قضيّة الأسرى أم قضيّة وطنية؟

فتحت عودة العميل عامر الفاخوري ملفّ العملاء على مصراعيه، وأثارت موجة غضب عارمة لدى الأوساط اللبنانية بشكل عام، ولدى الأسرى السابقين في معتقل الخيام خصوصاً. كما أحدثت إرباكاً عند أكثر من طرف أمني وسياسي.

حسناً، هذا الإرباك ليس بمستغرب على السلطة التي تتّحد في عمقها لجهة تغليب اعتباراتها السياسية الخاصة على اعتبارات العدالة الاجتماعية والوطنية. ونتبين هذا الأمر بوضوح كليّ، من خلال النظرة الشاملة إلى الوضع اللبناني بشكل عام، ومن خلال استعادة أبرز المعطيات التي شهدناها في خضم التدابير المعتمدة، شكلاً ومضموناً، لمحاكمة الأشخاص الذين تعاملوا مع الكيان الصهيوني قبل العام 2000 وما بعده، والتي انتهت غالبيتها إلى عقوبات مُخفّفة، في محاولة لضبضبة الانقسام السياسي الداخلي. وليس مستغرباً أيضاً أن هذا الإرباك قوبِل بإجماعٍ سياسي "سلطوي" على المطالبة بمحاسبة الفاخوري بحسب المقتضى القانوني، فإن تلك "الاعتبارات السياسية" نفسها تُستتبع بتمييع في العدالة نفسها.

عمالة ساقطة ولكن "بمرور الزمن"
ملف الفاخوري الآن في عهدة القضاء، فهل يكون القضاء عادلاً؟ نحاول التطرق هنا عبر الطرق القضائية "التقليدية" إلى الملف. سقط بمرور الزمن، الحكم القضائي الغيابي الصادر عام 1996بحق الفاخوري لإدانته بجرم التعامل مع العدو، استناداً إلى المادة 163 من قانون العقوبات التي استفاد من الفاخوري من مفاعيلها في ظلّ عدم وجود أحكام أخرى صادرة في حقه أو أي مذكرات بالملاحقة أو عدم وجود ادعاء عليه. هذا التبرير القانوني الذي لجأ إليه كثيرون، لكنّ أوساط قانونية أخرى أشارت إلى أن حالة الفاخوري الذي حُكِم عليه غيابيّاً بتهمة العمالة، لم يتبين أن جرمه اقتصر على جريمة التعامل فحسب، بل ثمة جرائم أخرى ارتكبها استناداً إلى موقعه ودوره الذي كان يشغله كمشرف على أعمال التعذيب التي كان يتعرض لها الأسرى والذين تنطبق عليهم صفة أسرى حرب، فهو المسؤول السابق عن معتقل الخيام إلى لبنان وأحد الأشخاص الأكثر تورّطاً بالعمالة مع الكيان الصهيوني. وبذلك يكون قد ارتكب جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم عملا بأحكام المادة الأولى فقرة "أ" و "ب" من اتفاق عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية (تاريخ 26 تشرين الثاني 1968 وتاريخ بدء النفاذ 11 تشرين الثاني 1970). هذا بالإضافة إلى أنّ الفاخوري ينطبق عليه فعل الإخفاء القسري وحجز الحريّة بحقّ الأسير في معتقل الخيام، علي حمزة، الذي لا يُعرف مصيره إلى اليوم.

التحقيقات جارية وشهادات للأسرى
ومن المنتظر أن تستكمل قاضية التحقيق العسكرية، نجاة أبو شقرا، استجواب الفاخوري، الذي مثل بتاريخ 17 أيلول أمامها، بعد أن أصدرت بحقه مذكرة توقيف وجاهية، بناءً على ادعاء معاونة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بيتر جرمانوس، القاضية منى حنقير، التي طلبت استجوابه بناءً على مواد قانونية تصل عقوباتها القصوى إلى الاعدام (التعامل مع العدو، دخول أراضي العدو، حيازة الجنسية "الاسرائيلية"، التسبب بالقتل والتعذيب). وقد استمعت أبو شقرا لشهادات بعض الأسرى في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من الشهر الفائت، بعدما تقدّموا في موازاة ملاحقة الفاخوري أمام القضاء العسكري، بإخبار إلى النيابة العامة التمييزية، ضدّ الفاخوري وكل من يظهره التحقيق مشاركاً ومتورّطاً بجرم التعامل مع العدو الصهيوني وتسهيل دخوله إلى لبنان وهو عميل محكوم، مطالبين بـ"استجواب هذا العميل وتوقيفه ومحاكمته وإصدار أشد العقوبات بحقّه" استباقاً لأي قرار قد يؤدي إلى إسقاط الحكم الغيابي الصادر بحقه.


خطوات لن تنكفئ
"لربما استطاعوا إطلاق سراح العميل لولا تحركاتنا المتواظبة" يقول أسيرٌ محرّر. ويضيف "تعوّدنا أن نرى معظم القضايا تتلاشى بعدم متابعتها. أؤمن بأن هذه القضية جزءٌ من كل لكنّنا لن نتهاون أو نكلّ عن القيام بكلّ واجب بعد أن نكّلوا بنا عوضاً عن معاقبة العملاء غير الفارّين أو الفارّين الذين يسمّونهم بالمُبعدين". قال كلماته هذه في اعتصام نفّذته هيئة ممثلي الأسرى المحررين، يوم الثلاثاء الفائت حيث اجتمع نحو ستين أسيراً جمعت بينهم آلام الأسر والتعذيب، بالإضافة إلى بعض المتضامنين ليجدّدوا عبر الاعتصام رفضهم لعودة الفاخوري وأي عملاء آخرين، ولرفض إسقاط الحكم الصادر بحقّه بحجّة تقادم الزمن، مشدّدين أن "العمالة والخيانة العظمى لا تسقطان بتقادم الزمن بل تبقيان وصمة عار على جبين مرتكبيها ومن يدافع عنهم". وحضر الاعتصام وكيل الأسرى المحررين المحامي معن الأسعد، والأمين العام لمركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب محمد صفا وسط حضور هزيل لوسائل الإعلام، التي لم تعُد تجد في هذه القضية قيمة مُضافة على نشراتها الإخبارية أو صفحاتها، لربما سقط "بمرور الزمن" هذا الاهتمام لغير ملاءمته الـ "Scoop" أو الـ "Trend"!

تحدّث الأسرى عن تجاربهم المؤلمة، والتي بالكاد كانوا يستطيعون التعبير عنها سابقاً، إلّا أن عودة الفاخوري نكأت جراحهم التي لم ولن تندمل بمرور الزمن. هو جرح الوطن والوطنيّين. إنّ العدالة تتمثّل بألّا يكون المتعاملون مع العدو الصهيوني أو التابعون للامبريالية في السلطة أساساً... إنّه المضحك المبكي! ولا شكّ أن تأتي صحوة ما بعد عودة العميل الفاخوري لتبرز مجدّداً إلى الواجهة، وبشكلٍ ملح، القضيّة الوطنيّة في كلّ حراك شعبي يدعو إلى التغيير.