تحليل مفهوم "الغاية تبرر الوسيلة" في نشاط الحركة الثورية

مقولة "الغاية تبرّر الوسيلة" قد تكون من أهمّ الركائز الاخلاقية - النظرية لتحديد شكل ووتيرة النشاط السياسي لدى حركات سياسية عديدة قد تختلف جوهرياً وبالأهداف عن بعضها البعض، لكن نقطة التشابه بين كلّ هذه الحركات هي أنها بوجه واقع معيّن تتكوّن وتتشكّل معارضة هذه الحركات بهدف تثبيت الواقع، الذي، تتصوّره ذاتياً كبديلٍ للواقع القائم بالتوظيف المبرّر لكلّ الوسائل المتاحة. لأنّ هدف مقالتنا هو تحليل المقولة المذكورة أعلاه في إطار نشاط الحركة الثورية الماركسية، سنعمل على تفكيك المقولة إلى عناصرها وتبيان ضرورة إيجاد علاقة جدلية بين الغاية والوسيلة، أي نفي ونقد استقلالية وانفصال الوسيلة المعتمدة عن الغاية المطلوبة، وسنختم بتحديد ضرورة قراءة العناصر الموجودة في هذه المقولة ضمن نظرة مادية جدلية للتاريخ. باختصار مسألة مقالتنا تتمحور حول نقد وتحليل سياسات تنظيمية ذات أبعاد سياسية واجتماعية.

مقولة "الغاية تبرر الوسيلة" نتيجة منطق تعليل الفلسفة الاخلاقية المعروفة ب"العواقبية"، أي هذه الفلسفة "تحكم تصرف الشخص بناءً على عواقب هذا التصرف"[1]، وكتاب "الامير" ل"نيكولو ماكيافيللي" من أشهر الأمثلة لهذا النوع من التعليل في الحقل السياسي. مثلاً، يكتب ماكيافيللي في الفصل الثامن عشر من الكتاب أن " فعلى الأمير إذاً أن يهدف للفوز بالولاية والمحافظة عليها، وسوف يحكم الجميع على وسائله بأنها شريفة ويمدحونها أيضاً " [2].

وهنا، من أجل توضيح علاقة ماكيافيللي بموضوع نقد مفهوم استقلالية الوسيلة عن الغاية، يجب توضيح المفهوم الذي يتم نقده. استقلالية العنصرين عن بعضهما في الحركة الثورية، تعني أنّ بغضّ النظر عن تمظهر شكلية ارتباط الوسيلة بتحقيق غاية محدّدة، في الحقيقة لا يوجد أيّ رابط بالمضمون بين الوسيلة والغاية، أي الوسيلة المعتمدة لا تحقق ماديّاً الغاية المطروحة. من الضروري أيضاً توضيح الشقّين لمفهوم "الغاية" أي الغاية الذاتية والغاية المحققة أي أنّ الغاية الذاتية هي "تغيير مطلوب في العالم الموضوعي ولكنها تتحوّل وتصبح الغاية المحققة التي هي نتيجة الوسائل المعتمدة" [3], إذاً، عندما الوسائل المعتمدة تنتج غاية محققة تختلف عن الغاية الذاتية أي الغاية المطلوبة، تكون الوسائل المعتمدة مختلفة ومنفصلة عن الوسائل اللازمة لتحقيق الغاية الذاتية ماديّاً، أي تحويل الغاية الذاتية لغاية محققة. في الجملة المقتبسة عن ماكيافيللي، نرى أنّ هدف الوسيلة المعتمدة هو تحقيق الغاية الذاتية أي "الفوز بالولاية والمحافظة عليها"، إذاً، عندما الوسيلة المعتمدة تكون مرتبطة بتحقيق الغاية الذاتية، لا تختلف ولا تفترق الغاية الذاتية عن الغاية المحققة، لأن الوسيلة التي تنتج الغاية المحققة تكون الوسيلة الضرورية لتحقيق الغاية الذاتية، إذاً، تتحقق الغاية الذاتية وتنتفي استقلالية الوسيلة عن الغاية.
كانت غاية ماكيافيللي إنتاج نظرية سياسية هدفها تكوين نموذج للحوكمة يتخطّى السرديات الأخلاقية التي تحلّل غايات الأفعال السياسية من خلال ثنائية "الخير والشر"، حيث يتحدّد مضمون عناصر هذه الثنائية حسب الأخلاق الذاتية المجتمعية، ويطرح ماكيافيللي بأن تُقرأ غايات الأفعال السياسية من خلال ثنائية "تثبيت حكم الأمير أو خسارة الحكم".

