز على مفهوم الإنتاج المعرفي الشعبي- الجماهيري المنظم. ثالثاً، ذلك يؤدي بنا إلى ضرورة النضال ضدّ الإستيراد المعرفي فيما يخص المساحة الأيديولوجية الثورية، وذلك من خلال نقض النهج "اللاسياسي" ونهج "الخندقة" السياسية الفكرية التي تستمد غذاءَها الفكري من استفحال أنماط الاستهلاك المعرفي الغربي والإعلام التبعي متعدّد الأقطاب. ذلك يستتبع وجوب بلورة منهجيات علمية وطنية تحررية من خلال استنهاض أدبيات الفكر التحرري العربي (وغيره من أدبيات عالم الجنوب)، ونقضه ضمن قراءة تحررية لتاريخ الوطن العربي بالمجمل والقطري اللبناني على وجه الخصوص. فمن غير المسموح أن نحرّر جامعتنا الوطنية من الطائفية السياسية لنجدها جامعة منتجة ضمن منطق تبعي وفقاً لمعايير الاستلاب الأكاديمي الأجنبي سواءً على مستوى المنهاج أو التخطيط البحثي والإنمائي. رابعاً، وفي هذا المضمار نصل إلى ضرورة نسج العلاقة بين طلاب الجامعة الوطنية وطلاب الجامعات الخاصة على أساس نظرة تضع نصب أعينها وجوب تقويض دعائم القطاع التعليمي الخاص نحو تأسيس مؤسسة تعليمية تربوية تحررية وطنية. لا يمكن مقاربة مشاغل الطلاب في القطاع التعليمي الخاص بالأزمة الوجودية المتعلقة بالجامعة اللبنانية. إن القطاعين  كيانان نقيضانشكلاً ومضموناً على كافة الأصعدة إداريّاً وماليّاً وزبائنيّاً ومعرفيّاً. وإنّ مؤشر رخاء قطاع التعليم العالي الخاص لهو مقرون بديهيّاً بعلاقة عكسية مع تطوّر مقومات الجامعة اللبنانية معرفيّاً وزيادة الحرية والرخاء الطلابي فيها. نشير إلى ذلك لنقول صراحةً أنّ اتحاد الجسد الطلابي في لبنان لا بد ألّا يهدف إلّا إلى انشاء اتحاد طلابي وطني عام يأخذ على عاتقه على المدى الطويل تأميم قطاع التعليم العالي ككل نحو تثوير قطاع الإنتاج المعرفي في معركة ضروس ستُشحذ لها العيون، لكنّ لا مفر من خوضها. أخيراً، لابدّ أن تعمد حركتنا الطلابية إلى تعبيد الطريق نحو هندسة هوية إقليمية تمكنها من إنشاء أطر طلابية تضامنية فاعلة على امتداد الوطن العربي والعالم، نحو تحطيم المنهجيات القطرية والإقليمية، وخلق منهجيات وحدوية ما سينعكس إيجاباً على تسييس الحركات الحقوقية التضامنية التي طالما احتكرتها أسواق المنظمات غير الحكومية وتابعيتها الغربية. محليّاً، هذا يحتم التشديد على الهوية الطبقية للحركة الطلابية وذلك يستوجب إعادة صقل الخطاب الطبقي الوحدوي العابر للمواقع والتصنيفات القانونية (مواطن ، لاجئ، نازح، مقيم غير قانوني إلخ...) والنضال الفعلي ضد عمليات العزل والإحتواء الجغرافي المناطقي التي تنتهجها الدولة اللبنانية لترويض المزاج العام وتطبيع منطق التفرقة والإقصاء على حساب عملية الوحدة الجماهيرية الطبقية التي تبلورت اليوم بشعار "يا شعبي لازم تعرف، أكبر حرامي المصرف". في السابع عشر من تشرين الأول عام 1973 التجأت مجموعة "تشي غيفارا" بقيادة علي شعيب ورفاقه الستة من اللبنانيين والفلسطينيين الشيوعيين إلى بيوت مخيم صبرا وشاتيلا وباتوا بين أسرّة الفدائيين قليلاً قبل أن يذهبوا لينفذوا أكبر عملية سطو مسلح على مصرف في تاريخ لبنان. في الثامن عشر من تشرين وقف علي أمام الرهائن قائلا "لا تخافوا فالعملية لا تستهدفكم وليست للسلب.... نحن هنا لأنّ الثورة هي حمل السلاح ضد نظام الـ 4 % .... وديمقراطية الـ 4% وتشريع الـ 4% وعدالة الـ 4%..." استشهد منفذو العملية ولكن ها نحن هنا بعد 46 سنة بالضبط! ننتفض ضدّ الـ 1% ومصارفهم. كثيرةٌ هي مهامنا وكُثرٌ هم أعداؤنا في معركة التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، لكن الأزمة لن تُفرج بسهولة بعد أن استفحلت حلقاتها. إنّها المرة الأولى منذ مجموعة غيفارا التي تجد فيها الطغمة السياسية والاقتصادية اللبنانية نفسها في مواجهة شارع يريد استئصالها ونسف الأسس التي قامت عليها. إنها مغامرة وجودية كبرى تتحدّى مفهوم الدولة اللبنانية وتاريخها ومستقبلها. ولأنّ الأعداء كثرٌ والشارع أسرع في مشاعره من قدرتنا التنظيمية كطلاب، علينا أن نكون واقعيين والواقعية هي أن لا نطلب أقل من المستحيل لأنّالمواجهة قائمة والمسؤولية تاريخية.

Image
الصفحة 1 من 8

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل