في الواقع المأساوي للطلّاب

 يبدأ العام الدّراسي حسب الوقت المحدّد من قبل وزارة التربية والتعليم العالي بعد حوالي شهر إلّا أنّ أي تجهيزات جديّة تغيب عن المشهد، فالعام الدّراسي المُقبِل يبدو "ديستوبيًّا”، عبثيًا غير قابل للتحقّق على كافّة الصّعُد، إن كان في الجامعة اللّبنانيّة التي تتفاخر بكونها "جامعة الوطن" دون أن تكون "وطنًا" لطلّابها، أو في الجامعات الخاصّة التي تتفاخَر بعراقتها لتبرير قمعها وتسليعها العلم، أو في المدارس الخاصّة التي "لا تبغي الرّبح" إلّا عبر موازنات مزوّرة، وفي مدارس رسميّة تتغنّى بصمودها دون أي سياسات لتطويرها وتحسينها. وفي المهنيات التي نشكُّ في معرفة الحكومة بتواجدها أصلًا.


ففي دولةٍ تغيبُ فيها خدمات الكهرباء والإنترنيت، واشتراكات الكهرباء التي اتّكل عليها قسم كبير من السكّان يبدو أنّها ستغيب أيضًا عن بيوتِهم إمّا بسبب التقنين في مادّة المازوت إمّا بسبب الوضع الإقتصادي الذي سيُجبر الكثير من العائلات للتخلّي عن اشتراكاتها. وفي عائلات غير قادرة على توفير أجهزة إلكترونيّة لتعلّم أبنائها عن بُعد أو حتّى على دفع رسوم التسجيل في مدرسةٍ رسميّة، خاصّةً مع وجود عدّة أبناء في المراحل التعليميّة، سيكون العام الدّراسي مُقسَّمًا بين حصص حضورية وحصص عبر "التعلُّم عن بُعد".
يقتربُ العام الدّراسي ولم ينتهِ طلّاب الجّامعة اللّبنانية من تقديم إمتحاناتهم ولم ينتهوا من قرارات إداراتهم المتهوّرة تجاه صحّتهم التي تُضاف إلى سنين من التهميش المقصود لهم رغم كل المحاولات الإعتراضيّة لإيجاد حلول كما لم ينتهوا من وزير لا مانع عنده من تعريض الطلّاب لإحتماليّة الإصابة بفيروس "كورونا" لأنّه "يحبُّ التحدّي". هذا يعني أيضًا أن لا مُتفسَّح للجامعة اللّبنانيّة بطاقمها التعليمي للتجهّز لإستقبال الطلّاب المتسجّلين للعام القادِم واستيعابهم، فالجامعة غير مجهّزة لطلّابها بأعدادهم الحاليّة كيف يكون وضعها مع إضطرارها لضمّ أعداد أكبر من المتسجّلين فيها الغير قادرين على الدّخول إلى الجامعات الخاصّة أو المتسرّبين منها. والجامعات الخاصّة غدَت أصعب الدّخول لفئة واسعة من الطلّاب حتّى ضمن زبائنيتها و"المساعدات الحزبيّة”، يحارب طلاب الجامعات الخاصّة "دولرة" الأقساط وأي متطلّبات ماديّة إضافيّة التي تعني تلقائيًا مغادرتهم لمؤسساتها التعليميّة.
تجرّد وزارة التربية والتعليم العالي في آلياتها المطروحة الطلّاب من أي إنسانيّة يكون لهم فيها مساحةً لتطوير شخصياتهم وشغفهم وتكوينَهم لثقافة الحياة فيكتشفون شبابَهم وهواجسهم، كأن الطلّاب "نذروا" أنفسهُم للتعلّم أو رضخوا لعملية تعليميّة أشبه إلى فعل التدجين تغيب فيها أي غاية أو هدف من التعلّم في رهن الضياع الذي تسبّبهُ الأزمات الإجتماعيّة والإقتصاديّة وعدم توفّر فرص عمل للمتخرّجين والمتخرّجات. كما تتعامى الوزارة-ممثلةً الحكومة ونهجٍ سياسي معتمَد-عن أي ظروف تؤثّر على العمليّة التعليميّة من خارجها كعدم قدرة الأهالي على دفع نقليات أولادهم، إقفال عدد من المدارس ودمج أخرى، المشاكل الصحيّة والضغوطات النّفسيّة التي يخضع لها الطلاّب وعائلاتهم ووضع الأساتذة، وغلاء المعيشة، وارتفاع كلفة الطّباعة وأسعار الورق والكتب التربويّة. إضافةً إلى إضطرار العديد من الطلّاب للعمَل من أجل تغطية نفقات التعلّم، حتّى في الجامعة اللّبنانيّة. فكيف هو الحال مع معدّلات البطالة المرتفعة عند الشّباب؟ هذا دون ذكر واقع التسرّب المدرسي.
