وصلتني الإشارة: إنها عائدة.
وفي اليوم التالي، كان اللقاء.
جاءت سجى تحمل في عينيها تعب الطريق ووهج الانتظار. جلست أمامي كعادتها، بتلك الطريقة التي لا تحتمل تأخيراً ولا مجاملة. بدأنا من هناك، من حيث يبدأ كل شيء: الصحة، الأهل، الدراسة. كانت الكلمات تتساقط بيننا، خفيفة، تذوب قبل أن تلمس الأرض.
ثم فجأة، تغير مجرى الحديث.
قالت إن أهلها بدأوا يضيقون ذرعاً بصعودها المتكرر إلى الجنوب المحتل. الخوف يتملكهم، ولا يفهمون. حاولت أن تلمّح لهم بأن هناك من تعلّقت به هناك، وأنها تجد في تلك الأرض راحتها. صمتت قليلاً، وكانّها تلملم شتات نفسها، ثم انتقلت إلى صلب الموضوع.
بدأت تسرد.
تحدثت عن ضابط المخابرات "صالح". قالت إنه بات يتردد على بلدتها كظل لا يفارق، يسأل عنها، ينتظر أن تلمحه عيناها. وعن زياراتها إلى ثكنة مرجعيون، حيث تعمل صديقتها. هناك، بين جدران العدو، استطاعت أن ترسم المخطط: مخازن السلاح، مراقد الجنود والضباط، نقاط الحراسة، مكاتب التحقيق، حتى الزنازين الداخلية. كل تفصيل كان حجراً في جدار المعركة القادمة.
وهمست أيضاً بصوت خفيض: صديقتها الأخرى... تلك التي أحبت أحد ضباط العدو.
قالت إن المسؤول العسكري للبلدة أبدى إعجابه بها. عرض عليها العمل داخل الشريط المحتل: تلفزيون الشرق الأوسط، إذاعة الأمل، أو مطعم في ابل السقي كمترجمة لقوات الطوارئ. مطعم يرتاده الضباط والجنود الإسرائيليون. أما العميل "لحد" فلم يحضر الاحتفال في دير ميماس. كانوا في حالة استنفار.
وأضافت: أمّنت الاتصال بالرفيقة داخل الكيان، وسلّمتها رسالة الجبهة. ثم نقلت رسالة زوج عمتها: معلومات عن تحشيدات العدو.
عندما وصلت إلى حديث المناشير والسهم الناري، تغيّر صوتها. غار في بئر عميق، كأنه يأتي من هناك، من حيث تدفن الأسرار.
حكت كيف اشتعلت حماساً يوم أخبرتها عن استعداداتنا للاحتفال بانطلاقة الجبهة. كيف اشترت السهم الناري من بيروت قبل الصعود، كيف أخفته في ثنايا ملابها لتمريره عبر نقاط التفتيش. وكيف التقت بقريب لها طلب مساعدتها في توزيع المناشير، دون أن يعلم بحقيقة دورها. وافقت، معتقدة أن ذلك لا يضر.
كانت تتحدث وأنا أصمت. كأنها تعترف في كنيسة لا مغفرة فيها إلا بالنضال: أصوات منخفضة تتصاعد كالبخار، وندم يتسلل من بين الشفتين كالدخان. لم أقطع صمتها. تركتها تنتهي، تركت كلماتها تستقر في صدري كالحجارة.
ثم نظرت إليها. وجهي كان جداراً من صمت. وبحدة لم أعتدها معها، قلت:
"كان يمكن أن تفشل كل شيء. كان يمكن أن يكتشفوك، يؤذوك، يمحوك."
تعمّدت القسوة. رفضت التساهل. ثم حدّثتها عن عظمة المهمة، عن الوطن الذي لا يبنى بالعاطفة وحدها. وعدتني ألا تكرر الخطأ.
بعد ذلك، ناقشنا المعلومات: كيف نستخدمها، أين نركز. وقبل الفراق، أبلغتها أنها ستدخل دورة تدريبية جديدة، استكمالاً للأولى.
