المماطلة والبلطجة لن تحرف مسار الانتفاضة

ها قد مضى شهر ونصف على بدء الانتفاضة الشعبية الرائعة، وما زال شعبنا مستمرّاً في الشارع والساحات في جميع مناطق لبنان. ومع أنّ صرخاته المدوّية المعبّرة عن وجعه تردّدها الساحات والشوارع، فإنّها لم تدخل بعد كما يبدو، في اسماع وعقول زعامات الطبقة السلطوية. فهم لم يعتادوا الإصغاء إلى أصوات الناس خصوصاً الكادحين والفقراء ومجمل المظلومين. يزعجهم سماع صوت الرأي الحرّ الحقيقي، والفكر النيّر، والمواقف الوطنية الجريئة. ويبدو أنّ الأطراف السلطوية، لا تكترث إلّا بمصالحها الخاصة وحصصها والتوافق عليها وتتغافل عن صوت الوطن، وصوت الشعب الهادر في كل لبنان، المُطالب بالعيش الكريم وبالحصول على أبسط حقوق الانسان في القرن الواحد والعشرين بدولة قانون، وبوطن يعيش فيه أبناؤه. فلا يصدِّق أحدٌ في عالم اليوم، أنّ لبنان بعد ثلاثين سنة على توقف الحرب، ما يزال شعبه مثلاً، يعاني من تقنين في الكهرباء أكثر قساوة ممّا كان عليه في ظروف الحرب الأهلية، وكذلك في مياه الشفة وغيرها مثل مشكلة النفايات. ففي حين استطاع شعبنا أن ينتصرَ في مقاومة الاحتلال، ويفرض على جيش العدو الصهيوني الانسحابَ المذل، بدءاً من عاصمتنا بيروت، بدون قيد أو شرط، يجد اللبنانيون الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمالي، ومجمل الوضع الداخلي، مشهداً بائساً ومعاكساً، لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة سياسات الطبقة السلطوية المستمرة منذ ثلاثين سنة وحتى الآن. وهذا ما أوصلنا إلى ما يعيشه شعبنا وبلدنا من أزمات وتدهور وبدء انهيار اقتصادي ومالي يطال بانعكاساته الطبقات الفقيرة وجمهور الطبقة الوسطى، ويزعزع الثقة بلبنان وبمستقبل أبنائه الشباب، الذين لا يتوفر لهم التعلّم وفق منهاج تعليمي حديث، وتكوين مواطن ووطن، ولا سكن، ولا فرص عمل تبقيهم في وطنهم، ولا ضمانات صحية لقسم كبير منهم، ولا ضمان شيخوخة لكبارهم. إنّ مواجهة هذه السياسات السلطوية ونتائجها، هي التي تجلّت بتفجّر الانتفاضة الشعبية المليونية، وهي مع ما سبقها من نضالات في الشارع، تعبّر عن حقوق ومصالح شعبنا وكادحيه، ضدّ الإفقار والفساد المستشري وهدر وسرقة المال العام داخلياً، وضد سياسات الغرب الإمبريالي والتبعية لها من خلال وصفات صندوق النقد الدولي، والهيئات والمؤسسات الدولية الأخرى، التي تخدم مصالح الاحتكارات الرأسمالية الضخمة. لذلك نرى أنّ المستفيدين من تركيبة السلطة ونظامها الطائفي التحاصصي، ومنظومة الفساد الناجمة عنها، يلجؤون إلى ترويج الشائعات والدعايات، ومنها وصف الانتفاضة بأنها مؤامرة أميركية، واعتماد المماطلة الطويلة علّ المنتفضين يتعبون، وصولاً إلى استخدام ممارسات البلطجة والإعتداء المباشر على جمهور الانتفاضة في الشارع والساحات. والمؤسف والمؤلم في آن، هو أنّ هذه الارتكابات تجري تحت عنوان حركة أمل وحزب الله. ممّا يطرح عدّة تساؤلات، منها، ألا يفكر الذين هم وراء هذه الممارسات الاستفزازية، بأنّ شحن الأجواء الشعبية بالعصبيات والانقسامات، مُعادٍ للوطن ووحدته، ولدور المقاومة؟ وأنّ حقوق ومطالب الشعب بالعيش بكرامة، هي القضية التي فجرت الانتفاضة المليونية، وليس السفارات، التي تحاول استغلال الوضع اليوم وأمس وغداً، للاصطياد بالماء العكر؟ ألا تنمّ أساليب أضعاف وضرب الانتفاضة والعمل لحرفها عن طبيعتها ومسارها، عن الخوف والرعب من ضرب منظومة الفساد السلطوية ومحاسبة الفاسدين؟ ألا يدرك هؤلاء أنّ هذه الممارسات المشينة في شوارع بيروت ومدينة صور، تجرّ البلاد إلى افتعال فتنة تصّب في مخطط الفوضى الأميركي، وتفتيت بلدان المنطقة ومنها لبنان؟ هل هذا هو وجه المقاومة الداخلي؟ وهل من مصلحتها تقليص أم توسيع التأييد الشعبي لها؟ لقد برهنت جماهير الانتفاضة أنّها تعي الأغراض المبيتة، فلم تنجرّ إلى هاوية الفتنة لضرب الانتفاضة وتحويل التناقض بين الشعب والطبقة السلطوية إلى صراعات ونزاعات بين الجماهير الشعبية الكادحة والجائعة نفسها. وإنّ على الأطراف السلطوية الآن، التوقف عن المماطلة والتسويف بتشكيل حكومة وطنية مستقلة بصلاحيات واسعة، لإجراء انتخابات نيابية مبكرة، والتركيز على وقف الانهيار الاقتصادي والمالي، واتخاذ تدابير استعادة المال المنهوب. وهذا الأمر هو ضرورة وطنية انقاذية، فوق الصراع على المصالح الفئوية والخاصة. ولم يعد بإمكان أحد في السلطة وخارجها تجاهل دور المارد الشعبي الذي خرج من القمقم، ولن يعود إليه. فالشعب هو مصدر السلطات والوطن فوق الجميع.

