"ما قبل ٧ أكتوبر ليس كما بعده"
صحيح، ما قبل السابع من أكتوبر ليس كما بعده. فبعد أن كان الفلسطينيون يقدمون آلاف الضحايا في الضفة الغربية على امتداد السنوات، وآلاف الشهداء مثلهم في غزة بين مسيرات العودة والحروب الدورية، فضلًا عن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، من خروقاتٍ أسبوعيةٍ لأجوائه إلى اعتداءاتٍ متفرقة، أصبحنا أمام واقعٍ مختلف اختلافًا بيّنًا: أكثر من ٧٣ ألف ضحية في غزة، ودمارٍ شاملٍ في القطاع وجنوب لبنان، واحتلالٍ لأكثر من نصف مساحة قطاع غزة، إلى جانب احتلال عشرات القرى أو المواقع الجنوبية اللبنانية وارتقاء ١٠ آلاف شهيد لبنانيّ، فضلًا عن تدهورٍ عميقٍ في جودة حياة الإنسان العربي سيئ الحظّ بمجاورة إسرائيل. لكن هل هذا كلّه يعني، في جوهره ومآلاته، أن اختلافًا بنيويًّا طرأ بالضرورة على الصراع العربي الإسرائيلي؟ أو على طبيعة إسرائيل؟ أو على طبيعة التيّارات الأيديولوجية للأحزاب والأطراف التّي تحارب إسرائيل في الوقت الرّاهن، فرضًا؟
هل استيقظنا في صبيحة السّابع، أو الثّامن، أو التّاسع من أكتوبر، على إسرائيل كانت قد تحوّلت على طبيعةٍ غير طبيعتها الذّي أُسّست على إثر تمظرها، وهل ابتدعت إسرائيل فجأةً مشروعًا منافيًا للمشروع الذّي قامت عليه، بوصفها كيانًا استيطانيًّا قائمًا على تهجير العرب واضطهادهم، ثمّ تهجيرهم واضطهادهم من جديدٍ عند المقاومة؟
وهل استيقظنا فجأةً، في المقابل، على حزب الله وحركة حماس وقد غدوا، فجأة، غير ما كانا عليه؛ أي حركتين ذاتي مرجعيةٍ دينية ورؤيةٍ اجتماعيةٍ محدودة، لا تتجاوزان، في نهاية المطاف، أفق الأنظمة المهيمنة ولا تقطعان معها قطيعةً فكريّة وعمليّةً ملموسة؟ أو على نظامٍ لبناني يمارس ما هو خارجٌ عن وظيفته الصّريحة والواضحة: تكريس نفسه عبر تأجيج الانقسامات الطائفية، وهو ما مارسه هذا النّظام في كلّ زمان وتحت كلّ سلطة، حتّى ولو تمظهر ذلك بفجورٍ كبير في الآونة الأخيرة؟
لست هنا أركن إلى نزعة جوهرانية، أي نزعة تحلّل الواقع استنادًا لخصائص جوهرية جامدة ولازمة لكل كيان، وتفترض ثبات هذه الهويّات بشكل مطلق، ولكنّني لا أرى صراحةً التّغيير الجذري في بنيان هذا الصراع منذ وقعت هذه الأحداث، ولا في العوامل التّي أنتجته أساسًا، ولو أنّ وتيرة القتل الإسرائيلية، التّي ليست في حدّ ذاتها عاملًا عرضيًّا، قد تصاعدت، ومعها اختبرنا حدّة الإفلاس العربي والتخاذل الدولي عن لجم إسرائيل.