كلّها عوامل ليسَت في حُسبان مؤسّسات الدّولة وإن حضُرَت قليلًا في "مرثياتها التلفزيونيّة" والتّصريحات الإعلاميّة الأشبَه بحفلات نَدب دون تحمّل أدنى قدر من المسؤوليّة لأن هذه المؤسسات هي مؤسّسات اللا-علاج للقضايا النفسيّة/الاجتماعية والاقتصادية، مؤسّسات اللا-سياسات الاجتماعية الشاملة حيث تسيّر الدّولة شؤونَها لا عبر وصفات علاجيّة واضحة قائمة على دراسات إجتماعيّة تتضمّن لمنظور كامل حول مشاكل الجّماعة/الفرد، بل عبر إخفاء المرض ونكرانه،عبر طمث المشاكل وترقيع ظواهرها وتأجيلَها إلى المستقبل-المستقبل الذي يقلق منهُ ومن فظاعته الطلّاب من الفئات الشعبيّة- إنّهُ تأجيل لإعلان الحقيقة .. حقيقة سوء الوضع التعليمي والتّربوي في لبنان وتصدّع مؤسّساتِه، والتعامل مع تبِعاتِ هذا الواقع لإيجاد حلول ترتَهِن في مدى جدّيتِها فئة عريضة من جيلِ الشّباب. إنّه تأجيلٌ بانتظار حلٍّ سماويٍّ ما، ربّما يكمن في هجرةِ أكبرعددٍ من الطلّاب عبر الطّائرات للتعلّم والعيش في الخارج. إذًا، لا سنة دراسيّة سوى شكليًّا، أي "دون علاج “، خوفًا على "سمعة" التعليم في لبنان، لا خوفًا على الطلّاب والتلامذة أو خوفًا على ترك جيل دون متابعة إجتماعيّة لتهيئِهِم الانخراط في المجتمع ومجالات العمَل. والقدرة على الحصول على حقّ التعلّم سيصير حكرًا أكثر فأكثَر على طلّاب قادمين من خلفية إجتماعيّة ذات إمتيازات.
لهذا، تكمنُ في رهن كل هذه الظّروف والصّعوبات أهميّة قصوى للنّضال الطلّابي. النّضال المتشابِك مع كل نواحي حياة الطالِب .. في البيت والقدرة على المعيشة، في كون الطلّاب جزء من القرار في سياسات المجتمع والمؤسّسات التربويّة .. في تحسين ظروف التعلّم والمناهج التربويّة ... هنالك ضرورة لتجمّع الطلّاب وتنظّمهم ضمن أُطُر متعدّدة لتحديد مشاكلهم ومواقفهم والنضال من أجل مصالحهم الاجتماعية، وعلى الحركة الاحتجاجية التي اندلعَت مع بدء الإنتفاضة في أوساط الطلّاب فميّزتهُم أن تتوسَّع وتتجذَر إن كان عبر مجالس تمثيليّة في الثانويات والمهنيّات، أو عبر تكتلّ ومجالس طلبة الجامعة اللّبنانية وتفعيلهم لصالح الطلّاب، أو عبر النوادي واللّجان في الجامعات الخاصّة والتحريض على تواجدها.
ولا يسعنا هنا إلّا المطالبة أيضًا بتفعيل دور لجان الأهل وتحريض الأساتذة على النضال من أجل حقوقهم عبر استرداد نقاباتهم. إنّها ضرورة لإنشاء هذه الأطر الطلّابيّة وتنشيطها إضافة إلى التّشبيك فيما بينها للدّفاع عن الحق في التعلّم، الحق في دفاع الطلّاب الجّماعي على صحّتهم النفسيّة في هذه "الديستوبيا" وللدفاع أساسًا عن الحق في وجود هذه التجمّعات الطلابيّة!