Image

انتفاضة 17 أكتوبر: خطوة على طريق الثورة

دخلت "انتفاضة 17 أكتوبر" أسبوعها السادس على التوالي، وسط إصرار من المنتفضين بكافة الساحات وعلى امتداد مساحة الوطن على توحيد مطالبهم ومواصلة تحركاتهم حتى تشكيل حكومة وطنية انتقالية، وتطبيق المادة الـ 22 من الدستور وإقرار قانون انتخابات نسبي وخارج القيد الطائفي، ثم تحقيق استقلالية القضاء واسترجاع المال العام المنهوب والأملاك العامة. انتفاضتهم لم تعرف الخوف ولا التعب أو الملل، فهم يعلمون أن معركتهم طويلة لإسقاط هذا النظام السياسي الطائفي وبناء الدولة الوطنية العلمانية الديمقراطيّة وتغيير السياسات الاقتصاديّة - الاجتماعيّة، حينها تتحقق الثورة. مماطلة، اعتقالات، بلطجة واعتداءات، بث الإشاعات والفتن،... مشهدٌ اعتدناه لليوم الـ 44 على التوالي، لسيناريو "تخبّط أهل السلطة" في وجه منتفضين سطّروا بكفاحهم وصلابة إرادتهم تاريخاً مجيداً للبنان. تلك السلطة الغارقة في تجاذبات الاشتباك السياسي دفاعاً عن محاصصاتها أرعبها إصرار الشعب على مواجهة سياسات التجاهل المعتمد من كافة أطرافها دون استثناء، وسط انهيار مالي واقتصادي.تلك الانتفاضة جاء تمويلها "السري" من وجع مواطنين أُرهقوا بنهج المحاصصات والفساد والتبعية والولاءات مدة ثلاثين عاماً، وسياسات حكومات متعاقبة دمرّت البلد وأفقرت شعبه وأغرقته بديون مؤتمراتها الباريسية. وهجّرت أبناءه، تقاسمت أملاكه، وضربت مؤسساته العامة. وسلبته حقوقه بالطبابة والسكن والعلم والعمل والكهرباء والبيئة الصحية. "مش فالّين"أما خطابات السلطة "فتزيد من الطين بلة"، إذ تشكل مفعولاً عكسياً على المنتفضين الذين اعتادوا على تجاهل مطالبهم ونضالهم اليومي منذ 44 يوماً، ليأتي ردهم في تزايد زخم الساحات، وتصويب الاحتجاجات على المرافق العامة ومكامن الهدر والفساد كخطوة ضرورية للاستمرارية حتى تحقيق المطالب.إذ أن مقابلة الرئيس عون الأخيرة (12 تشرين الجاري) والتي طالب فيها من المتظاهرين بالخروج من الشارع وتشكيل وفد لطرح مطالب الحراك، خاتماً بعبارته الشهيرة "اللي ما عجبوا يفل" والذي حاول جاهداً في ما بعد إلى تبريرها غير المبرّر، والتي أشعلت غضب الساحات وأعلنت الإضراب العام، فتزايدت أعداد المنتفضين، مطلقين هتافات "مش فالين"، و"بيّ الكل، فل".الغضب من خطاب عون، تصاعد مع سقوط شهيد الثورة الثالث علاء أبو فرج وعاد زخم الثورة، وتكثّفت التحرّكات في كافة المناطق من دون انقطاع. المماطلةيراهن أقطاب السلطة على تعب الشعب، فيتقاذفون الاتهامات فيما بينهم من جهة، ويبرعون في استخدام أساليب شدّ العصب الطائفي والمذهبي وتأجيج الثورة المضادة من جهة ثانية. في المقابل، يظهّر الحراك موقفاً موحّداً، أمام هكذا محاولات، في ظل وجود عمل يومي للتنسيق بين القوى والمجموعات، رغم عدم وجود قيادة موحدة جامعة. فما إنْ تسرّب اسم الوزير السابق محمد الصفدي لترؤس الحكومة العتيدة، بادرت الساحات في كافة المناطق إلى تنفيذ احتجاجات شعبية والمطالبة بالتحقيق معه ومحاكمته على خلفية ملف الاعتداء على الأملاك العامة البحرية وإقامة "الزيتونة باي" على خليج السان جورج.ونجحت الانتفاضة مجدّداً بتسجيل انتصارٍ آخرعلى السلطة وإسقاط صفقة الخليلين بطرحهم للصفدي، الذي أعلن في 16 تشرين الثاني عن اعتذاره عن قبول الاتفاق السياسي على تسميته لتشكيل حكومة. استقلال الاستقلاليخوض اللبنانيون في انتفاضتهم اليوم معركة الاستقلال الحقيقي عن هذا النظام السياسي الطائفي المولّد لكافة الأزمات التي يعيشها البلد، للتحرر من سياسات الاستغلال والهيمنة والسيطرة التي تفرضها السلطة؛ أولاً، بالاستغلال الطبقي الذي أوصل البلد إلى الإنهيار وشعبه إلى مزيد من الإفقار. وثانياً، بالولاءات والتبعية للخارج وفرض الهيمنة الغربية والسيطرة الأميركية على مقدراتنا وبأدواتها الصهيونية والعربية الرجعية. وخير دليل على ذلك، ما نشهده اليوم من التدخلات الأجنبية ولا سيما المبادرة الثلاثية الأخيرة التي قامت بها كل من فرنسا وأميركا، وبريطانيا.وبما يتعلقبالاستغلال الطبقي يواصل الحراك الشعبي مواجهته له، عبر رفض ما سمي بالورقة الإصلاحية، ووضع حلول بديلة من اقتصاديين واخصائيين تساعد البلد للنهوض من هذه الأزمة.أما بما يخص التبعية والهيمنة، فمطالب الحراك واضحة، تترجم عبر التمسك بضرورة "التحرير والتغيير"، فجاءت الوقفات الاحتجاجية في ساحات الاعتصام رداً على تصريحات جيفري فيلتمان الأخيرة. العرض المدنيأحيا لبنان العيد السادس والسبعين للاستقلال بعرضين متناقضين؛ الأول تخلله عرضٌ عسكريٌّ باهت ومصغر، سادته أجواء واضحة على وجوه الرؤساء الثلاثة عكست خلافاتهم السياسية حول تشكيل الحكومة المرتقبة وفقاً لمقاسات ومحاصصات كتلهم النيابية. في المقلب الثاني، شهدت ساحة الشهداء، استعراضاً وطنياً شعبياً بعنوان "العرض المدني"، شارك فيه 41 فريقاً من مناطق مختلفة.، فكان أشبه بعرس وطني لأول مرة أعطى للبنانيين المعنى الحقيقي للاستقلال منذ 76 عاماً.