الساعة الحادية عشرة ظهراً.
ساعة الصفر في ذلك اليوم.
سيارة "مرسيدس" مصفحة تتوقف أمام بوابة النادي الرياضي في بلدة مرجعيون.
ينزل شاب مسلح. قسمات وجهه قاسية وجامدة. يمشي داخل النادي. يتلمس طريقه نحو امرأة. مدربة باليه.
تتقدّم "سجى" نحوه.
يقول: "مدام فيكتوريا... تنتظرك في منزلها. تفضلي معي."
يفتح لها الباب الخلفي. تصعد. حولها، الناس يهمسون. نظراتهم كالسياط: ازدراء، ريبة، حقد مكتوم.
همس: "عميلة... تتعاون معهم."
السيارة تنطلق بسرعة. تتوقف أمام فيلا العميل "لحد".
الحرس الخاص عند المدخل. نقاط حراسة على جوانب البيت كالعناكب السوداء في ليلة شتاء.
فيكتوريا تنتظر. شاي. كلام قصير. مقدمات باردة. ثم تطلب فيكتوريا عرضاً بسيطاً عن التدريب.
تستأذن سجى. تتقدم نحو جهاز التسجيل. تخرج من حقيبتها شريط فيديو لرقص الباليه.
موسيقى. أوتار. أنغام دافئة في ذاك البيت البارد. وتبدأ سجى بالرقص. هل رأيتم راقصة تحمل فوق كتفيها وطناً؟
جسدها يتمايل كقصيدة صامتة.
فيكتوريا تكاد تطير فرحاً. تصفق بحماس طفولي.
لا تدري أن هذه الأنثى التي تتراقص أمامها تحمل في عينيها موعداً مع القدر... موعداً مع زوجها الخائن.
بعد الرقص، يجلسن.
ترتيبات الدورة. مواعيدها. الإعلان.
فيكتوريا تقترح: "إذاعة الاحتلال وتلفزيونه أفضل."
تناقشان تصميم البوستر. كلماته. ليدعو الفتيات.
فيكتوريا سعيدة. سجى هادئة. جد هادئة. ثم تتحول المفاجأة إلى شيء يشبه المودة.
تستطيع سجى بشخصيتها المرحة، بحركات جسدها الرشيقة، أن تحرك في أعماق فيكتوريا شيئاً يشبه حب الحياة.
فيكتوريا تبحث عن هروب. عن أي شيء يخرجها من واقعها الثقيل. واقع خيانة زوجها "أنطوان لحد". واقع كونها زوجة عميل.
فيكتوريا ليست وحدها هذه المرة، فإلى جانبها زوجها العميل أنطوان لحد. تقدّم فيكتوريا زوجها إلى سجى قائلة: "سجى، هذا زوجي"، ثم تنظر إلى زوجها "هذه سجى التي حدثتك عنها." مدربة الرياضة في النادي.
لحد ينظر إليها ببرود. لا يرفع حاجباً. أول مرة تراه فيها عن قرب.
منذ تلك اللحظة، ترسم سجى ملامحه في ذاكرتها كخريطة هدف.
تعود إلى النادي. تتفقد حاجياته.
تتكرر زياراتها إلى النادي وإلى بيت لحد. مواعيد محددة مع فيكتوريا. تتالى اللقاءات.
تخبر سجى فيكتوريا: "لا بد من السفر إلى بيروت لشراء لوازم الدورة. غير متوفرة في الشريط المحتل."
لحد يعرض الشراء من إسرائيل: "أرخص."
لكن سجى ترفض بهدوء: مقارنه بأسعار بيروت، ستكون غالية جدا من اسرائيل.
لحد يطلب من سائقه الخاص إيصال سجى إلى منزلها إذا تأخرت عندهم ليلاً.
أحياناً، هو وزوجته يوصلانها بأنفسهم.
تنزل إلى بيروت.
ألتقيها في المكان المتفق عليه. لكن هذا اللقاء مختلف. كلياً. سجى أكثر ثقة، أكثر جدية.
هي من ترسم الخطة بنفسها. أنا فقط أستمع. هي من تطرح الأسئلة. هي من تجيب.
الهدف الآن: العميل أنطوان لحد. داخل دائرة نيران المقاومة.
لم يعد السؤال: هل نستطيع الوصول إليه؟ السؤال: متى؟ وكيف؟
هذا الرجل أقسم يوماً كضابط في الجيش اللبناني أن يحمي حدوده وترابه وشعبه.
ثم خان. خان الوطن. خان القسم. باع روحه للعدو.
وسجى ترسم نهايته. بكل هدوء. بكل برود.
تتنقل بين محلات الأدوات الرياضية في بيروت. تشتري كل المستلزمات. تصمم البوستر الدعائي الجميل. تحزم مشترياتها. تعود.
