صمت سياسي على الجبهات المتناقضة

أمام المشهد السّاخن في الشارع اليوم، وصخبه، هناك صمت سياسيٌّ واضح. صمتٌ من جهة مؤسسات جهاز الدولة والأحزاب السياسية في ما يتعلق بالمخرج من الأزمة السياسية - الاقتصادية القائمة. وهناك صمتٌ سياسي من جهة الحركة الشعبية نفسها. ونقصد بالصمت السياسي تلك القدرة على طرح "المبادرات" السياسية العملية التي تحدّد خطوات الخروج من الأزمة. الصمت على جبهة السلطة وقواها الطبقيةالتحالف الحاكم يواجه أزمة بنيوية وتاريخية في قدرته على طرح المبادرات (المناورات). وهذا يقرأ ربطاً بتصاعد الحركة الشعبية من جهة، مع الأزمة العميقة للنظام الاقتصادي التبعي الريعي، وأزمة النظام السياسي نفسه كنظام تحاصص طائفي الشكل صار عاجزاً عن تأمين وحدته السياسية المؤقتة ربطاً بالتناقض العالمي والإقليمي نفسه، من جهة أخرى. فالحركة الشعبية هي التي تجبر السلطة على القيام بالمناورات التي تهدف منها السلطة القيام بتعديلات شكلية دون المسّ بجوهر النظام.فالتحالف الطبقي المسيطر يطرح مناورات ومخارج سياسية كالانتقال من الملكية إلى الجمهورية، أو البرلمانية، أو عبر تعديل الوجوه، أو تقديم إصلاحات محدودة مثلاً (كالتجربة الشهابيّة مثلاً). ولكنّ هناك عوامل تكبح هذه المناورات اليوم. فعمق الأزمة الاقتصادية والمالية صارت تتطلب إجراءات جذرية نقيضة للتحالف الطبقي المسيطر أي قوى رأس المال المالي بتحالفها مع قوى الفساد الكبير. وهذا ما لا يمكن للقوى الطبقية تلك أن تقوم به. العامل الآخر نابعٌ من طبيعة التناقض بين القوى السياسية المسيطرة نفسها وغياب وحدتها الطبقية؛ كونها محكومة بنظام التوزيع الطائفي الذي يفرض صراعاً في ما بينها، لم يعد ممكنا فيه تأمين وحدة هذه القوى بغياب طرف مهيمن في النظام ما بعد الطائف (كما يحاجج مهدي عامل). هذا التفكك ساد وتعاظم من الطائف وتأزّم بشكلٍ بارز ما قبل اتفاق الدوحة. وانفجر أكثر على ضوء احتدام الصراع العالمي وتعاظم تناقضات التوازن الدولي الذي كان وحده الضامن لتلك الوحدة الشكلية على مستوى جهاز الدولة. غياب تلك الوحدة سببه أيضاً التأخر الاقتصادي لتطور البورجوازية وقواها، فالبنية التبعية كبحت ذلك، ونتج عنه تفكّكاً في القوى، بين شخصيات وعائلات وقوى فساد ورأس مال مالي، تحمكها تناقضات في ما بينها. وهذا ما يمنع هذه القوى عن التوحد في ممارستها، مضافاً إلى ذلك صعوبة الاتّجاه نحو الخيار الفاشي كخيار أخير للقوى الأكثر رجعية (وهنا المالية التابعة للامبريالية) كما في الحرب الأهلية. جُرِّب هذا الخيار عبر أدوات الفاشية الداخلية والخارجية (داعش والقوى المتطرفة) ولكنّه كُبِح بسبب مواجهة الفاشية في المنطقة وفي لبنان. هذا الكبح التاريخي لجبهة السلطة أنتج