استهل العرض بتحية تخليداً لأرواح الشهداء والنشيد الوطني، ثم عرضٌ على الخيل، تلته الفرق التي تقدم كل منها لافتة باسمها مسبقة بكلمة "فوج" وهي: الدراجات النارية والهوائية، الإرادة، العسكريون المتقاعدون، المعلمون، البيئة، المحامون، الطلاب، الأمهات، الأشبال، الآباء، أطباء، إعلام، خبراء ومكافحة، زراعة، مهندسون، إيقاع، عمال، صناعيون، مواصلات، اندفاع، حقوق النساء، حرفيون، تجارة، فنانون، نساء ورجال أعمال، مبدعون، طاقة، رياضة، سياحة، طناجر، حقوق الإنسان، مشاة، مغتربون، موسيقيون، ناشطون، جنوب، شمال، بقاع، جبل لبنان، وبيروت.وقدّم كل فوج أفكاره بطريقة خاصة، عبر ابتكار شعارات مطلبية مناسبة لفوجه، وذلك على وقع الأغاني الوطنية والثورية التي عزفتها إحدى الفرق الموسيقية. "خبز وملح"المنتفضون من الشمال إلى الجنوب شاركوا في "أحد التجمع على النقاط البحرية" بعنوان "خبز وملح" تأكيداً على حق اللبنانيين في الإفادة من الشاطئ ورفضاً للتعديات على الأملاك البحرية والمطالبة باسترجاعها للشعب.وأيضاً، تجمّعوا في محمية مرج سد بسري للمطالبة بإيقاف الجريمة البيئية وإقامة مشروع السد. هزائم الثورة المضادة"غزوة" فجر الاثنين الماضي على جسر "الرينغ" ومحيطه جاءت أكثر حدية من "الغزوة" السابقة يوم 29 تشرين الأول الماضي في ساحتي الصلح والشهداء، وجّه خلالهما الثنائي الشيعي رسالة واضحة تجاه مظاهر الحراك. الأولى تبعها إعلان الحريري استقالة الحكومة، أما الثانية فتبعها محاولات أخرى سريعة في أقل من 24 ساعة لإثارة الفتن وزرع الرعب في بعض المناطق وهتافات تلوّح بعودة 7 أيار مجدداً، فكانت ذروتها في الهجوم على اعتصام ساحة العلم في صور وحرق الخيمة التي بادر حراك صور إلى نصب غيرها، معلناً مواصلة انتفاضاتهم، ثم تلاه الاعتداء على اعتصام ساحة المطران في بعلبك، وسط صمود واستمرار المعتصمين.وفي سياق متصل، قام مشبوهون بافتعال إشكال بين القوى الأمنية ليل 19 تشرين الثاني في ساحة رياض الصلح، ما أدى إلى رد الأخيرة إلى جرح 3 معتصمين واعتقال 12 آخرين من المشاركين في الاعتصام الذين لا علاقة لهم من قريب أو بعيد، بالاستفزاز المدبّر مسبقاً بين بعض العناصر والقوى الأمنية. فأدان بيان باسم انتفاضة 17 أكتوبر هذا التعدي، مشيراً إلى أنها "ليست المرة الأولى التي يجري فيها افتعال مثل هذه الأعمال لتشويه صورة الانتفاضة".كما أكّد المنتفضون على مواصلة اعتصامهم السلمي في ساحة رياض الصلح بوجه كل محاولات السلطة وأدواتها ممن ترسلهم إلى ساحات الاعتصام للتخريب ولبث الإشاعات والتحريض على المعتصمين.يذكر، أن نقيب المحامين الأستاذ ملحم خلف سارع ليلتها إلى التواجد في ثكنة الحلو ولجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين الذين أفرج عنهم صباح اليوم التالي. تنظيم الحراكيتساءل البعض وأبرزهم السلطة وأتباعها عن قيادة الحراك، متجاهلين أن هيمنة أحزابها على النقابات والروابط والاتحاد العمالي العام وتحالفاتهم ضربت الجهة المفترض أن تقوم بتمثيل الشعب وتحمل لواء الدفاع عن حقوقه لا التآمر عليه.فجاء الرد من قوى وشخصيات سياسية واقتصادية واجتماعية وهيئات ومجموعات شبابية وطلابية ومدنية واتحادات نقابية ومهنية وتعليمية من مختلف ساحات الانتفاضة، تداعت كلجنة تحضيرية إلى عقد ورشة حوارية في الكومودور في 19 تشرين الثاني حول الانتفاضة تحت عنوان "المرحلة الانتقالية: الرؤية والبرنامج"، وخلصت إلى إعلان الآتي: التوجّه بتحية إكبار إلى شهداء الانتفاضة علاء بو فخر وحسين العطار وعمر زكريا، وإلى كل المنتفضين الذين ملأوا الشوارع والساحات وعلى امتداد مساحة الوطن طيلة شهر بكامله، وسطّروا بكفاحهم وصلابة إرادتهم تاريخاً مجيداً للبنان، بالرغم من الاعتداءات والاعتقالات التي تعرّضوا لها، في المخافر وعلى الطرقات العامة والساحات، ومن قبل القوى الأمنية وميليشيات الزعامات الطائفية، والدعوة إلى متابعة الانتفاضة وتصعيدها للخلاص من السلطة السياسية الفاسدة ونظامها الطائفي والمذهبي المولّد للأزمات والتدخلات الخارجية، وصولاً إلى بناء دولة وطنية ديمقراطية". وتم التوجّه بالشكر أيضاً لكل الذين قاموا بتلبية الدعوة، و"الذين أسهموا، عبر عشرات المداخلات، في إغناء النقاش حول مسألة إعادة تكوين مرتكزات السلطة وتشكيل حكومة انتقالية وطنية وذات صلاحيات استثنائية، تتولّى اتخاذ إجراءات فورية لمعالجة التبعات الاقتصادية والاجتماعية للانهيار النقدي والمالي، وتؤمّن استعادة المال والأملاك العامة المنهوبة والتأسيس لنظام ضريبي تصاعدي جديد ولإعادة هيكلة الإنفاق العام، بالتزامن مع إقرار قانون جديد للانتخابات قائم على النسبية خارج القيد الطائفي". وتداول المجتمعون "أهمية تصعيد الانتفاضة واستمرار الحوار المشترك، بمختلف السبل والأشكال المناسبة، بما يعزّز مساحة التفاعل البنّاء والتلاقي الوثيق بين مكوّنات الانتفاضة". وتقرّر في هذا السياق الأخذ بالاقتراحات والملاحظات والتعديلات التي أبداها المشاركون على مشروع الورقة المقدمة إلى الورشة الحوارية، كما تقرّر عقد جلسات حوارية. هي انتفاضة بحجم الوطن، عابرة للطوائف والمذاهب. سواء أطلق عليها ثوّارها "انتفاضة"، أو "حراك" أو "ثورة". فالعزيمة والإصرار والحرص على استكمال المواجهة هي الإسفين الذي ضرب نعشَ هذا النظام السياسي الطائفي الفاسد الذي سيزول حتماً لتحقيق نقلة نوعية في طبيعة هذا النظام المتعفّن وخلق منظومة جديدة في الاقتصاد والسياسة والتعليم والنقابات.