 حسب النظرة الجدلية المادية للعالم، لا توجد أشياء مجرّدة ومنعزلة عن واقعها وتدعو هذه النظرة العلمية "إلى دراسة تطوُّر الشَّيء من باطنه (ضمنه) ومن حیث صلته بالأشیاء الأُخرى، وذلك بمعنى أنه ینبغي النَّظر إلى تطوُّر الشَّيء على أنه حركته الباطنیة (الضمنية) الذاتیة والحتمیة، وأن كلّ شيء یرتبط في حركته بالأشیاء الأُخرى التي تحیط به ویتبادل معھا التأثیر" [4] وهذا يعني أنْ لا توجد أي غاية مطلقة ومنعزلة عن الأشياء الأخرى التي تحيط بها، مثلما تكوّنت غاية ماكيافيللي كردّة فعل على نمط معيّن من التنظيم السياسي. أمّا الحركة الثورية الماركسية تكوّنت كنتيجة للتناقض الطبقي الموجود في التنظيم الاجتماعي -الاقتصادي للرأسمالية، وتتموضع الحركة الثورية بضمن هذا التناقض كجزءٍ من الحركة العمالية وهدفها: "تنظيم البروليتاريين في طبقة وهدم سيادة البرجوازية واستيلاء البروليتارية على السلطة السياسية" [5] إذًاً، غاية الحركة الثورية هي الثورة الاجتماعية، أي هدم النظام الرأسمالي وإنشاء النظام النقيض، أي الاشتراكية، ومثلما ذكرنا بأنّ لا تتكوّن ولا توجد الأشياء بالمطلق، إذاً، حالة الثورة الإجتماعية، بكلّ تفاصيلها، تتكوّن بتفاعل العوامل الموضوعية والذاتية في واقع محدّد. إذاً، كلّ الوسائل المعتمدة، في المدى القصير والمدى الطويل، يجب دراستها نسبةً إلى قدرتها في المساهمة في الممارسة الثورية، في الواقع المحدّد، لكي يصبّ كلّ هدف محقق بهذه الوسائل في تحقيق الغاية الثورية الذاتية. انفصال الهدف المحقق عن الهدف الثوري الذاتي، أي نتيجة النقص في تقييم قدرة الوسائل الثورية في الوصول للغاية المطلوبة، تؤدّي لتحقيق غايات محققة قد تعارض الهدف النهائي (مثلاً، الانتهازية).

نريد أن نختم هذه المقالة باقتباس من مقالة "مسألة الستراتيجيا" للمناضل الثوري الأرمني "مونتي" ميلكونيان: "يجب أن تتحدّد الستراتيجيا (خطة طويلة المدى) حسب هدف محدّد وخط سياسي واقعي، ونستنتج أنّ أيّ تكتيك (خطة قصيرة المدى) لا يتطابق مع الستراتيجيا سيكون مناقضاً لتحقيق الهدف. يجب أن يحدّد الهدف الستراتيجي كلّ التكتيكات."[6]    

  

[1] https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%A8%D9%8A%D8%A9

[2] https://www.marxists.org/glossary/terms/e/n.htm

[3] نيكولو ماكيافيللي "الامير"

[4] ماو تسي تونغ "في التناقض"

[5] ماركس وانجلز "البيان الشيوعي"

[6] مونتي ميلكونيان "مسأالة الستراتيجيا"