جامعات النظام

 

عملية الإنتاج الفكري مرتبطة بعلاقات الإنتاج في المجتمع فطبيعة المجتمع والقوى المسيطرة فيه تضع المعرفة وإنتاجها ضمن أطر معينة. وعملية إنتاج هذه المعرفة ليست بريئة أو محايدة كما تسعى الطبقة المسيطرة إلى اقناعنا فيضعون العلم والمعرفة في مجالات خاصة لا تُؤثّر أو تتأثّر بالعلاقات التي تحكم المجتمع. انطلاقاً من هذه الفكرة المُعمّمة، رأينا استشراساً في الدفاع عن الجامعة الأميركية في بيروت كونها صرحاً معرفيّاً أو كما وصفها البعض "منارة العلم والمعرفة في المنطقة".


غاب عن هؤلاء المدافعين عن الجامعات الخاصة دورها السياسي إن كان في التحالف مع السلطة الحاكمة، أو في كون هذه الجامعات حجر أساس في خلق هذه المنظومة والإبقاء عليها. الجامعات مؤسسات إنتاج معرفية وبالتالي هي تتموضع ضمن فكر سياسي اجتماعي معيّن ولا يمكننا التغاضي عن هذا التموضع المعرفي عندما نحاول تحليل دور هذه المؤسسات ونقضه. الجامعات الخاصة في لبنان هي مؤسسات إرسالية في أصل نشأتها كأحد أشكال الاستعمار ونشر المعرفة الكولونيالية في مجتمعنا. وظلّ التعليم الجامعي حكراً على طبقة معيّنة حتى قيام الجامعة اللبنانية في ستينيات القرن الماضي كمشروع وطني سمح لأبناء الطبقة العاملة والدّنيا من الحصول على التعليم الجامعي. وعند مفترق الطرق ذاك وجدت البرجوازية اللبنانية نفسها أمام خيارين: إما السماح للطبقات الأخرى بالمسّ بامتيازها أو لجم الجامعة اللبنانية وتطويعها. فقامت هذه الطبقة عبر أداتها التنفيذية، أي الحكومة، بوضع سياسات تربوية جامعية تحافظ على امتيازات الطبقة المسيطرة بتطويع الجامعة اللبنانية فلم يكن فيها الكليات التي تسمح بتغيير النمط الإنتاجي الخدماتي السائد. وبذلك أُجهض الدور الذي كان على الجامعة الوطنية لعبه في عملية تغيير المجتمع، وكانت مناهجها كولونيالية تبثّ الثقافة البرجوازية بين طلابها .
لم تقوَ الجامعة اللبنانية على منافسة الجامعات الخاصة الكولونيالية كاليسوعية، الأميركية، واللبنانية الأميركية. وبعد الحرب الأهلية بقيت هذه الجامعة ضعيفة بسبب سياسات الدولة النيوليبرالية التي تهدف الى ضرب القطاع العام وتفتح الساحة للمؤسسات الخاصة. بدأت الجامعات الخاصة تتمدّد حتى أصبح عددها في لبنان ٤٥ جامعة خاصة. صارت هذه الجامعات ملاذاً لأبناء الطبقة العاملة للحصول على تعليم جامعي في ظلّ ارتفاع أسعار نخبة الجامعات الخاصة ومشاكل الجامعة اللبنانية من بنية تحتية لعدم مراعاة التطوّر العلمي في منهاجها. وهذه الجامعات الخاصة الحديثة تربط الطلاب بولاءات سياسية بغية الحصول على المنح والمساعدات المالية للتحصيل العلمي. ونرى أن أغلب هذه الجامعات مرتبطة بجهات سياسية حاكمة أو كانت في الحكم. نفس السلطة التي فرّغت الجامعة اللبنانية أنشأت جامعاتها الخاصة الزبائنية كي تزيد من ارتباط الشباب بهذا النظام ورموزه.
أما جامعات النخبة، فظلت حكراً على طبقة معيّنة، وفي بعض الأحوال تعطي بعض المِنح لطلاب الطبقات الأخرى على أمل تغيير أفكارهم وقولبة وعيهم بما يناسب مصالح الطبقة الحاكمة. فهذه الجامعات لا تنتج فكراً وطنياً، إنما تبثّ الفكر الكولونيالي بين طلابها. كما قلنا سابقاً إن هذه الجامعات ليست حيادية كما تُصوّر نفسها، بل تموضع نفسها اجتماعياً أكاديمياً وطبقيّاً، فهي مراكز لبثِّ الايدولوجيا البرجوازية الاستعمارية ونشرها ولكنها تُظهر هذه الايدولوجيا كأنها المعرفة الصحيحة وتُدَرّسها على أساس تطوير المجتمع. إنما هذه الجامعات ليست نقدية أي أنها لا تمارس عملية النقد لهذه المناهج والمعارف المستوردة التي يتلقّاها الطلاب حتى ولو كانت غريبة عنه.
عند ذلك تكون الجامعة البرجوازية قد قامت بدورها الحقيقي وهو تغريب وسلب الطلاب من مجتمعاتهم فيصبح هؤلاء أدوات لعملية إعادة إنتاج هذا النظام بدل تغييره لمصلحة الشعب. وإن حصل تغيير من هذه الجامعات، فهذه الجامعات درّبت طلابها على التغيير المطلوب، وهو تغيير الأشخاص لا النظام.
إن جامعات النخبة هذه هي مُنتِجة هذا النظام وهي التي تحافظ على وجوده. فأغلب الوزراء ورؤساء الحكومات إما خرّيجي هذه الجامعات أو أعضاء في مجالس أمنائها. فكيف تسعى هذه الجامعات إلى تغيير النظام في حين أنه أُنتج داخل أسوارها؟ هنا يجب علينا ألّا ننخدع بجاذبية وبلاغة التعبير عند هذه الجامعات في بياناتها ومواقفها، خصوصاً أن هذه الجامعات تمتهن إنتاج المعرفة وصياغات الكلام.
إن الجامعات الخاصة إذاً، هي تابعة كولونيالية وتسعى إلى بثِّ هذه المعرفة الاستعمارية التي لا تشبه واقعنا، بل ندرسها في هذه الجامعات كأنها الحلّ السحريّ لكلّ مشاكل العالم، فما قام به عالم الشمال لا شكّ بأنه الحلّ في كلّ دول العالم. وهذه الجامعات لم تكن يوماً إلّا حكراً على طبقة معينة، ومن وظائفها تغريب الطلاب من مجتمعهم فما يحصل داخل حرم هذه الجامعات في أغلب الأوقات لا يشبه الواقع الحقيقي. طلاب هذه الجامعات لا يعرفون حاجات مجتمعهم ولا كيفية حلِّ مشاكل المجتمع والطبقة الشعبية فيه. وذلك ليس خللاً في الطلاب أو مقصوداً من قبلهم. فهم وقعوا ضحية جامعات لا تسعى إلّا الى إعادة إنتاج هذا النظام وتأبيده. طلاب هذه الجامعات يجب أن يشتركوا في التغيير. الخطوة الأولى هي تغيير الواقع التعليمي عبر تدعيم الجامعة اللبنانية وتحريرها من القيود السياسية للطبقة المسيطرة التابعة للاستعمار. وبذلك يكون الطلاب الى جانب الطبقات الكادحة قد استردّوا التعليم الوطني في الجامعة اللبنانية فلا خلاص إلّا بجامعة لبنانية.