Image

الانتفاضة وجدليّة تكوين الموقف السياسي

تسجل الانتفاضة الشعبية، انتفاضة 17 اكتوبر، ولأول مرة في لبنان، حدثاً تاريخيّاً بكل المقاييس، وهوحدثٌ سيؤثّر حكماً، ويطبع بطابعه المرحلة المقبلة، وفي اتجاهين؛ أفقياً، على اتساع الوطن وشمولية القطاعات والقضايا، وعمودياً، على مستوى القوى المنخرطة فيه على ضفتي المواجهة؛ السلطة ومكوناتها، والشعب بكليته وبقواه السياسية – الجذرية منها أو المتسلقة على أكتاف المناسبات للاستفادة الآنية من نتائجها– يضاف إليهما الخارج، وهو الممسك ببعض الداخل، من قوى سياسية مرتبطة به وبمشاريعه، والمعني بالأساس، بالتركيبة السياسية القائمة في لبنان، والتي بطبيعتها تابعة بالسياسة والاقتصاد، لتعكس توازنات إقليمية ودولية محكومة بنمط من علاقات الدول ومصالحها. فالقراءة السياسية لهذا الحدث محكومة إذن بتلك التعقيدات؛ فالتركيبة الهجينة للنظام السياسي جعلت مساحة التقاطع الإقليمي والدولي واضحة وجليّة، ما يجعل كل قراءة تغفل أيّاً من تلك العوامل، ناقصة. وفي المقابل، أي تعامٍ عن الظروف الداخلية للأزمة، والتي لا تنقصها الأدلّة ولا الإشارات، ستجنح بالابتعاد عن الفهم الموضوعي المطلوب في هذا الوقت. فأدلّة الداخل لا تنقصها مؤشرات الخارج، لأن بناءه لم يكن في الأساس من خارج عباءة ذلك الخارج وتأثيراته، لا بل أكثر من ذلك، كان من صلب مشروعه الإمبريالي المستمر. فالنظام السياسي القائم في لبنان، ومنذ وجوده ككيان مستقل، لم يكن، لا في الشكل ولا في المضمون وكذلك في الوظيفة، إلّا استجابة لخارجٍ استثمر مبكراً في طبيعة هذا البلد وتركيب منظومته، السياسية والاقتصادية، القائمة على الجمع بين الطوائف، ككيانات "مستقلة" ضمن منظومة تحاصص واحدة، لكنها ليست ثابتة، تتبدل أدوارها وفق تبدل الوصايات الدولية؛ فَعَمِل، أيذلك الخارج، على ترسيخ تلك الوضعية كما على تطويرها وحمايتها. فأي خلل ناتج عن سلوك هذه التركيبة أو مشغليها، كان يُعَبّر عنه بتوترات وحروب أهلية، تَخرج البلاد بعدها بنمط علاقات جديدة تُصاغ بين مكوناتها "المستقلة" تعكس نتائج تلك الحروب. فعلى ذلك التقاطع، البنيوي والشديد الوضوح، القائم بين الداخل والخارج، سنقدم الرؤية المفترضة لفهم الظروف ولقياس المقاربات؛ فالطبيعة التابعة–المستدامة للنظام السياسي في لبنان أعطت لذلك الخارج "مونة" وازنة على الداخل، وهذا مفهوم ومعلن وليس مستتراً، وقد طاول حجم التدخل، مختلف القضايا وبكل الأساليب والطرق، ما أوجد أرضية التقاطع تلك، الواقعة بين تحديات مشاكل المنطقة وتطوراتها وتعقيداتها من جهة، واستجابة القوى الموجودة لتنفيذ أدوار مطلوبة منها في الصراعات الدائرة من جهة أخرى. هذا التناقض أوقعها في انفصام جليّ ومستدام فيطبيعة موقفها وسلوكها والدور المطلوب منها، ولو أدّى ذلك إلى تناقض مع "شريكها" المحلي. وهذا ما شهدناه تكراراً طوال مرحلة من عمر لبنان المستقل. بالاستناد إلى هذه القراءة يمكننا مقاربة هذا الحدث "التاريخي"، الذي يجري اليوم، بغض النظر عن النتائج المتوقعة أو المرجوة منه؛ هو حدث غير مسبوق في التاريخ المعاصر للبنان، بحيث ينتفض الشارع متخطّياً، ولو بالشكل، حدود الانقسام المذهبي والطائفي والمناطقي الذي عاشه أطواراً متتالية من الزمن. فهذا الانزياح "الجنيني"، الذي ظهر، وفي كل المناطق، والذي عُبّر عنه بخطاب موحّد، إلى حدٍ يمكن البناء عليه، قد يجعل إمكانية التفلت من كوابح المذاهب والطوائف أمراً متاحاً ولو جزئياً، بالإضافة إلى تلمس حالات من التمرد الخجول على خطابات سياسية، لطالما ربطت الجمهور بمصالح من خارج مصلحته المباشرة، فظهر الناس في انتفاضتهم اليوم وهم أكثر جرأة على الإشهار بغضبهم، والذي لم يرقَ بعد إلى حالة من التفلت أو الانفكاك عن وعيهم الطائفي باتجاه آخر وطني أو طبقي، وهذا أمرٌ لا يمكن التغافل عنه أو تخطّيه، إذ لا يمكننا هنا تسجيل تقدم ملحوظ في هذا المجال بل إرهاصات محسوسة أو مفترضة لذلك التقدم، لا بدّ من التدقيق فيها، وأخذها من ثمّ، في الاعتبار. وعليه، يبقى الرهان على تجذير تلك النزعة "الانفصالية" الحاصلة ولو جزئياً وتطويرها إذا أمكن، ومن ثم تثبيتها عند الحدود التي نستطيع البناء عليها. هذا الأمر يتطلّب إحداث تلك النقلة النوعية المطلوبة، وبعيداً عن أي أوهام أو التباسات، بين حدّين متوازيين: حد المجاهرة المعلنة برفض السائد والموروث، وحدّ الاقتناع بالخطاب المعلن والموجود اليوم والمُعَبّر عنه في الشارع، ولو بطريقة مرتبكة. وهذا لن يتم إثباته والركون إليه، إلّا من خلال توضيح السقف السياسي وخطابه المعلن ونتيجته، والتي ستشكل فرزاً واضحاً في المواقف، لا لبس فيه ولا التباس، وهذه هي النقلة النوعية المطلوبة اليوم والتي يمكن الرهان عليها لبناء المستقبل. إن المجاهرة في رفض النظام السياسي القائم، وتحميله وزر الأزمات المتلاحقة، والتي أوصلت البلد إلى الانهيار واستكمالاً، تحميل من تولى السلطة المسؤولية السياسية عن ذلك، باتت من ثوابت كل تلك الساحات، وإن تباينت أو التبست بين ساحة وأخرى، أو اندرجت في خانة ردة الفعل العفوية، وأحياناً المفتعلة. كما أن ضرورة إحداث تغيير في بنية السلطة السياسية وفي المنظومة الحاكمة، شغل قسماً كبيراً من الخطاب السياسي المواكب، والذي كان يترجّح بين سقوف متباعدة، وأحياناً متناقضة. فالمسافة بين الحد الأقصى والحد الأدنى للخطاب، لا تقاس هنا بالفارق الجوهري أو النوعي، بل بمنطق الاختلاف الحاصل والمعلن بوضوح في الوعي السياسي لهذا الشخص أو ذاك أو لهذه المجموعة أو تلك وكذلك لخياراتها. فنكاد نتحصل، وفي الوقت نفسه، على موقف سياسي واضح وعالي السقف من كل الساحات وأيضاً نقيضه. وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدل على حجم التفاوت الموجود بين المشاركين، وأيضاً على شمولية الحراك الذي يشمل أكثرية الشعب اللبناني، بمناطقه وإقطاعاته السياسية والطائفية