عن السّلطة وعن النظام في لبنان
ليس من الصّدفة أن يتماهى اتفاق الإطار الأخير بين لبنان وإسرائيل في كثيرٍ من جوانبه مع معاهدة ١٧ أيار، أو أن يتجاوزه في وقاحته، فكلا الاتفاقين ليسا أخطاءً تاريخية حدثية، أو اجتهادًا شخصيًّا بحتًا من جوزيف عون أو من أمين الجميل حينها، بل تبلورًا لطبيعة النّظام الطائفي اللبناني، الذّي التجأ مرارًا لخيار "التضحية" بحقوق أيّ مكوّنٍ لبناني كان، في مرحلةٍ من المراحل، أضعف من غيره. أليس هذا هو لبّ التحليل الذي طرحه مهدي عامل في مستهلّ كتابه في الدولة الطائفية، المتمثّل في تفكيك بدعة التوازن الطائفي كتوازن صحيّ ضامنٍ -في تصوّرٍ أولي، لحقوق وتمثيل مجمل اللّبنانيين، لا بل ذهب إلى أبعد من ذلك، ونسب إليه طابعًا هيمنيًّا متجذّرًا في طبيعته، لازمًا لها؟
ألا يكون هذا الطّابع الهيمني هو ما ينتج اليوم القرارات العريضة والمجهرية التّي تحكم السّلطة اللبنانية منذ فجيعة حرب عام ٢٠٢٤؟ ألا يكون هو الوجه الصريح والواضح للنظام اللبناني المتآمر، على صعيدٍ هوياتي، على مكوّناته الطائفية الأضعف مرحليًّا، توازيًا مع وظيفته العضوية الأساسية كنظام رأسمالي تبعي في استغلال وسحق طبقاته الأضعف؟
لمآلات هذا التّحليل استنتاج رئيسي، هو أنّ بنيان النّظام اللّبناني، في هندسته وأصله، ليس موجهًّا لاضطهاد مكوّنٍ لبنانيّ واحدٍ معيّن على طول وجوده، واستنتاجٌ آخر فرعي، هو أنّ النّظام اللّبناني يميل، في لحظات اشتداد الهيمنة الإسرائيلية، إلى إنتاج سلطة تتماهى معها لتفرض هيمنتها وعنصريتها تجاه المكوّن الذّي شاءت الجغرافيا أن يكون على خطّ التماس الأوّل مع العدو الإسرائيلي، وهو ما تفهمه إسرائيل جيّدًا وتعمل على استغلاله بوضوح، وهذه هي الفائدة الأولى التّي تعود عليها من هذا الاتفاق ضئيل القيمة عمليًّا.
فمرّةً أخرى، ليست تصريحات وزيرة التّربية والتعليم عن جهلها بالحالة الأمنية وسط حرب إبادة، أو تجبّر نواف سلام في وجه الصحافية الشهيدة فاطمة فتوني، أو تصريح وزير الخارجية اللّبناني الذّي ادعى حقّ إسرائيل باستمرار اعتداءاتها طالما لم يتم حصر سلاح حزب الله بشكل كامل، إلّا عارضٍ لهذه الهيمنة الطائفية المستظلّة بالبطش الإسرائيلي.
رغم ذلك، واستنادًا للاستنتاج الأوّل، ليس من المجدي، في إطار بناء مشروعي وطني مفترض، أن نحصر معركتنا مع هذا النّظام في مرحلية هذه الهيمنة. إنّ التحدّي الأعظم أمام كل تحليل وطني، أو نواة حركة تحرّر وطنية أو ثورية، هي تضمين هذا الواقع الطائفي وحيثياته في الصّراع الأكبر والأكثر وضوحًا اليوم؛ الصّراع ضد الصهيونية وضد أعوانها.
ولن أتطرّق بالتّفصيل لمواقف بعض النوّاب التغييريين، لكنّني سأتطرّق سريعًا للفكرة السّطحية التّي تنتعلها هذه النّخب وتخلعها عند كلّ منعطف؛ التيّارات التغييرية. فمن وجهة نظر ماركسية، التغيير هو "التحصيل حاصل". فكلّ موجود في حالة تغيّر، وكلّ ظاهرة تحمل في صلبها تناقضات تفضي للتغيير أو التحوّل. لهذا السّبب، لا يصف الماركسيون أنفسهم بالتغييريين، بل بالثوريين، هذا لأنّ الماركسية تهدف إلى ضرب البنى المتجذّرة في أصل النّظام والتّي تعيد إنتاجه. على هذا، ما الذّي تريد هذه النّخب التغييرية تغييره بالذّات؛ هل هو النّظام الطائفي، أو التوازنات المهيمنة التّي تسوده؟
التّاريخ الخطّي : مدخل إلى الاجتزاء
ثمّ حدّثونا عن فوائد معاهدات السّلام، فقيل لنا: لا إبادة إسرائيلية في مصر والأردن، إذن لا مطامع إسرائيلية في المنطقة. وهو أمر صحيح في شقّه الأول، أو هكذا يفهمه الاختزاليون، فيستنبطون منه تحليلًا ناقصًا لطبيعة إسرائيل، مرهونًا بالحجج الظاهرية.
ما يغيب عن هؤلاء أنّ السّبب الذّي يكبح الهستيريا الصهيونية عن هذه الدول اليوم ليس فيضًا من الوداعة الإسرائيلية، بل هو نفسه تبلورٌ للهزائم العربية السّابقة. فهذه الاتفاقيات ليس أدواتًا للهيمنة الاقتصادية والسياسية عبر الابتزاز بالموارد وملفات الطاقة والاتفاقيات الاقتصادية المُلزمة والهشاشة الديموغرافية فحسب، بل هي أيضًا ما يمكّن التمادي الإسرائيلي إلى هذا الحدّ الذّي شهدناه.
