أهلاً بكم في أرض الزاباتيستا؛ حيث الشعب يقرر والحكومة تطيع

"في 1 كانون الثاني 1994، انفجر جيش الزاباتيستا للتحرير الوطني على الساحات السياسية المحلية والعالمية. عندما دخلت اتفاقية التجارة الحرة لامريكا الشمالية (نافتا) حيز التنفيذ، ظهر 5000 ثائر/ة من الزاباتيستا بقيادة 130 قيادي- أكثرهم من الشبان والشابات من السكان الاصليين. بعد 10 سنوات من عملية تنظيم سري، ومن بعد 5 قرون من مقاومة السكان الاصليين للاستعمار والابادة والاستغلال، أعلنوا الحرب ضد الهيئة التنفيذية الفيديرالية، المتمثلة بالرئيس ساليناس دي غورتاري والجيش المكسيكي الفيديرالي". (1)

في النصف الاول من تسعينيات القرن الماضي، كانت الدولة المكسيكية تسعى للانضمام للـ "نافتا"، وكانت تعتبر هذا الانضمام كمدخل في نفس الوقت الى "العالم الاول"، وكان يزعم الرئيس المكسيكي ساليناس بأن الاتبّاع لهذه التحالفات والمعاهدات والسياسات النيو- ليبرالية ستساهم في حل الازمات الاقتصادية في البلد، وكانوا "الزاباتيستاس" الرد الفعليّ والفكري والثقافي لمشروع التنمية المطروح على المكسيك من قبل النيو- ليبرالية والشركات المتعددة الجنسيات الكبيرة المتجسدة في "النافتا"، بمباركة الدولة المكسيكية.

تكمن أهمية الثورة الزاباتية ضد نفوذ الرأسمالية المعاصرة والمعولمة في إبتكار منهج نظري مميز لمحاربة طغيان "الحداثة" والرأسمالية، التي ترسخ وتأبّد نظرة أحادية وموحدة ومعولمة لقراءة وفهم "الذات" و"الاخر"، والازمات الاجتماعية - الاقتصادية في الماضي والحاضر والمستقبل. تتناول هذه المقالة العناصر الاساسية لفلسفة الحركة الزاباتية التي تشكل الاطار النظري للمواقف السياسية والعسكرية للحركة.  

 

 كتب ماركس وانجلس عن الرأسمالية في القرن التاسع عشر، أي في القرن الذي مثّل صعود وتعولم نمط الانتاج الرأسمالي كنمط إقتصادي سائد، بأن البرجوازية "تجبر كل الأمم، إذا شاءت إنقاذ نفسها من الهلاك، على تـبنّي نمط الإنتاج البرجوازي (الرأسمالية)، وترغمها على تقـبّـل الحضارة المزعومة، أي على أن تصبح برجوازية. هي تخلق عالماً على صورتها" (2). وكتب المفكر مينيولو بأن سيطرة الاحادية الرأسمالية في العالم تأتي مع الاستعمار، أي أن "الحداثة لا تستطيع أن تنوجد من دون وجهها المظلم، أي الاستعمار والممارسات الاستعمارية ومناهجها الفكرية. العالم الحديث/الإستعماري متعلق بالرأسمالية التجارية والصناعية والتكنولوجية المتمركزة في الشمال الاطلسي." (3).

 

اذًا في وجه الهيمنة الرأسمالية - الاستعمارية الحديثة السائدة، على أشكالها المختلفة، التي تصف مشاريعها بأنها طبيعية ومطابقة لـ "طبيعة الانسان"، وتضع مفاهيمها بموقع المركزية، وتطيح بكل المشاريع والمفاهيم الاخرى والمناقضة لها الى موقع الطرف أو تقصيها، تقول الحركة الزاباتية بأنها تحارب من أجل تحقيق "عالم الذي في ضمنه تستطيع ان تتواجد عوالم أخرى"، أي تسعى لإلغاء الأحادية في الثقافة ونمط الإنتاج، وأن تكسر ثنائية "الذات والآخر"، التي تحتل بضمنها الشعوب والثقافات والمجتمعات المهمشة، موقع "الآخر" إزاء الثقافة الذي تضع نفسها في مواقع "الذات" والمركزية.