والاجتماعية والطبقية. بناءً على ما تقدم، فإن استخراج الموقف السياسي من نبض الشارع يصبح بذاته أمراً أكثر إلحاحاً، وإن لم يشكل إجماعاً آنياً. الخلاصة المحققة من كل تجارب التعايش مع هذا النظام السياسي تؤكد بأنّ لا حل إلّا بتغيير أساسه، وإعادة تكوين السلطة على قواعد جديدة، انطلاقاً من ثابتة، ولو أنها غير مكتملة العناصر، وهي أن الشعب قد تخطّى، ولو مرحليّاً، حاجز الخوف الوجودي الذي وضعه فيه أصحاب الطوائف. وعليه، يصبح الانطلاق من هذه الأرضية الصلبة للموقف الذي سيُبنى عليه المشروع، قادراً على إطلاق برنامج تأسيسي لدولة وطنية بمهام وبرامج وسياسات تستطيع من خلالها التصدي، بكفاءة وبمسؤولية، للتحديات الكبرى التي ستواجهها مستقبلاً، إن كان على مستوى مواجهة الأخطار والمشاريع الإمبريالية من خلال إقفال أبوابها إلى الداخل وتعطيل مفاعيلها، أو على مستوى تحديات مشاكل الداخل الذي يعاني، بدوره، فقدان المناعة المطلوبة. إن بناء الدولة يجب أن يلحظ ضرورة الربط ما بين طبيعتها ووظيفتها، لأن التركيبة الداخلية للمنظومة السياسية هي شرط أساسي لإشهارالأساس الحقيقي لبرنامج المواجهة. لقد أهدرت التركيبة الحالية، المتوارثة والمهجّنة، والتي حكمت البلد منذ مدة طويلة، الكثير من الوقت والفرص والإمكانيات؛ فطبيعة النظام السياسي القائمة على المذهبية والطائفية، قد أفقد النظام متانة وحدته الضرورية للتصدي لمستلزمات بناء الدولة بكليتها. كما أن العلاقة التشاركية بين الكتل المكوّنة لتلك التركيبة جعلت نمط العلاقات البينية بين أطرافها تتّسم بالريبة وأحياناً بالتوجس، ما جعلها تهتز عند أي حدث، داخليّاً كان أم خارجيّاً. فمع تلك التركيبة المصطنعة، وبدورواضح من الخارج، أصبح لكل مكوّن علاقاته الداخلية، التي ترسمها خطوط الطوائف وحدود مصالحها وتقاطعاتها وطبيعة سلوكها، وأيضاً نمط علاقاته الخارجية، التي يستمد منها الدعم والمؤازرة متى تطلبت خياراته الداخلية ذلك، أو متى طلب منه الخارج تنفيذاً لأجنداته. في الحصيلة المضمونة، أصبحت المناعة الداخلية للبلد، ربطاً بنظامه السياسي، غير قادرة على الوقوف في وجه هذه التحديات. ومع هذا الثقب الأسود المُتأتّي من ذلك، وخطورة فتح الطرقات الداخلية أمام تلك المشاريع، فإن البناء على شمولية التحرك يصبح الهدف المطلوب، وإن شابه بعض التشويش المقصود أو المخطط له، نظراً لأنّ الغاية الكبرى (الشمولية) تفسد الغايات المشتبه فيها (الجزئية) وتعطّلها، حتى ولو أدارتها دول ومنظمات ورؤوس أموال لها ارتكازاتها الطائفية والمذهبية. كما أن الانكفاء خلف نظرية المؤامرة، والتي هي موجودة بكل تأكيد، والتستّر بها، لا يمكن أن يؤسس لمواجهة جديّة معها، لا بل يعطي أصحابها دفعاً إضافياً نحو تحقيق غايةٍ من اثنتين: إمّا تحقيق أهدافهم وإمّا إحباط الأهداف الحقيقية للانتفاضة، وفي كلتا الحالتين هو انتصار لهم وهزيمة لنا. لذلك يصبح فرز الساحات ضرورة تفرضها موجبات المواجهة وضمانة مزدوجة، للنجاح ولمنع المصادرة في الوقت نفسه. على تلك الأرضية، يصبح طرح شعار إسقاط النظام السياسي في لبنان ضرورة في المواجهة الشاملة مع المشاريع الإمبريالية المقيمة في منطقتنا أو القادمة إليها؛ فالطبيعة التابعة للنظام السياسي هي بذاتها إحدى أدواته، وعليه تصبح المقاربة أكثر جدية وموضوعية ووضوحاً، وأكثر قابلية للتحقّق، فيما لو أن زخم تلك التحركات جرت الاستفادة منه في هذا الإطار. وأيضاً، فإن الدور الخارجي لن يكون بعيداً عن الاستفادة من هذا الوضع، وأن يستثمر فيه تنفيذاً لمشروعه، منطلقاً من نقاط ارتكاز محلية، سياسية ومالية واقتصادية. أمّا مهمة التصدي لهذا "العدوان"، فيجب أن تكون من خلال تعديل موازين القوى لمصلحة من يرى في النظام السياسي الحالي وسياساته وسلوكه استجابة لمشاريع غربية تحاول وضع يدها بالكامل على المنطقة، ما يحرم الخارج، في هذه الحالة من أدواته، ومن لعب دوره، ما قد يفقده إمكانية الاستخدام والتجيير والاستفادة. إنّ الانتفاضة الشعبية دخلت لاعباً جديداً على خط التوازنات السياسية والتحالفات في لبنان. وعلى هذا الأساس يصبح تطويرها وتصعيدها مسألتين ضروريتين تفرضهما طبيعة المواجهة القائمة؛ فتغيير السياسات مرتبط بتغيير موازين القوى وإعادة تشكيل السلطة وفق مكونات جديدة، تعكس، إلى حد مقبول، طبيعة القوى السياسية والمجتمعية التي تمثل، ليس على صعيد القضايا فقط، بل على صعيد نبض الشعب اللبناني الذي يرفض المشاريع التقسيمية في المنطقة وفي لبنان، ويعمل على مقاومتها والتصدّي لها، كما يرفض في الوقت ذاته التبعية للسياسات الاقتصادية والمالية والارتهان لها ولمؤسساتها الدولية، والتي تشكل الذراع المالية للإمبريالية. وعلى هذا الأساس نرى اليوم بأن المهمة الأساس هي استكمال تلك المواجهة، باتجاه إعادة تشكيل السلطة وفق آليات جديدة تعكس المستجد الحاصل داخلياً، مع الإشارة، لا بل التأكيد، أنّ "الخرق"، باتجاه بنية النظام، لن يكون إلّا أحد الأهداف التي يجب الوصول إليها، وأيضاً من خلال التحوّل باتجاهات جديدة في الاقتصاد وبوجهة تحررية، من إرث متوارث لا يزال معمولاً به إلى آخر يكسر بأبعاده، وبما يهدف إليه، التبعية المتوارثة، ويفتح أفقاً جديداً يتماشى مع المتغيرات الحاصلة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فالتكامل الاقتصادي بين الدول مع الانفتاح على أسواق أو وجهات جديدة يمكنها أن تشكّل الخرق الحقيقي لتغيير مسار تقليدي أوصل البلاد إلى الأزمات المتتالية التي نعيشها. هذا الأمر يتطلب النظر في اتجاهات جديدة تخالف السائد، وتعمل لاستمالة قوى إضافية، ومن مواقع متقاربة؛ قوى تستطيع تقديم دعم إضافي، مطلوب بإلحاح الآن، إن أردنا التأسيس لمرحلة جديدة في الوضع اللبناني ومساره، وإلّا سيلزمنا عقوداً إضافية من السنوات كي يعاود الشعب اللبناني حركته هذه؛ ربما لأن دورة "الاستفاقة" له، يلزمها أطواراً كي تتجدّد.