استمرت الدورة نحو شهر، متقطّع. تدربت على الأسلحة الخفيفة والرماية من مسدس بأوضاع مختلفة. طلبت من الرفيق مازن أن يتولى تدريبها على الجانب النظري. أما أنا، فتابعت معها التدريبات العملية.
الدورة رفعت استعدادها، خاصة في الجانب النفسي. صارت مهيأة لتنفيذ عمل نوعي. النقاشات التي دارت بيننا خلال تلك الفترة شحذت شخصيتها، صقلت مؤهلاتها كالسندان يصقل الحديد.
ولاحظت شيئاً أثناء تدريبها على الرماية: كلما صوّبت نحو الهدف الوهمي، كانت تهمس بكلمات لا تسمعها إلا الرصاصة نفسها. اقتربت منها مرة، فسمعتها تقول: "هذا... لحد". كانت تتخيل وجهه أمامها. في كل رصاصة، كانت تطلق عذابات شعبها، وتستحضر صورة رفيقتها الشهيدة لولا. كل طلقة كانت تحمل اسماً، كل طلقة كانت قصيدة غضب.
بعد انتهاء الدورة، تأكدت أنا والرفيق مازن من أنها أصبحت قادرة على العمل المنفرد – أصعب أنواع العمل في المقاومة، حيث يكون الإنسان وحده مع رصاصته وضميره.
بدأت أفكر: كيف يمكنها أن تنتقل للعيش داخل بلدتها المحتلة بشكل كامل؟
في اللقاء التالي، طرحت الفكرة. لم يكن النقاش سهلاً. كيف تقنع أهلها بترك الجامعة والعيش تحت الاحتلال؟ والعائلة معروفة بانتمائها للحزب الشيوعي اللبناني، وقد هجّرتهم قوات الاحتلال من بلدتهم. ماذا سيقول الأقرباء، الأصدقاء؟ وماذا سيعتقد العدو وعملاؤه؟
قالت دون أن تترك مجال لأي نقاش:" أنا من يتدبر هذا الأمر"
ثم عدنا لمناقشة بعض المواضيع الخاصة بالمهمة، وافترقنا بعد أن حددنا موعداً آخر.
التقينا في مقهى. راجعت معها الأهداف: تعزيز علاقتها بضابط المخابرات، تمتين علاقتها بالصديقة التي على علاقة بضابط إسرائيلي. واقترحت سجى أن تعرض عليها بيتها لتأمين لقاءاتها مع عشيقها. البيت على أطراف البلدة، منعزل، مناسب لمحاولة أسره خلال تواجده داخله. كما كان هناك تنسيق مع الرفيقة داخل الكيان التي كانت تعد قوالب الكاتوا لضباط العدو في منزلها، حيث يوصون بها لاحتفالاتهم الخاصة.
في هذا اللقاء، طرحت سجى فكرة جديدة كخيط عنكبوت دقيق: الإعلان عن تدريس الأولاد، للتقرب من زوجة لحد واستدراجها لتطلب منها الاهتمام بولدها. فقد سمعت من بعض النساء في نادي البلدة – زوجات مسؤولين في جيش العملاء – أن زوجة لحد لا تحيا كالنساء الأخريات. هي وزوجها لا يستطيعان الخروج للسهر بسبب ابنهما الوحيد. علقت هذه الكلمات في رأس سجى كالشوكة. لماذا لا تكون هي من تهتم بابنهم؟ كيف يمكن التقرب والوثوق بها؟
اتفقنا أن تتابع دراستها الجامعية من هناك. ضروري لها ولأهلها، وأيضاً مبرر للخروج من الشريط المحتل كلما رأت ضرورة للتواصل معنا، تحت حجة متابعة الجامعة والامتحانات.
دققنا في كافة التفاصيل، كمن يفحص خريطة قبل معركة. ثم افترقنا.
رتبت أمور أغراضها، وودعت أهلها بدموع لا تعرف أنها تودعها إلى حيث لا يعود أحد سالماً.
غادرت نحو الشريط المحتل. نحو حيث الجدران تتذكر، وحيث الرصاص يحمل أسماء.
يتبع...