تتكرر اللقاءات. تشتد أواصر الصداقة مع فيكتوريا.
وتشتد أيضاً أواصر الصداقة مع ربيع، ابن لحد.
طفل في الثانية عشرة. يتعلق بسجى كتعلق الطفل بأمه. ينتظر زياراتها كالفرح.
تعرف سجى على المستشار السياسي للعميل لحد، "سيزار صقر". وعلى زوجته التي التحقت بدورة البالية.
الشبكة تمتد. كل خيط يقربها من الهدف.
تراقب لحد عن قرب. تدرس طباعه ككتاب مفتوح. عاداته اليومية. حركاته. تصرفاته في البيت.
في البيت: قليل الكلام. يأتي من مهامه بعد الخامسة مساءً. يستحم. يتناول عشاءه. يشاهد أفلام الفيديو. لا اهتمام لزوجته، ولا لابنه وابنته. أحياناً، اجتماعات في البيت لبعض أركان ميليشياه، أو لقادة جيش الاحتلال. متوتر. عصبي. دائماً.
تخبره فيكتوريا لسجى. وهمساً تضيف:
"نحن نموت خوفاً كل ليلة. جهاز أمن لحد اكتشف أكثر من محاولة لاغتياله. أغلبها من مقاومين ينتمون للحزب الشيوعي."
تشتكي فيكتوريا: "أشعر كخادمة عند قادة العدو. أقضي وقتاً طويلاً في منزلي. أخدمهم. أحضر لهم الطعام والشراب. ثم أنزوي مع أولادي حتى ينتهوا ويمضوا."
ربيع يشتكي لسجى: "أبي عصبي. ينفعل ويصرخ لأي أمر. وأخاف من المقاومة. أخاف أن أنام وحدي."
لذا ينام مع أخته الصغيرة بجانب والديه.
سجى تستدرج فيكتوريا بمهارة. تجعلها تتحدث بحرية عن نظام الحماية.
فيكتوريا تهمس: "نحن مرتاحون نفسياً هذه الفترة. كثفت ميليشيا لحد نقاط الحراسة حول البيت، خاصة ليلاً. نقطة حراسة على السطح. نقاط تفتيش عند كل المداخل."
وثكنة مرجعيون العسكرية ليست بعيدة.
كل شيء تحت السيطرة. أو هكذا يظنون.
حدث تحول كبير في العلاقه بين سجى وعائله العميل لحد. سجى تصبح واحدة من أفراد المنزل. تكتسب ثقتهم تماماً. حتى الحراس والمرافقون يعاملونها كواحدة من عائلة لحد.
لا تخضع للتفتيش. لا أحد يسألها. تدخل وتخرج بطريقة عادية جداً. كأنها تعيش هناك.
يطلبون منها البقاء مع ولديهما طوال الليل ليسمحوا لأنفسهم بالخروج لقضاء سهرة.
سجى تعتني بأولاد لحد. تلعب مع ربيع. تدربه على الكمبيوتر. تعطيه دروساً في الرياضيات.
يتعلق بها كثيراً.
حين تغيب يوماً ولا يرها، يسأل عنها ويطلب دعوتها مجدداً.
بل أكثر: تؤثر سجى إيجاباً في لحد نفسه. في الخائن.
يلاحظ الفرق في حياة عائلته قبلها وبعدها.
تلاحظ فيكتوريا: سجى أدخلت إلينا الحياة والسعادة. المرح لي وللأولاد، وللحراس أيضاً.
يشعر بالطمأنينة معها. يحادثها على غير عادته. في الرياضة والتدريب والعمل الاجتماعي.
يثني على دورها في تنشيط النادي.
يصر على إيصالها مع زوجته إلى بيتها.
يزودها بتصريح خاص يخولها المرور على الحواجز، والخروج والدخول عبر المعابر بحرية كاملة.
ويومًا، بالصدفة، يعبر لها عن إعجابه.
تمّر من أمام نقطة الحراسة. فجأة، كلب الحراسة يهجم عليها. ترتعب.
يمسك بها لحد. يبتسم: "لا تخافي منه. إنه لا يهاجم الفتيات الجميلات."
يضحك العميل. سجى تبتسم فقط. تلك اللحظة. تتأكد فيها أن الخيط قد أوصد. وأن الوحش الحديدي صار في قبضتها. سجى تمشي بينهم كظل أبيض. تراقب. تتعلم. تنتظر.
وكلما تعمقت أكثر في بيت العنكبوت، اقتربت أكثر من قلب الخيط الذي ستنهي به حكاية عميل.
والجدران من حولها تتذكر كل شيء.
كل نظرة. كل كلمة. كل رقصة.
يُتبع...