Image

بنت جبيل لن تكون ساحة للترهيب

مسارات الأحداث والتطوّرات المرتقبة خلال المرحلة القادمة ستحدّدها الخيارات والثوابت التي فرضتها انتقاضة الشعب اللبناني في السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر من العام الحالي. أيضاً لا بد من الإقرار والاعتراف من قبل الجميع على السواء بأن هناك معادلة استجدّت على الساحة اللبنانية وهي تعبّر بشكل واضح وصريح أن ما بعد هذه الانتفاضة لن يكون كما قبله. والمفاجأة الكبرى في هذا السياق تمثّلت بكسر حاجز الرعب والتخويف الذي فرضته آلة القمع والترهيب لدى كافة أطراف السلطة الفاسدة المتعاقبة على سدة الحكم على مدى عشرات السنين. فشرعت الأبواب الموصودة وانتفضت جموع المواطنين التواقة للحرية والانعتاق من سجون الكانتونات الطائفية، وبادرت إلى مغادرة طوابير المذهبية لتقدم الصورة الحقيقية والنموذجية للشعب اللبناني بإصراره غيرالمسبوق على التمسك بالوحدة الوطنية وإظهار إرادته الصلبة في مواجهة زعماء الحرب الذين لم يتركوا وسيلة إلّا واستخدموها في سبيل النيل من وحدة هذا الشعب وتفتيته على قاعدة "فرّق تسد". ومن جهة أخرى بدأت منجزات الانتفاضة تتجلّى تباعاً وقد تبدّلت موازين القوى لصالح الشعب اللبناني بدءاً بإسقاط الحكومة وبفتح ملفات الحكام وفضح صفقاتهم التي تفيض بالفساد والسمسرات أمام محكمة الشعب لمساءلتهم ومحاسبتهم وتحميلهم تبعات ما ارتكبوه من جرائم بحق الشعب والوطن من خلال تخريب مؤسسات الدولة مروراً بتدمير الاقتصاد وانتهاءً بالسطو على الثروات ونهب المال العام. هذه الطبقة الحاكمة استأثرت بجميع مفاصل الدولة، مستغلة كل ما يناسبها من بنود اتفاق الطائف لتأمين هيمنتها المطلقة وتعميم نفوذها ليشمل كافة المناطق اللبنانية عبر أزلام أحزاب السلطة وميليشياتها. وعليه فإن الحديث عن خصوصيات المناطق الخاضعة لسلطة القوى الطائفية، أمر يستدعي الحذر والحسبان لكثير من ردات الفعل التي قد تحصل من قبل تلك الأطراف التي اعتادت التعالي فوق القوانين لتفرض قوانينها الميليشياوية مستندةً إلى عوامل عدة، وفي طليعتها إخضاع الناس وتقديم الولاء لقاء ضمان المنفعة الشخصية، الأمر الذي أتاح لها تأمين حاضنة شعبية المرتكزة على الزبائنية والمحسوبية. ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن ما جرى في مدينة بنت جبيل وقرى القضاء التابع لها، بنظر الجهات النافذة، ينذر بخطر داهم ويشكّل خروجاً عن القاعدة وتمرّداً على المألوف. ولأنّه يمثل، بحسب الجهات نفسها، تخريباً للسلم الأهلي وتعرّضاً لأمن المنطقة وللمقاومة... ولأن ما جرى، حسب اعتباراتهم، نكرانٌ للجميل. يستخدم هؤلاء النافذين هذه المقولات تبريراً لما جرى من تعديات وافتراءات طالت المتظاهرين أمام سرايا بنت جبيل. فيما أن حقيقة الأمر كان ممارسة أبسط وأدنى أشكال الاحتجاج وتحت سقف ادّعاءاتهم بكثير وتحت سقف القانون وبمواكبة القوى الأمنية وبطرق سلمية من قبل مواطنين يعانون الأمرّين، والذين نزلوا إلى الساحات وتظاهروا ضد سياسات السلطة. ألا يكفيهم ما تحمّلوه من وطأة الاحتلال على مدى عقود من الزمن؟ وهل يُعقل أن تبقى لعنة المعاناة مرافقة لهم وهم من بذلوا الغالي والنفيس من أجل التحرير للخلاص من إذلال الاحتلال والعودة إلى حضن الوطن وكنف الدولة العادلة؟ تظاهر أهل بنت جبيل والقرى المجاورة بعدما مارست السلطة وميليشياتها شتّى أنواع الذل وارتهان الكرامات بحق الجنوبيين. والأغلبية الساحقة من السكان المقيمين في قرى منطقة بنت جبيل هم من مزارعي التبغ الذين لم تكترث السلطة لهمومهم يوماً بل انحازت إلى جانب شركة الريجي في احتكاراتها وأمّنت لإدارتها الفضاء اللازم للاستمرار في نهب المزارعين وسرقة محاصيلهم، ونكران كافة حقوقهم في زيادة الأسعار أو الضمان أو دعم تسليفات القروض. أما الحق في العمل، فحدّث ولا حرج، حيث باتت الوظيفة حكراً على المحسوبيات. والدخول الى المستشفى يلزمه موافقة المراجع ودورة العمل في إطار المهن الحرة هي أيضاً تخضع لسياسة الاحتكار. وهذا ما يطرح عدة تساؤلات لدى المواطنين. هل يا ترى نزول هؤلاء المواطنين بمختلف أوضاعهم وظروفهم الاجتماعية للتظاهر والاعتصام والاحتجاج سواء في ساحات بنت جبيل أم سواها أصبح "منكراً" ويسيء للمقاومة؟! وهل نزول المزارعين للاعتصام أمام مكاتب الريجي للتذكير بمطالبهم المزمنة والمشروعة، أمراً "منكراً" ويسيء للمقاومة؟! وهل اعتصام الشباب وحاملي الشهادات المُعطّلين عن العمل للمطالبة بفرص العمل أصبح "منكراً" ويسيء للمقاومة؟! وهل التظاهر للمطالبة بتطبيق القوانين ومحاسبة الفاسدين وناهبي المال العام، أصبح "منكراً" ويسيء للمقاومة؟! وهل استخدام مكبّرات الصوت للهتاف ضدّ الجوع والفقر ورفع الظلم أصبح "منكراً" ويسيء للمقاومة؟! لتلك الأسباب كانت الانتفاضة في بنت جبيل وفي كل الساحات، لتلك الأسباب نزل المواطنون إلى الشوارع، سلاحهم النشيد الوطني ورايتهم العلم اللبناني، ومن أجل ذلك نحن باقون في الساحات حتى سقوط منظومة الفساد التي أوصلت الوطن إلى شفير الهاوية والاقتصاد الى درجة الإفلاس والانهيار بكامل مكوّناتها وتحميلها المسؤولية.  

