الصفحة 1 من 2

ثمة أمور في السياسة لا تحتمل الخيارات أو وجهات النظر؛ فظاهرها يفضح ما تحمله من نوايا مبيتة. هو مسار امتد لأكثر من قرن من الزمن، تواجهت فيه متناقضات كثيرة، جلها كان بين ضفتين متقابلتين يفصل بينهما واد سحيق، لا يلتقيا إلّا في ساحات القضايا وهموم البشر؛ رأسمالية إمبريالية متفلة بطبيعتها، يحكمها رأس المال ومصالح أصحابه، همها الربح ولو على حساب حياة الشعوب، سلوكها الهيمنة واستلاب مستقبل الدول وإمكاناتها.

وتسألون عن صفقة القرن؟ هو ليس سؤالاً، بل هو استفهام. فأيّهما أسبق، القضية أم الموضوع أم القوى التي تتفاعل معه؟ مناسبة هذا السؤال سببها الأوضاع المتراكمة في منطقتنا العربية بشكل خاص، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، لأنّ ما يجري فيهما لعبة، ولكن بملاعب عديدة ولاعبين كثر. وعلى تلك الأرضية تدور رحى المشاريع المتتالية، المتباينة أو المتفق عليها، منذ قرن من الزمن، لتستمر، وبشكل ممنهج ومدروس ومخطّط له.

بلغت عملية الاستشارات النيابية، التي كانت مقرّرة الاثنين الماضي، والتي تأجّلت مجدداً لفترة أسبوع، مرحلة خطيرة، ليس بمفاعيلها أو بسبب عدم إجرائها، بل لكونها دخلت، وبقوّة، في مهبّ المحاصّة الطائفية وبزار المزايدات المذهبية. وفي تطور مريب توقيتاً وشكلاً، خرجت من دار الفتوى تسمية مرشح لتأليف الحكومة بعينه، ضاربة بذلك عرض الحائط، بالدستور والطائف وبكل الأعراف، حتى ولو كانت شكلية، وواضعة، في الوقت نفسه، الحرم المذهبي على أي ترشيح آخر.

تسجل الانتفاضة الشعبية، انتفاضة 17 اكتوبر، ولأول مرة في لبنان، حدثاً تاريخيّاً بكل المقاييس، وهوحدثٌ سيؤثّر حكماً، ويطبع بطابعه المرحلة المقبلة، وفي اتجاهين؛ أفقياً، على اتساع الوطن وشمولية القطاعات والقضايا، وعمودياً، على مستوى القوى المنخرطة فيه على ضفتي المواجهة؛ السلطة ومكوناتها، والشعب بكليته وبقواه السياسية – الجذرية منها أو المتسلقة على أكتاف المناسبات للاستفادة الآنية من نتائجها– يضاف إليهما الخارج، وهو الممسك ببعض الداخل، من قوى سياسية مرتبطة به وبمشاريعه، والمعني بالأساس، بالتركيبة السياسية القائمة في لبنان، والتي بطبيعتها تابعة بالسياسة والاقتصاد، لتعكس توازنات إقليمية ودولية محكومة بنمط من علاقات الدول ومصالحها.

مشهدان تصدّرا واجهة الأحداث في لبنان خلال الأيام القليلة الماضية: الأول، العملية التي نفّذتها المقاومة في مستعمرة "أفيفيم"، والثاني، العقوبات الأميركية على لبنان، وبالتحديد على القطاع المصرفي. قد لا يبدو، أقلّه بالشكل، أنّ ثمة ترابطاً بين الحدثين، لكن، في الجوهر، يكاد يكون الاستهداف واحداً والمعركة واحدة، ومن خلال مخطّط مدروس الخطوات ومعلوم الأهداف؛ هو قرار متخذ من قبل دوائر "البيت الأسود" لمحاصرة لبنان ولضرب بنيته الاقتصادية والاجتماعية، وبالتحديد منها، البنية التي تحمي خيار المقاومة فيه وفي المنطقة والمجاهرة بذلك.

-++++++المشهد الأول، هو الاعتراض على بضع كلمات في أغاني فرقة فنية في لبنان، بذريعة مسّها بعض الأديان، وما تلا ذلك من تهديدات بالقتل واجتماعات دينية وسياسية وكلام في الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي... ومن ثم إلغاء الحفل!. المشهد الثاني، طفل فلسطيني-مقدسي، ابن أربع سنوات، يُساق إلى التحقيق بناءً لاستنابة قضائية من شرطة الاحتلال بتهمة قذفه الجنود الصهاينة بالحجارة؛ يسير بكل جدارة حاملاً كيس طعامه، والأساسي فيه هي علبة الحليب!

الصفحة 1 من 2