هكذا، وبغياب كلّ تحليل بنيوي، يسهل اجتزاء الحاضر وتفتيته إلى حالاتٍ معزولة، وكأنّها ليست جزءًا من كلٍّ تتداخل ظرفية كلّ عنصر فيه مع الآخر.
وفي معرض الحديث عن الاجتزاء، ثمرة الاحتكام للتّاريخ بوصفه موضوعًا وصفيًّا وسرديًّا، لا أكفّ أفكّر بالفكرة التّي تردّدت على مسامعنا مرارًا في حصص التّاريخ، والتّي تفضي بأنّ سبب اندلاع الحرب العالمية الأولى كان حادثة اغتيال ولي عهد النّمسا، ما يضعنا أمام حدثٍ مفصلي رُفع إلى مقام السّبب التّاريخي، متجاهلًا الضّرورات المادية التّي أتاحت الحرب.
وكان قد شرح لينين هذا اللّغط قبل أن يُعمّم، فكتب في "الاشتراكية والحرب" عام ١٩١٥: "يعترف الجميع تقريبا بأن الحرب الحالية هي حرب استعمارية ولكنهم في أغلب الأحيان يشوهون هذه الفكرة، فهم يطبقونها على جانب واحد أو يوحون بأن من الممكن أن يكون لهذه لحرب قيمة تقدمية برجوازية هي التحرر الوطني. [...] وهي [الرأسمالية] تشعر منذ الآن أنها في ضيق في دول أوروبا القديمة التي لم يكن في وسع الرأسمالية القضاء على الإقطاعية بدون ظهورها. " وهو ما استفاض في شرحه في "الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية".
لست أطرح فكرته هذه كمقارنة بين حربنا مع الكيان الصهيوني والحرب المذكورة آنفًا. فهو -لينين- كان قد ميّز بوضوح في الكرّاس نفسه، بين الحرب "الدفاعية"/"العادلة" وبين الحرب العدائية.
أطرح تحليله لأنوّه بتمايزه، وهو الرافض للتجريبية التّي تتجاهل العلاقات البنيوية في تفسير التّاريخ والمجتمعات، في تحليله البنى المادية الفعلية التي يحيل إليها أسباب اندلاع الحرب حينها، وهي في جوهرها بنى اقتصادية تفضي لضرورة مادية معينة، أي ضرورة التوسّع بالدول الرأسمالية القومية التّي نشأت في القرن التّاسع عشر، النّاتجة بدورها عن ضرورة هي القطيعة مع الإقطاعية، بحثًا عن الأسواق والموارد.
إنّ أهمية هذا الطرح تكمن في كونه ينقلنا من سؤال: "ما الحدث الفاصل الذي أسّس لحالةٍ ما؟" إلى سؤال: "ما الشرط التاريخي الذي جعل هذه الحالة ممكنة؟". وهذا ما ينطبق على حالنا اليوم، فحرب الإبادة الإسرائيلية اليوم ليست شذوذًا عن المسار التاريخي لإسرائيل، ولا قطيعةً مع ما كانت عليه بالأمس، بل هي على توافق مع شروط استمرارها التي تقوم على ضمان هيمنتها في المنطقة عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا.
إسرائيل لم تتغيّر. ليست حكومة نتنياهو "اليمينية" هي التي أحدثت هذا التحول فيها، وليست صدمة السابع من أكتوبر التي أخرجتها عن طورها. إسرائيل هي نفسها إسرائيل التي تستهدف الجيل الخامس على التوالي من الأطفال العرب. وهي نفسها إسرائيل المنخرطة في اتفاقيات مع أكبر الجامعات في العالم لتطوير الأسلحة، وهي إسرائيل المنخرطة في استثماراتها مع أكبر شركات الأسلحة، وهي الشريك الأقرب لأمّ الإمبراطوريات الرأسمالية.
القانون الدولي لم يعجز عن لجمها إلا لأن إسرائيل، المحصّنة بالولايات المتحدة، عرّته حين رسمت حدوده بدمائنا أمام العالم كله. وإسرائيل لا تنسف حاضرنا وماضينا ومستقبلنا ومستقبل أطفالنا، كما قيل، لأن أمينًا عامًا خرج بخطاب استفز مشاعر نتنياهو، أو لأن حركة حماس رفضت عرضًا غير جدي برعاية الولايات المتحدة، أو لأننا أطلقنا صاروخين على شمالها أو جنوبها. إسرائيل تقتلنا لأن معادلات الردع الراهنة لم تعد تردعها، بعدما ارتكبت الأفظع أمام العالم كله من دون محاسبة. إسرائيل تفعل ما تفعله إسرائيل: تطردنا من أرضنا تحت تهديد المحو والإبادة، استكمالًا لمشروعها الأول: الاستيطان.