Image

من بين الرّعب والفرح، تفجّرت ثورة صور

كانت البداية عفوية غير مخطّط لها مسبقاً حين انتفض الشباب والشابات. تجمّعوا على ساحة العلم، بدعوة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي في 17 تشرين الأول/ أكتوبر تزامناً مع اندلاع الانتفاضة الشعبية في بيروت. جالت التظاهرة ليلاً من ساحة المدينة إلى السراي الحكومي وإلى مكاتب نواب في صور تحمل شعارات أسقطت "وهرة" كل زعيم سياسي في لبنان. كلمة حرامي طالت جميع نواب لبنان وعلى رأسهم "نواب صور". استُكمِلت التظاهرات في يومها الثاني، من مصرف لبنان إلى "استراحة صور"، المنتجع المتعدي على الأملاك البحرية، والذي تشير المعطيات المتوفرة إلى أنّه مملوك من قبل رنده بري. فتم حرقه وتكسيره من قبل بعض المتظاهرين وأغلبهم من موظفي الاستراحة وموالين للسلطة وبعضهم ما زال قيد التوقيف من قبل الأجهزة الأمنية. تزامناً مع هذه التظاهرة، اعتصم آخرون على مفرق العباسية فقطعوا الطريق وحرقوا صور رئيس مجلس النواب نبيه بري ووضعوا الخيم وبدأوا اعتصامهم هناك. وفي اليوم الثالث من الانتفاضة، دعوا لتظاهرة منظمة سلمية أكدوا فيها على عدم استعمال الشتائم، واستخدموا فيها هتاف "كلن يعني كلن" و"تسقط سلطة رأس المال"، فكان "بلطجية" السلطة لهم بالمرصاد من كل حدب وصوب، لا يفرّقون بين نساء ورجال وشباب وأطفال، فانهالوا ضرباً على المعتصمين على مرأى الجيش اللبناني. ونتيجة للضرب المبرح الذي تعرّضوا له، عاد معظم المعتصمين إلى بيوتهم، والبعض الآخر لم يتمكّن من الوصول إلى التظاهرة. لكنّ شباب صور المستقلين والشباب المنتمين إلى قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي أصرّوا على استمرار التظاهرات في شارع "أبو ديب" في قلب المدينة، ولكن تمّ قمعهم بقوة السلاح من قبل ميليشيات السلطة وعلى مرأى الجيش أيضاً ومن دون لا حسيب ولا رقيب. وقد انتشر تسجيلٌ مصوّر للحادثة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تظهر أنّ "البلطجية" والقوى الأمنية، على حدٍّ سواء، في خدمة السلطة. فأتى الردّ سريعاً من قبل الثوار الذين نزلوا مجدّداً إلى الشوارع وتضاعفت أعداد المعتصمين تباعاً. فكان الاعتصام المفتوح في ساحة العلم، حيث أقيمت الحوارات المفتوحة وعلَتْ الهتافات المطلبية وأصوات الأغاني الثورية. كما أُعيد إقفال طريق العباسية ووضعت الخيم على الشارع العام من جديد. وانضمّ إلى ساحات الاعتصام عدد من المنتديات المستقلة والجمعيات النسائية. ولم تغب حقوق المرأة من بين الشعارات المطلبية، التي رفعت في ساحات الاعتصام، ومنها حق المرأة في منح جنسيتها لأولادها. وكما كان متوّقعاً، سلطة الأمر الواقع لم تستسلم، بل استكملت استخدام أساليب "البلطجة" والتهديد وعمدت إلى الضغط على أرباب العمل وتهديد الموظفين بالفصل في حال المشاركة في التظاهرات الشعبية. وبعض المتظاهرين تمّ طردهم من عملهم بشكل تعسفي. هذا بالإضافة إلى عمد البعض، بالقوّة والترهيب، على إجبار كلّ من شتم سياسيّي السلطة الحاكمة على تسجيل اعتذارٍ مصوّر. كلّ ذلك أدّى إلى انسحاب الكثير من المعتصمين من ساحات الاعتصام للحفاظ على وظائفهم وسلامتهم وسلامة عائلاتهم. ونتيجةً لهذا التهديد، وتجنّباً لأي افتعال للمشاكل من قبل قوى السلطة، فُتِحت الطرقات، وانضمّ ثوار المنطقة إلى ساحة العلم في صور. وقد تعاطفت جميع المناطق اللبنانية، كما اللبنانيون في الخارج، مع منتفضي صور وهتفوا "صور صور صور كرمالك بدنا نثور". لم ينتفِ الخطر الأمني نهائيّاً عن المعتصمين، فهم معرّضون للاعتداء في أي مكان وزمان. ولا بدّ لنا أن نحيي أبطال مجهولون حملوا أكفانهم على أيديهم، وناموا في خيم الاعتصام للتأكيد على استمرار الانتفاضة من صور إلى كل لبنان. لا يعرفون معنى الاستسلام ويقولون، ليس لدينا ما نخسره، فكلّ ما لدينا هو هذه الانتفاضة الشعبية، لأنها أملنا الوحيد: إما أن تنجح انتفاضتنا أونهجر بلادنا التي نحبّ. المفارقة هنا أننا لو عُدْنا إلى اليومين الأولين من الاعتصام، عندما شتم المنتفضون زعماء الجنوب بالأسماء وحرقوا الصور وقطعوا الطرقات وجالوا في التظاهرة على السراي في صور والمناطق المناصرة بشدّة لحركة أمل وحزب الله، لم يظهر البلطجيون في حينه، وغاب المناصرون، ولاذوا بصمت عميق. هل كان صمتهم علامة الرضا؟ جاء الهجوم الشرس من قبل البلطجية المسلحة في اليوم الثالث لإعادة إثبات نفوذهم بالقوة، بعد أن تمّ شحنهم وتجميع قواهم من قبل قيادتهم، ليقولوا نحن هنا، ليس فقط لترويع المعتصمين، بل لتخويف المناصرين أوّلاً. هم يعرفون أنّ هناك جمهوراً كبيراً مؤيّداً للانتفاضة الشعبية في مدينة صور، يلتزم بعضهم الصمت، وبعضهم من يدعم بإطلاق "أبواق" سياراتهم عند مرورهم جنب الاعتصام، كإشارة لتأييد معنوي من بعيد. بين الشيوخ والنساء والشباب، ومن بين الرعب والفرح المتّحدين في قلوبنا، تستمر صور في انتفاضتها المتينة كشجرة النخيل الشامخة فوق رؤوس المعتصمين في ساحة العلم التي تستمر كمساحة للنقاش والفنّ والثقافة، ومنبراً للانتفاضة وللتضحيات في سبيل التغيير.

Image

من جل الديب إلى جبيل: نحن في الاعتصام، فانضموا إلينا!