 

"الإنتفاضة الزاباتية من البداية هي عملية تحقيق العدالة، هي العملية الإصلاحية والتعويضية الأولية لجريمة، وبنتيجة إطلاق هذه الإنتفاضة يستطيع الشعب الذي تأثر بسلسلة من الجرائم التاريخية (من الإستعباد الى الإستعمار والنظام الاجتماعي المعاصر)، أن يتكلم ويجب أن يسمع العالم. صوت الانتفاضة أثرّت في حياة ومخيلات وتجارب وتصورات سياسية وكسرت الحائط الذي قام بعزل "الشعوب الهندية" وشعوب أخرى من التعبیر عن آلامهم." (4) وعليه، نستخلص أن هذه الانتفاضة هي حركة جذرية تقاوم شبكة من الاعداء، وتحمل اهداف مختلفة في قضيتها الثورية.

 

تعارض "الزاباتية" وتقاوم نمط وشكل التنظيم الاجتماعي - الاقتصادي العالمي، والتجلّي لهذا النمط في المكسيك محلياً. ثانياً، هي تقاوم ضد سلسلة من الممارسات التاريخية ضد "الشعوب الاصلية" في المكسيك، ونستشهد بأول نص تعمَّمَ من قبل الحركة في 1994 الذي يوضّح بأنّ "نحن [الزاباتية] نتيجة 500 سنة من النضال، ضد العبودية أولاً، وثم من خلال حرب التمرد الاستقلالية ضد اسبانيا، ومن ثم في الصراع ضد الاضمحلال في التوسع الأميركي الشمالي.. الخ" (3) وثالثاً، نستطيع القول أن الزاباتية، مثل الحركات اليسارية الأخرى التي ظهرت في نفس الزمان وفي نفس المرحلة من تطور الرأسمالية والعلاقات الإمبريالية، عارضت السياسات النيو- ليبرالية والامبريالية، ولكن "عوضاً عن الإستيلاء على سلطة الدولة، أي نموذج الثورة القديم، التي بضمنها تلي ديكتاتورية الطبقة العاملة الإستيلاء على السلطة، الأمر الذي يجب أن يدخل في إطار الديمقراطية، هو علاقات القوة الموجودة في الحياة اليومية" (5). وتعني الحركة الثورية بهذا الطرح بأن إعادة تنظيم العلاقات الإجتماعية في المجتمع يجب أن تحدث تصاعدياً، من أسس المجتمع وعندما يدخل المجتمع علاقات ديمقراطية في كل المجالات، النطام السياسي الذي سيتكوّن سيكون ذو طابع ديمقراطي لأنه نتيجة العلاقات الجديدة، وهذا الطرح يأتي بدلاً من الطرح الذي يستنتج بأن السلطة هي التي تحوّل العلاقات المجتمعية الى علاقات ديمقراطية.

 

لكن بغض النظر عن العناصر الموجودة أعلاه، لا تُصنّف الحركة الزاباتية في فئة أو نظرية سياسية معيّنة، وتشدّد الحركة بأنها "ماركسية – لينينية"، وفي نفس الوقت هي ليست كذلك. الزاباتية ليست تيار فكري سلفي للشعوب الاصلية، وليست مقاومة الأصليين. الزاباتية خليط من كل هذه العناصر، وتجسدت في جيش الزاباتيستا للتحرير الوطني… لهذا السبب، لا تستطيع الزاباتية أن تكون عقيدة عالمية، أي عقيدة تجانس، مثل الأهداف والقيم النيو- ليبرالية والنيو- إشتراكية. من الضروري أن تبقى الزاباتية من دون تعريف" (4). هكذا يشدد ال" subcommandante" ماركوس. ولكن من الممكن فهم الزاباتية بخطوط عريضة بأنها حركة مقاومة إجتماعية – إقتصادية – سياسية – ثقافية، تعطي مفهوم الديمقراطية الجذرية موقعاً أساسياً في نهجها، وتعتبر بأن كسر التبعية الثقافية تكمن ضمن عملية كسر موقع "الآخر" الذي إنوضعت ضمنها الفئات المهمشة، وضمن عملية فتح أفق لإنتاج مخيلة ثورية ومفاهيم جديدة لفهم الذات والعالم.

 

 

  1. Alex Knasnabish, Zapatistas: Rebellion from the grassroots to the global (2010)
  2. Karl Marx, Friedrich Engels, Communist Manifesto (1848)
  3. Walter D. Mignolo, The Zapatistas's Theoretical Revolution: Its Historical, Ethical, and Political Consequences (2002)
  4. Luis Hernández Navarro, Zapatismo Today and Tomorrow (2004)
  5. Sabrina Melanotte, Zapatista autonomy and the making of alter-native politics (2015)