من أوراق المقاومة - الجدران التي تتذكر
كانت أنفاس التحرير تعلو في سماء صيدا، مدينةٌ تئنُّ تحت وطأة الانتظار. دخلناها قبل أيامٍ من فجرها المُنتظر، كظلالٍ تنساب بين حواريها. احتضنتنا بيوتٌ أمنة، هيّأها لنا رفاقٌ من خلايا التنظيم السري، كانوا أعين المدينة الساهرة وأذرعها الخفية.
في إحدى تلك الليالي المفعمة بالهمس والتخطيط، همس إليّ الرفيق "شيموزا"،قائد إحدى المجموعات، بصوته المُكتَم: "هناك فتى من أعماق الجنوب المحتل، من بلدة "الخيام"يطلب الانضمام الينا.
لم يكن اللقاء في غرفة عمليات أو مخبأ سري، بل كان في مكانٍ لا يخطر على بال؛ "في صالة سينما مظلمة". في قلب العالم الافتراضي حيث تتصارع الأضواء على الشاشة، كنا ننسج مصيراً حقيقياً على المقاعد الخشبية. أتى منفرداً، كما اتفقنا. جلس بضع مقاعد أمامنا، ظهر لي نحيلاً وطويلاً ، لكنّ إطار وجهه كان يُظهِر بسمةً هادئة، كأنها تناقض قسوة الزمن.
وفي ظلمة القاعة، بينما كان أبطال الفيلم يخوضون معاركهم، دارت بيننا همساتنا الأولى. كلماتٌ قليلة مكثفة، مثل رصاصاتٍ في معركة، كانت كافية لنعقد فيها ميثاق الدم والوطن. هكذا، دون ضجيج، وُلد في صفوفنا مقاتل جديد. هكذا تعرفت للمرة الأولى على "الرفيق غالب حسان".
لم يكد "غالب" يلتحق بنا حتى استحال إلى "غسان"، اسماً حركيا تيمناً بشقيقه الشهيد الذي سبقه على درب المجد. لم يكن مجرد مقاتل، بل كان قصة شجاعة نادرة وانضباطٍ . سرعان ما انضم إلى مجموعة النخبة، يقاتل جنباً إلى جنب مع من سيصبحون أساطير تُروى: "الكسي"، "عبد الله نمر"، و"عباس سويدان - جيفارا"
كانت ساحته الميدانية هي القطاع الغربي الوعر من الجنوب، من "جبين - طير حرفا" إلى سفوح "جبل باسيل وبلاط". كان ينصب كمائنه على طرق دوريات العدو . وشارك في عملية اقتحام "بلده بيت ليف المحتلة " حيث اشتعلت ودمرت مواقع الاحتلال فيها، وتمت السيطره عليها وعلى الطرق المؤدية إليها، وأُصيب فيها الرفيق "جيفارا" بجروحٍ قاتلة.
لم تكن مهمته فقط القتال، بل كان يخترق خطوط العدو إلى مسقط رأسه في "الخيام". حاملاً على ظهره مواد المقاومة، مدفونةً في حقائب وأكياسٍ لا تُثير الشك. وكان دليلاً يُشَّق الطرق لرفاق "الجبهة" حتى تخوم الحدود مع فلسطين، حيث يكون الأمل أقرب.
ولكن الذكرى التي لا تُنسى، هي تلك المهمة الاستطلاعية مع الرفيق "شيموزا". كان الهدف شائكاً، محاطاً بتضاريسٍ قاسية. قبل بزوغ الفجر، اختبأوا في ملجأ طبيعي تحت صخرةٍ عملاقة وأشجارٍ متشابكة، ينتظرون غسق المساء.
وفجأة... انقطعت أنفاسهم. أصواتٌ غريبة تقترب، لغة العدو. أمسكا سلاحهما في صمت، قلوبهما تدق كطبول الحرب. وبينما كانا يتحسسان الظلام، اكتشفا أن "ملجأهما" الآمن لم يكن سوى جانب دبابة "ميركافا" عملاقة كانت مختبئةً هناك! كان العدو على بعد أنفاس منهم.
بخفة ورشاقة ، انسحبا إلى الوراء، ذائبين في الظلام، حتى خلصا من مصيرٍ كان بإمكانه أن يكتب نهايتهما . لقد نجحا في المهمة، وعادا ليسردا الحكاية التي أصبحت أسطورة تُحكى بين الرفاق، دليلاً على أن القدر يبتسم أحياناً لأبطاله في أحلك اللحظات.
استرح يا رفيقي … لقد منحت الوطن أغلى ما تملك، فارتحل إلى المجد بكل اعتزاز. مهمتك بيننا قد اكتملت باقصى معاني البذل، وها نحن نقسم على ان نحمل امانه هذا الطريق، لنحقق حلم التحرير، ونبني ذلك الوطن الحر السيد الذي ينعم ابناؤه بالعدل والتقدم .
لن ننساك.. المجد لك وللشهداء الذين سبقوك، والخلود لذكراكم.