منذ بدء الانتفاضة في السابع عشر من الشهر الفائت، بدأ المواطنين اعتصامهم في جل الديب، حيث أقفِل مسار واحد من الأوتوستراد تماماً بالسيارات وتحوّل إلى ما يشبه الموقف العام. أمّا الجهة الأخرى، أي المسلك المؤدّي من جونية إلى بيروت، اعتصم فيه المحتجّون بلحمهم الحي حيث جلسوا أرضاً، وكان اعتصامهم اليومي. وأصبح هتاف "سلمية سلمية" الشعار المعتمد في كلّ مرة يحاول فيها الجيش اللبناني بالقوة فتح الطريق في أوقات متأخرة من الليل أو عند الصباح الباكر. وكلّما استطاع جنود الجيش فتحها، كان يهبّ بعض المعتصمين لقرع أجراس الكنائس في المنطقة بشكل كثيف، فتهرع الناس لإقفال الشارع من جديد. ومن أبهى ما كرّسته هذه الانتفاضة هو نبذ الطائفية على امتداد ساحات الاعتصام في أرجاء الوطن. وفي جل الديب، هتف المعتصمون تضامناً مع كل المناطق من الجنوب إلى الشمال. وصدحت حناجر المعتصمين بعدة هتافات، أبرزها "كلن يعني كلن" و"يا حكومة فلّي فلّي عيّشتينا بالقلة"، وسط انتشار كثيف للأعلام اللبنانية التي رفرفت عالياً أو رُسِمت على وجوه المعتصمين، كباراً وصغاراً. اتهامات المغرضين التي ظهرت منذ اليوم الأول للانتفاضة وتكثّفت تباعاً باتهامات التمويل والتبعية للسفارات شكَلت استياءً كبيراً لدى المعتصمين في جل الديب. وحضور الناس الكثيف فاجأ الجميع، كما أثار الشكوك لدى البعض بتبعية المعتصمين لأحزابٍ من السلطة، إلّا أنّ معظم المشاركين كانوا فعليّاً من المستقلين، ومن مناصري بعض الأحزاب الذين انتفضوا على أحزابهم، وآخرين من شريحة علمانية وقوى يسارية كان حضورها الأكثر خجلاً. اعتصام جل الديب كان مشابهاً لباقي الاعتصامات في لبنان، تجد فيه من كل الفئات العمرية، وكان حضور الشباب لافتاً فيه، وأعداد المعتصمين كانت مفاجئة إذ أنّها تجاوزت الخمسة آلاف مواطن. ومعظم المعتصمين، أثبتوا استقلالية اعتصامهم عبر هتافاتهم المطلبيّة، وهم ممّن كانوا فاقدي الأمل في أي تغيير ممكن وكانوا يبحثون عن مستقبلهم خارج لبنان، وما إن هبّت الانتفاضة حتى شكّلت لهم فسحة أمل للمستقبل، وكانت المرّة الأولى التي ينزلون فيها إلى الشوارع للتظاهر. وفي جلّ الديب، أيضاً، كان حضور الطبقة الوسطى جليّاً، ليدلّ على فشل السلطة في تأمين حقوق حتى للبعض من ميسوري الحال. يقولون أن السلطة لم تترك لهم حتى هواءً نظيفاً ويشكون من الوضع البيئي الخطير الذي يترافق مع تلوث الهواء والمياه والتربة ويسبب الأمراض المميتة. معظم هؤلاء ممّن سافر أبناؤهم إلى الخارج للبحث عن العيش الكريم في بيئة سليمة. يعتصمون آملين ببناء وطن كي لا يُجبروا على الهجرة. يشتكي كثير من المعتصمين من تردّي البنية التحتية وزحمة السير الخانقة في هذه المنطقة وعدم الاستقرار الذي يعيق أدني المتطلبات الحياتيّة. استمرّ الاعتصام في جل الديب إلى أن عمد الجيش على فتح الطريق وفك الاعتصام وإزالة المنصة والصوتيات وجميع الخيم. رفع أهالي جل الديب اعتصامهم هناك لكنهم مستمرون في مطالبهم تزامناً مع باقي التحركات الشعبية. أما منطقة الذوق فشهدت منذ بدء الانتفاضة حضوراً لافتاً لأحزاب السلطة السياسية، ولكن المستقلّين عن أحزاب السلطة فرضوا وجودهم هناك، حاملين الشعارات والمطالب المحقة مثل باقي المناطق، واستطاعوا من خلالها التمايز وإثبات استقلالية حراكهم. استمرّ المتظاهرون بالتوافد إلى مكان الاعتصام على الطريق العام، إلى أن فُتحت الطريق بعد مواجهة عنيفة مع الجيش في صباح نهار الاثنين في الرابع من الشهر الجاري. وهذا الأمر لم يثنِ المعتصمون عن استكمال تحرّكاتهم، فخرجت التظاهرات الطلابية واستكمل المعتصمون تحرّكاتهم عبر إقفال المرافق العامة، مؤكدين على أنّ لا ثقة بهذه السلطة. في مدينة جبيل، كانت بداية الانتفاضة مع تسكير الطرقات من قبل مستقلين ويساريين وشيوعيين، وبعض مناصري السلطة الذين سعوا لإثبات وجودهم، مثل معظم المناطق، بغية تحقيق مكتسبات سياسية على حساب الناس المنتفضين. وضعوا المنتفضون الخيم في ساحة الاعتصام في أولى أيام الانتفاضة وأخذ الاعتصام يأخذ موقعه الصحيح من خلال هتافات المطالب المعيشية وحلقات حوارية. وعمد المعتصمون (من خارج أحزاب السلطة) إلى التنسيق في ما بينهم وشكّلوا مجموعات عمل ميدانية للتنظيم طوال الفترة الأولى. وبعد فتح الطرقات نظموا عدة وقفات أمام السراي في جبيل ومصرف لبنان وشركة "أوجيرو" وما زالوا مستمرين من خلال جلسات النقاش والندوات التي يقيمونها في ساحة البلدية. اللافت في هذه المناطق، كما كل أرجاء الوطن، أنّ التظاهر أصبح جزءاً من أسلوب حياة اللبنانيين. طالبوا باستقالة الحكومة وهذا ما حصل. ويطالبون الآن بتشكيل حكومة مستقلة وطنية من خارج قوى السلطة ذات صلاحيات تشريعية استثنائية للحكومة لوضع خطة انقاذ اقتصادية، وصياغة قانون انتخاب نسبي خارج القيد الطائفي، لتتم الدعوة على أساسه لانتخابات مبكرة. وفي حين أن آخرين يطالبون بحكومة تكنوقراط ، خطأً أو خبثاً، لأهداف واضحة، لا ثقة في أي اصلاح تضعه السلطة الحالية، فنحن لن نسامح ولن نقبل بسياسات الاستغلال والإفقار وبإعادة إنتاج سلطة عاجزة أشبعتنا خطابات كاذبة لم ينفذ منها حرف واحد، بعد أن بات اللبنانيون يسكنون في بيت واحد وهو ساحات الوطن المنتفضة، طامحين بسقف العيش الكريم لكل المواطنين.

Image
الصفحة 1 من 12

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل