كانت المعلومات التي عادت بها سجى بالغة الحساسية، شديدة الأهمية والخطورة. لم نكن نتوقع أن تجمع كل هذه المعلومات بهذه السرعة، لكن الحياة في الأراضي المحتلة تخضع لإيقاع مختلف: إيقاع قاسٍ ومتسارع، حيث الزمن يتسارع تحت نيران الاحتلال
خلال أسبوعين فقط من وجودها في الأرض المحتلة، انقلبت المعادلات رأساً على عقب.
في بلدتها، وأثناء لقائها بالمسؤول العسكري للبلدة، التقى طريقها بوزير السياحة والشباب في كيان العدو. كان برفقته ضابط استخباراتهم المدعو "صالح". أعجبا بها. هي الأخرى أدت دورها بإتقانٍ نادر: سجلت نفسها عضوة في لجنة تحضيرات مهرجان "مار ميما" السنوي، كمدرِّبة للفريق الفني على الرقص. دار حديث عفوي... أو هكذا بدا لهم.
دعاها الوزير للمشاركة في مخيم شبابي صيفي على شاطئ بحيرة طبريا، برعايته شخصياً. بل وذهب إلى أبعد من ذلك، داعياً إياها لزيارة عائلية في بيته الزوجي داخل الكيان.
كان الطعم ثميناً... والخيط بدأ يتكشف.
لكن سجى لم تكتفِ. خلال وجودها هناك، نفذت ثلاث زيارات إلى صديقتها داخل ثكنة "مرجعيون" . تعمل صديقتها سكرتيرة للضابط "حاييم"، مسؤول الإدارة المدنية في الشريط المحتل. توددت إليه بحذر، درسته جيداً حتى اطمأن لها. بل واستطاعت ذات مرة أن تدخل إلى مكتبه في غيابه.
نظرت إليّ والابتسامة تعلو محياها، ذلك التوقيع الدائم على وجهها الذي لا يخون:
"أدخل الثكنة وكأني واحدة منهم. الحرس هناك اعتادوا أمري. لا تفتيش، لا تدقيق. أمازحهم عند الدخول والخروج".
شخصيتها المرحة، قربها من الناس، براءتها المصطنعة... كلها كانت درعاً وسيفاً. وإلى جوار ذلك، التدريب الذي تلقته والمعلومات التي اختزنتها، زادتها ثقةً فولاذية.
أدركت في تلك اللحظة أننا دخلنا مرحلة جديدة كلياً. المهام تطورت، ولم تعد تحتمل التردد. كان لا بد من خطة أكثر جرأة، لكنها تتطلب وجوداً أكبر وأطول لها داخل المناطق المحتلة.
كيف ستقنع أهلها؟ والأصعب، كيف ستقتنع هي بترك الهندسة التي أحبتها وتفوقت فيها؟
ترددت طويلاً قبل أن أطلق السؤال:
"لماذا لا تغيرين اختصاصك؟ تختارين تخصصاً آخر في كلية ثانية، لا يحتاج حضوراً يومياً ولا امتحانات أسبوعية. تختارين اختصاصاً يتقبله الأهل... ويكون أخف وطأة على مهمتك".
كان سؤالي قنبلة من صمت.
مرت دقائق ثقيلة كالرصاص، وسجى تحدق في الفراغ. تحاشيت أن أزيح الستار بصوت أو بكلمة. أردت أن أقرأ قرارها في عينيها أولاً.
ثم التفتت إليّ بحدة، والتأثير بادٍ على ملامحها:
"أنا موافقة. لكن... إقناع أهلي بذلك هو التحدي. هم يحلمون برؤيتي مهندسة، ويعرفون حبي لهذا التخصص ونجاحاتي فيه".
لم أكن أتوقع أن تأخذ سجى قراراً بهذه السرعة. وقع قرارها عليّ ثقيلاً. من ناحية، شكل تحدياً كبيراً لنا جميعاً، أن نكون أهلاً لهذه التضحيات. ومن ناحية أخرى، غصة حقيقية في القلب على نزع سجى من حلمها الدراسي.
افترقنا على أن نلتقي بعد أسبوع، تحل فيه مشكلة أهلها.
رفعت المعلومات المتسارعة إلى قيادة الجبهة. كنا جميعاً ننتظر.
بعد أسبوع، كنت في مكان اللقاء المعتاد. دخلت سجى، والابتسامة تملأ وجهها من جديد. قبل أن تنبس بكلمة، عرفت: لقد وافقوا. ابتسامتها كانت دائماً نذير خير.
جلست وبادرت:
"وافق أهلي على الانتقال لكلية أخرى. اشتكيت لهم من معاناتي مع القسم، الإرهاق، عدم قدرتي على المتابعة. في البداية ظنوها مزحة ثقيلة، لكن سرعان ما تأكدوا من جديتي. أختي ساعدتني كثيراً على إقناعهم".
ثم ختمت كلامها بنبرة مليئة بالعزيمة:
"الآن أنا على استعداد كامل للعمل".
تكثفت التدريبات. رفيقتنا سجى أصبحت تمارس العمل السري بحرفية عالية، هدفنا حمايتها وإنجاح مهامها عبر كل معلومة كنا نزودها بها.
كان ذلك في منتصف آب عام 1987. أسابيع قليلة تفصلنا عن الذكرى الخامسة لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.
اجتمعت هيئة القيادة. كنا نضع خطة عمليات للمشاركة في الذكرى على طريقتنا الخاصة: تصعيد العمليات ضد الاحتلال، وخاصة النوعية منها. وإلى جانب خطة العمليات، اتفقنا على شيء آخر: إدخال مناشير تحمل توقيع الجبهة إلى داخل المناطق المحتلة. رفاقنا السريون هناك سيتولون توزيعها، تدعو شعبنا إلى تصعيد المقاومة، وترفض الاحتلال، وتحذر العدو وعملائه.
في اليوم التالي، كان لي موعد مع الرفيقة سجى في بيروت.
في هذا اللقاء حدثتها عن الاستعدادات للذكرى، وتطرقت للوضع المتأزم في الداخل، وكيف يجب أن نصوب البوصلة باتجاه العدو الرئيسي: الاحتلال.
اتفقنا على أن تستعد للعودة إلى بلدتها قبل منتصف أيلول، وأن تهيئ الظروف مع أهلها. وناقشنا المهام الجديدة:
١- تعزيز العلاقة بضابط مخابرات العدو المدعو "صالح".
٢- جمع المعلومات عن حركة الضابط "حاييم".
٣- التقرب أكثر من صديقتها السكرتيرة.
٤- جمع معلومات عن تحركات العميل أنطوان لحد (استناداً إلى معلومات أنه يحضر في ١٤ أيلول من كل عام إلى بلدة دير ميماس للمشاركة في احتفال "مار ميما").
٥- تأمين اتصال بإحدى الرفيقات في المقاومة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
١٦ أيلول ١٩٨٧
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.
يخرج شخص مجهول من أحد البيوت، يتلطى بظلام الليل، يلف وجهه بشال، يرتدي معطفاً خفيفاً، يتسلل كالظل بين بيوت بلدة دير ميماس. يدس تحت الأبواب مناشير الجبهة بذكرى انطلاقتها الخامسة. يضعها تحت مساحات السيارات المتوقفة. ثم يتجه نحو منحدر بسيط عند حافة الطريق، ينتشل من معطفه سهماً نارياً يزرعه ويشعله بعود ثقاب، فينطلق السهم عالياً محدثاً انفجاراً يضيء السماء بالمفرقعات.
تضيء المنطقة بذكرى انطلاقة جبهة المقاومة.
ومن حيث أتى عاد.
في الصباح، كان حديث الأهالي: مناشير المقاومة على الأبواب. كثرت الحكايات وتضخمت الروايات. أما العدو وأعوانه، فبدأوا التحقيق واستجواب الناس.
أما السهم الناري، فلم يلاحظه أحد. في الليلة ذاتها، كان أهالي البلدة يطلقون الأسهم احتفالاً بعيد مار ميما، فاختلط سهم المقاومة بأسهم العيد.
مساء ذلك اليوم، في اليوم التالي لتوزيع المناشير، كانت سجى جالسة في بيت عمتها.
دخل زوج العمّة الغرفة، جلس قريباً منها. انتظر حتى بقيا وحيدين، ثم بصوت خافت قال:
"اسمعيني جيداً. ما سأقوله لك مهم جداً. لا أنتظر رداً منك، لا بالنفي ولا بالإيجاب. أنا أعرف ظروف العمل السري، وأعرف أن الاحتلال لا يواجه إلا بالمقاومة. أنا ناضلت في صفوف الحزب الشيوعي في الفترة السرية من وجوده."
نظر إليها نظرةً تحمل في طياتها الإعجاب والرقة، واستطرد قائلاً:
"لمحتكِ عند مطلع الفجر، تنسلين بهدوء توزعين المناشير في خفاء.
تمهل قليلاً، أدخل يده في جيب جاكيته وأخرج ورقة... المنشور الذي وزعته.
"عليك الانتباه. عيون العملاء مفتوحة، وهم كثر من حولنا."
ثم قال:
"علمت من عمتك أنك عائدة إلى بيروت خلال أيام. يمكنك نقل هذه المعلومة إلى الرفاق: لقد علمت أن العدو يحشد قواته القادمة من الأراضي الفلسطينية المحتلة في ثكنة مرجعيون، وعادة ما يفعل ذلك عندما يستعد لشن عدوان على المناطق المحررة."
قام عن كرسيه، ربت على كتف سجى، نظر إليها نظرة احترام وعزم وتعاطف. وخرج بخطوات بطيئة.
تركت سجى وحدها في الغرفة. كانت تسمع دقات قلبها. العالم من حولها بدأ يدور ببطء. كل ما حدث في الأسبوعين الماضيين، كل المعلومات، كل الخطر، كل الثقة التي منحها إياها هذا الرجل... كان يزن الآن على كتفيها كجبال.
في يدها المنشور. في أذنيها كلماته. في قلبها وطن كامل ينتظر.
لم تكن تعلم أن منذ هذه الليلة ستبدأ رحلة جديدة، أكثر خطورة، أكثر تعقيداً. لم تكن تعلم أن الرصاصات التي لم تطلق بعد، كانت تستقر في صدر الليل بانتظار لحظتها.
لكنها كانت تعرف شيئاً واحداً فقط: أنها مستعدة.
يتبع...