الصّمتَ السياسي الذي نتكلم عنه. الصمت السياسي على جبهة الحركة الشعبية الصمت السياسي للحركة الشعبية له منابع مختلفة ولكنّه ليس ناتجاً عن عجز بنيوي. فضعف تطوّر البنية الاقتصادية أضعف تبلورَ وحدة الطبقة العاملة وتنظيمها، وكان لسيادة الليبرالية في العقود الماضية دورٌ أساس في تفتيت ما تبقّى من الطبقة العاملة التي طُحنت خلال الحرب، وتمّ تشتيتها على قطاعات خدماتية في غالبها، وساد الفكر الليبرالي في الوعي العام محمولاً على الفردانية المعممة، وترافق ذلك مع التراجع التاريخي لقوى التغيير الثوري وهيمنة الفكر النقيض حتى ضمن هذه القوى وحواملها البشرية.ولأنّ الأزمة العميقة للرأسمالية-الامبريالية فرضت تسارعاً للحدث، لم تعطِ قوى التغيير فرصةً سانحة لتعويض الخسارة في مرحلة التراجع وتجاوز إرث الليبرالية وتأثيرها، وتكوين المنصّة المعرفية والبرنامجية والتنظيمية اللازمة. فكان الانفجار الشامل سريعاً.ولكنْ شهدنا تمرينات ومناوشات مبكرة في لبنان كمرحلة "إسقاط النظام الطائفي" و"حراك النفايات" و"حراك هيئة التنسيق" التي اندمجت كلّها في حركة لتجاوز النظام القائم في جوهرها. ووقتها برز السؤال الذي لا زال مطروحاً إلى اليوم: من البديل؟ ولم نقدر على تسريع تشكيل البديل على الرغم من تشكيل لجنة المتابعة للإنقاذ ومن بعدها انعقاد الاجتماع الموسع لقوى الانتفاضة في فندق الكومودور قبل شهرين، ولكنّها لم تستطع أن تشكّل المنبر والإطار السياسي المنظم لحظة الانتفاضة، ولو تبلور ذلك الخيار لكان من شأنه التقاط المبادرة. الصمت السياسي على جبهة الحركة الشعبية إذاً ليس نابعاً من انغلاقٍ وعجزٍ موضوعي وتاريخي كما النظام، بل من مستوى تطوير أدوات التغيير وملاقاة الواقع برؤية متلائمة. محصّلة الصمت السياسيلأنّ جبهة السلطة في تناقضاتها الداخلية والخارجية تفتقد القدرة على المناورة السياسية عبر الخيار الفاشي نفسه، ولأنّ الحركة الشعبية لا زالت لم تتقدّم المشهد السياسي، فنحن أمام حالة فراغٍ سياسي يجري سدّها عبر التعبير المباشر عن الغضب في الشارع، محمولاً على حدّة مشاعر التهميش والاحتقان. ولكنّ الفراغ السياسي في تفاعله مع بقاء الشارع مساحة التعبير الوحيدة في ظل ضعف تنظيم الحركة الشعبية ووحدة عقلها السياسي وحضور ملامح تيار فوضوي عزّزت منه الليبرالية الفردانية، وأمام المشروع الغربي في التخريب في ظل تراجعه، الذي استفادت منه بعض قوى السلطة مؤقتا لتسلق الحركة الشعبية (حالة قطع الطرقات)، والبعض الآخر لتعويم المؤامرة، وممارسة العنف تجاه الحركة نفسها. المخرج لا زال عبر تطوير الحركة الشعبية سياسيّاً والدخول بإجراءات تشكيل الحكومة الانتقالية مع الأخذ بعين الاعتبار توازن القوى القائم داخلياً وخارجياً.

Image

الانتفاضة: الانتظام والتنسيق والاستعداد للمواجهة

"من الآن وصاعداً سيحكم المصرفيون" إثر ثورة تموز 1830 في فرنسا، يُنقل عن أحد المصرفيين الفرنسيين قوله "من الآن وصاعداً سيحكم المصرفيون" (ماركس وآنجلز، 1895). يمكن أن نتخيّل أصحاب المصارف والرساميل يردّدون هذه الجملة ويعلنون انطلاق حكمهم في لبنان سنة 1992. عهد المصارف وهيمنة الريع هو العهد الوحيد الحقيقي الذي شهدته الجمهورية اللبنانية الثانية. هو الثابت على مرّ المتحوّلات والمتغيّرات على مرّ عقدين ونصف. أدّت السياسات الاقتصادية التي أُرسيت مطلع التسعينيّات لأن يبتلع الريعُ الاقتصادَ في ظل غياب خطة شاملة توجّه الاقتصاد وتبنّيه بعد الحرب. سرعان ما قامت الدولة بتخفيض معدّلات الضرائب على الأجور والأرباح طامحة لتؤسّس لـ"جنة ضريبية" تجذب الاستثمار. إلّا أنّ إجراءً كهذا ينافي أسس الدولة الحديثة التي تعتمد الضرائب مصدراً لإيراداتها خصوصاً في ظل شبه انعدامٍ للموارد الطبيعية. تراجع الإيرادات هذا في مرحلة البناء المصحوبة بحاجة لإنفاقٍ عالٍ، رمى المجتمع اللبناني في هاوية الدين العام. أدمنت الدولة على الاقتراض، وباتت المصارف وكبار المودعين، تبتزّ هذه الدولة بالجرعة التالية. وبالتالي، تحوّل إقراض الدولة إلى "استثمارٍ" آمنٍ لا خطورة عليه كون السلطات النقدية والمالية كانت تؤكّد طوال عقدين ونصف على دفعها جميع الديون والفوائد لدائنيها غير مكترثة بالتورّم السرطاني لهذا الدين. وكذلك كان إقراض الدولة أعلى ربحيّةً من أيّ استثمار آخر بسبب الفوائد السخيّة التي كانت تدفعها الدولة. نتيجة لذلك، تمّ إغواء رأس المال وتوجيهه إلى أن يُستثمرَ بمديونية الدولة، وبالتالي حجبه عن القطاعات الإنتاجية في المجتمع. "كان كل قرضٍ جديد يوفّر للأرستقراطية المالية فرصةً مناسبةً لنهب الدولة، الموضوعة بصورةٍ مصطنعةٍ على عتبة الإفلاس، وكان يتعيّن على الدولة أن تأخذ قروضاً من المصرفيين بأجحف الشروط" (ماركس وآنجلز، 1895) إنّ الدين العام في أي بلد وخصوصاً في لبنان ليس مجرّد مؤشر اقتصادي حيادي اجتماعيّاً، بل هو آليّة لتحويل الثروة من أيدي العمال والموظفين والطبقات الشعبيّة إلى جيوب القلّة القليلة في المجتمع، أي الفئة المستفيدة منها من هذا الدين. هذا ما تحدّث عنه ماركس سابقاً وعاد وأكّده الاقتصادي توماس بيكيتي حديثاً مبيّناً بالأرقام والقياسات الرياضية حجم اللامساواة في الدخل والثروة في مختلف دول العالم. فالدولة في هذه الآلية تلعب دور الأداة التي تقوم بجمع الضرائب من المواطنين العاملين وتقدّم حصّة كبيرة إلى دائنيها. وكلّما كبرت مديونية الدولة المرتفعة نتيجة القروض المتزايدة والفوائد العالية التي عاظمت حجم الدين وحجمه نسبة للناتج المحلي وخدمة الدين العام، كلّما كبر حجم الثروة والدخل الذين يجري تحويلهما إلى هذه الطبقة. هكذا أدّى الدين العام إلى تركيز مكثّف جدّاً للثروة والدخل بيد الأوليغارشيا؛ تلك الفئة القليلة في المجتمع المتحكّمة بزمام السياسة والمجتمع كما ماله واقتصاده. وقد ظهر ذلك جليّاً في عدّة تقارير ومنها الورقة البحثية للباحثة اللبنانية ليديا أسود التي أظهرت عام 2014 أنّ ثلاثة آلاف شخص في لبنان فقط يستحوذون على حصّة دخل مساوية لما يتلقّاه النصف الأفقر من اللبنانيين، أي ما يزيد عن مليون ونصف لبناني. أما لناحية الثروة فإن الـ10% الأغنى يسيطرون على 70% من مجمل الثروة، فيما يسيطر الـ1% الأغنى من اللبانيين على 45% من إجمالي الثروة. هذا التركز في الثروة والدخل هو أعلى ممّا هو عليه في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وروسيا والصين. (أسود، 2014).والجدير ذكره أنّ هذا التركز في الثروة والدخل لا يحمل فقط مدلولات مساواتية وعدالية أي مستويات متدنيّة في العدالة الاجتماعية، إنّما ينعكس سلباً على الاقتصاد. إنّ تركّز وتمركز الثروة والدخل بيد القلّة على هذا النسق يحولها لودائع كامنة وراكدة مكدّسة في المصارف وعلى شكل سندات خزينة وأصول عوضاً عن تدويرها على شكل رؤوس أموال تُستثمر لتوسعة الاقتصاد وإنمائه وتعزيز قطاعاته الإنتاجية التي من شأنها خلق فرص العمل التي توظّف المواطنين وتستوعب الخرّيجين. انتظام انتظام حتى نغيّر النظامبدأت في السابع عشر من أكتوبر الانتفاضة الشعبيّة مع وصول هذا النموذج الاقتصادي والسياسي إلى انهياره الذي كان يسير إليه ميكانيكيّاً مذ أُرسيَ واستمرّ مدعوماً بسياسات تؤمّن إعادة إنتاجه. وإن كان الجناح المطلبي من الإنتفاضة يكابر ويريد تحقيق مطالبه عبر إجراءات تصحيحية في السياسات الحالية، فإنّه يجب التأكيد أنّ تحقيق جلّ هذه المطالب غير ممكن إلّا بالخروج من النموذج الاقتصادي-السياسي القائم.ومن هنا تقع على الجناح الشعبيّ الثوريّ في الإنتفاضة مهمّة السير في هذا التغيير الثوري. أوّلاً، بالتصدّي للعدوان الذي تشنّه الأوليغارشيا على الطبقات الشعبيّة عبر الإجراءات التعسّفيّة التي تتّخذها المصارف اليوم عبر احتجاز رواتب الموظّفين والودائع الصغيرة. إنّ هذه الإجراءات تمسّ بالمباشر سبل العيش التي يجب تحديدها كخط أحمر والتوقف عن المساس بها، وذلك في إطار "ترسيم الحدود" الذي يجب أن تجريه الإنتفاضة الشعبيّة مع الأوليغارشيا وسلطتها السياسية.وفي هذا السياق، يجب المراكمة على التحرّكات التي طالت المصارف حتى الآن من أجل تنظيم وتأطير جميع المتضرّرين من هذه الإجراءات. لقد بات لزاماً على جناح الإنتفاضة الثوريّ دعوة المتضررين من إجراءات المصارف، موظّفين وصغار مودعين، لاجتماعاتٍ واسعة في جميع المناطق، لرصّ الصفوف وشنّ حرب الدعاوى القضائية، وأبعد من ذلك. ذلك هو المدخل للبدء بمشروع انتظام الطبقة العاملة في لبنان مسلّحةً بمشروعها النقيض. أمّا العدوان الأعمق الذي تشنه الأوليغارشيا ضدّ الطبقات الشعبية عبر سرقة عملها والقيمة التي تنتجها فهو يجري على محورين. الأول، هو تعويم الليرة اللبنانية في اقتصادٍ يستورد جلّ ما يستهلك. هذا يعني اقتطاعاً أوتوماتيكيّاً من حصّة الموظفين والعمال أي أجورهم. فإذا افترضنا أنّ سعر الصرف الموازي في السوق الآن هو 2000 ليرة لكلّ دولار أميركي في مجتمع يشتري بالدولار سلعه الاستهلاكية من الخارج، فإنّ هذا يعني فقدان الطبقات الشعبية لـ 33% من قيمة أجورها. أمّا المحور الثاني، فهو التضخّم المهول الذي يطال أسعار السلع. فكذلك إنّ زيادة في الأسعار بمقدار 30% مثلاً تعادل فقدان الطبقات الشعبية لـ 30% ممّا تحصل عليه. ثانياً، يترتّب على الانتفاضة الشعبيّة التحضير لحربٍ استباقية ضدّ الإجراءات التي بدأت تُتداول في أروقة مراكز القرار النقدي والمالي المحلية والدولية. إنّ تحويل الودائع إلى الليرة اللبنانية في ظلّ التعويم القائم للعملة أو الذي قد يتمّ فرضه، يعني أيضاً فقدان أصحاب هذه الودائع لحصة من قيمة ودائعهم. كذلك التحضير لمواجهة فرض إجراءات التقشّف التي يوصي بها عادة صندوق النقد الدولي في ظروف مشابهة. ومواجهة التقشّف تنبع من أنّ إنفاق الدولة اللبنانية الاجتماعي أساساً، أي خارج خدمة الدين العام واحتياجاتها، يكاد ينحصر بالحد الأدنى كرواتب وأجور موظفيها التي لا يجب المساس بها. بالإضافة إلى لا جدوى التقشف في مواجهة الأزمات الاقتصادية المشابهة التي، على العكس تماماً، يجب أن تُجابَه بإنفاق أكبر للدولة لتنشيط الاقتصاد. ثالثاً، توخّي العلميّة. إنّ عدوان الأوليغارشيا لا يجب أن يواجَه بالخطابات أو التحركات الشعبويّة والعبثيّة الهدّامة بل بأخرى علمية تحفظ مصلحة الطبقات الشعبية والتحضير لبناء الاقتصاد المنتج. ففي المعركة ضدّ المصارف يجب التأكيد على بعض النقاط. أوّلاً، لا يجب أن يكون هدف المعركة ضدّ المصارف سحب الناس لجميع مدخراتها واكتنازها في بيوتها الأمر الذي يُعدّ مدمّراً للاقتصاد. فالهدف هو تأمين سبل عيش الطبقات الشعبيّة لا حجب السيولة عن المستثمرين ومستوردي السلع الضرورية (الغذاء، الأدوية، المستلزمات الطبية... إلخ) الذي يؤدّي إليه الإكتناز. ثانياً، يجب الحذر من "تقديس/تصنيم" الدولار على غرار "تقديس السلعة" بتعبير ماركس. إنّ الإصرار على سحب الناس لما يحتاجون ممّا يملكون من دولارات في المصارف حاليّاً هو بهدف منع سرقتهم. وبالتالي الهدف هو ضمان حقوق الناس وسبل عيشهم لا الدولار بذاته. وهذا ما يجب أن يكون منطلق الطرح الثوري النقيض لطروحات الأوليغارشيا وما وراءها من مؤسسات نقدية ومالية. ثالثاً، إن الطروحات حول كيّ ورم الدين العام السرطاني يجب كذلك أن تنطلق من هاجس بناء الإقتصاد اللبناني المنتج بقدر ما تنطلق من تخفيف العبء عن المجتمع وخزينة الدولة الآن. خاتمةإن كانت الثورة هي التغيير في البنية الإجتماعية، في علاقات الإنتاج في المجتمع، فهذا إذاً فيصل ميزان الثوريّة بين جناح وآخر في الانتفاضة. والتغيير الثوريّ يكون بنقل لبنان من جمهورية الأوليغارشيا المبنية على الخمول الريعيّ والتحاصص الطائفي واللاعدالة إلى جمهورية مبنية على الإنتاج والعلمانية والعدالة الاجتماعيّة. وهنا يجب التأكيد أنّ مفتاح الدخول إلى هذه الدولة هو وضع المجتمع على سكّة التراكم الرأسمالي الذي يحتاجه. وإن كان طرحُ نيكولاي بوخارين لروسيا في عشرينيات القرن الماضي يقول بالمضيّ نحو الاشتراكية على عربات الفلّاحين، فإن واقع لبنان مطلع عشرينيّات هذا القرن يقول بأن بطاقة الدخول في قطار الاشتراكية تُقطع من على كونتوارات المصارف، ضمن خطّة شاملة لمجتمعٍ جديد.إنّ اتخاذ هذا المسار من عدمه كفيلٌ بأن يجيب على تساؤلات وهواجس يكثر طرحها حول قيادة الانتفاضة وخطوتها التالية وأهدافها ومعاركها. وهو كفيلٌ أيضاً بأن يطهّرَ الانتفاضة من تيّارات الانتهازيّة والإصلاحيّة، وأن يزيد من مشروعيتها الشعبيّة والزخم الجماهيري. المراجع: Assouad, L. (2017). Rethinking the Lebanese economic miracle: The extreme concentration of income and wealth in Lebanon. World Wealth and Income Database.Marx, K., Engels, F., & Dutt, C. P. (1895). The class struggles in France (1848-50). Martin Lawrence.Piketty, T. (2013).Capital in the Twenty-First Century. Translated by Arthur Goldhammer, Harvard UP, 2014.

Image

القمع السلطوي ليس علاجاً للفقر والانهيار

ها قد مضى حوالي مائة يوم على اندلاع الانتفاضة الشعبية، والسلطة ما زالت تماطل وتتحايل على الناس، غارقة في تحاصصاتها ومعايير نظامها الطائفي. كما مضى ثلاثة أشهر تقريباً على استقالة حكومة سعد الحريري تحت ضغط الشارع، واصلت خلالها الأطراف السلطوية هدر الوقت في تشكيل الحكومة دون طرح لأي برنامج إنقاذي. وهذا ما يؤكد مدى عقم النظام الطائفي وآلياته ومعاييره، وفشل طبقته السلطوية وسياساتها المتواصلة منذ توقف الحرب الأهلية. وهو ما فاقم الأوضاع العامة للشعب، وأوصل البلاد إلى الانهيار الاقتصادي والمالي، وتوقفت آلاف المؤسسات عن العمل، وتسريح العاملين فيها أو معظمهم، وارتفاع مريع لنسبة البطالة. هذا وحده يكفي لبروز الغضب الشعبي، فكيف وأنّه يترافق مع تعدّي المصارف على مدّخرات الناس الذين يُمنعون من سحبها وهي جنى عمرهم، فيشعرون بالمهانة في الوقوف ساعات أحياناً في المصارف للحصول على مئة أو مئتي دولار في الأسبوع، لا تكفي لسدّ حاجاتهم الضرورية، في وقت ارتفعت فيه أسعار الكثير من السلع الغذائية، مع التراجع الكبير في قيمة الليرة اللبنانية. والأكثر غرابة، هو استمرار أطراف السلطة، في لا مبالاتهم، حيال الوضع الكارثي والمصير القائم، وإزاء الغضب الشعبي في انتفاضة هي الأكبر في تاريخ لبنان. وفيما يحاول كلّ طرف منها رمي تهمة العرقلة على الآخر، يواصلون بكل صفاقة تناتشهم وصراعهم على الأحجام، والحقائب الوزارية الدسمة، وحتى وهم من لون واحد. فإنّهم جميعهم مسؤولون عن حالة الانهيار مرّتين، الأولى في التسبّب بها، والثانية في أحجامهم عن معالجتها وإدارة الظهر لصرخات الشعب. فما يزالون في الذهنية نفسها، متمسّكين بنظامهم الطائفي القائم، الذي حمى ويحمي فسادهم، وأوصلهم أصلاً إلى السلطة، ليتيح لهم استخدامه لتأجيج العصبيات، وتقسيم صفوف الطبقات الشعبية، لتجنّب تحركها الموحد في الشارع في مواجهة فسادهم وسياستهم التي أفقرت أكثرية الشعب. لقد أظهرت التجربة العملية مدى التناقض والخلل الأصلي بين الطابع الطائفي العمودي لبنية الدولة وسلطتها، وبين وظيفتها الأفقية التي تتعلق بإدارة الشأن العام للشعب والبلد. وقد أنتجت هذه البنية الطائفية، حالة انقسامات وتناقضات وحروباً أهلية، وأتاحت التدخلات والوصايات الخارجية، وأضعفت مناعة لبنان، وحالت دون تحوّله من مجرد كيان إلى وطن. ولا ينجم الفشل في جعل لبنان فعليّاً وطناً ورسالة، من تعدد الأديان والطوائف في مجتمعه، وإنّما من نظام وسلطة سياسية مبنية على الطائفية تدير المجتمع على أساس التحاصص الطائفي. علماً أنّ التجربة أثبتت أنّ جمعَ وتوافقَ ممثلي وزعامات الطوائف في حكومة، لا يعني وحدة الوطن بل وحدة مصالح هذه الزعامات، وبطابعٍ فوقيّ وظرفيّ لا يعرف الثبات. لذلك ما يزال مفهوم الوطن مغيّباً أو ملتبساً على الأقل، نظراً لتداخله مع المنظور الطائفي لدى أطراف هذا النظام وسلطته. وهذا أيضاً ما يجعل الحكومات المشكلة على أساس الميثاقية والتوافقية بمفهومها الطائفي، نسخة عن البرلمان وكتله النيابية، فيتعطّل دوره في محاسبة هذه الحكومات، ويبقى الفساد والهدر متمادييْن. إنّ استمرار الانتفاضة وتخطي حواجز الطوائف والمناطق يبين بوضوح أنّ الجوع وقلق الناس، وانسداد الأفق أمام مستقبل وحياة أبنائهم، هو في أساس هذه الانتفاضة واستمرارها، وهو العامل الحقيقي لبناء وحدة الوطن. وإنّ أي محاولة لاستغلال هذه الانتفاضة، داخلية كانت أم خارجية، لا يمكنها طمس حجمها الشعبي غير المسبوق، وتشويه أهدافها التغييرية. أوليست المماطلة السلطوية هي التي تتيح للمستغلين الصيد في الماء العكر؟ إنّ تحايل السلطة المتمادي لم يعُدْ ينطلي على الناس، ولا القمع السلطوي المفرط والمستنكر يخيفهم، فصوت الفقر والجوع أقوى. ولا يعالج الفقر والانهيار بالعنف الذي يستدرج الغضب والعنف. ولا بالمسكّنات والوعود الكاذبة، والتسويات والتوافقات الفوقية. فقد دلّت التجربة أنّها دون جدوى. فالعلاج الحقيقي، هو بتغيير السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية. وتشكيل حكومة وطنية انتقالية مستقلة عن أحزاب السلطة، تضع قانونَ انتخابٍ نسبيّ وغير طائفي، وبالدائرة الوطنية، وإجراء انتخابات مبكرة، لانتخاب ممثلين حقيقيين للشعب، والعمل لوقف الانهيار، وحماية أموال المودعين خصوصاً الصغار، وإعادة المال المنهوب. هذا هو السبيل لتجنيب لبنان المصير القاتم.

Image

على ضوء النظرة اللينينيّة... ما الوضع في لبنان؟ وإلى أين؟

منذ حوالى ثلاثة أشهر، وأطراف الطبقة السائدة يتلهّون ويتشاطرون على بعضهم البعض في خداع مزدوج الهدف. من جهة أولى، يخادعون أنفسهم بأنهم قادرون على إعادة توازن المحاصصة بين بعضهم البعض، وهم بذلك يتوهّمون بقدرتهم على المحافظة على النظام السياسي اللبناني وإنقاذه من سكرة موته. ومن جهة أخرى، يخادعون الجماهير الشعبية اللبنانية بقدرتهم على الخروج من الانهيار الأخير للنظام، وبإيجاد الحلول للمشكلات التي تعانيها هذه الجماهير، وتلبية مطالبها. ليس من شكّ أنّ النظام السياسي اللبناني يمر بأزمة حادّة هي أزمة ثورية فعلية، متلازمة مع نشوء وضع ثوري في لبنان اليوم. ليست هذه الأزمة اقتصادية و/أو مالية فحسب، بل هي أزمة اقتصادية ـ سياسية تطاول كل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية بتشابك مكوّناتها على مستوى نمط الإنتاج والتوزيع والنظام السياسي وفقدان الدولة (باعتبارها مكان إغلاق وحدة مكوّنات التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية) لقدرتها على الاشتغال العادي، ما يوحي بانهيارها. وهذا الوضع بمجمله هو ما يُعرف في العلم الماركسي بـ«الوضع الثوري». ما هو «الوضع الثوري»؟اهتم لينين كثيراً في عرض وتعريف مفهوم «الوضع الثوري» وطبيعته الموضوعية ومستلزماته الذاتية وأهميته الإجرائية. وقام بعرض هذا المفهوم في كرّاس «إفلاس الأممية الثانية»، وفي كتابه «مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية»، وتطرّق إلى بعض جوانبه في أمكنة أخرى من كتاباته. ففي كرّاس «إفلاس الأممية الثانية»، يتوسّع لينين في مناقشة هذا المفهوم، منطلقاً من إقراره بأنّه على الماركسي الاعتراف بأنّ الثورة لا تحصل إلّا بتوفر وضع ثوري، «إنّ الماركسي لا يشكّ مطلقاً في أنّ الثورة مستحيلة من دون وضع ثوري»(1). أما خصائص هذا الوضع فهي ثلاثة يطرحها لينين كالآتي: «ما هي بعامة دلائل الوضع الثوري؟ يقيناً أننا لن نخطئ إذا أشرنا إلى الدلائل الرئيسية الثلاث التالية. أوّلاً، يستحيل على الطبقات السائدة الاحتفاظ بسيادتها من دون أي تغيير؛ أنْ تنشب هذه الأزمة أو تلك في «القمة» أي أنْ تنشب أزمة في سياسة الطبقة السائدة، تُسفر عن تصدّع يتدفق منه استياء الطبقات المضطهدة وغضبها. فلكي تنفجر الثورة، لا يكفي عادة «ألّا تريد القاعدة بعد الآن» أنْ تعيش كما في السابق، بل ينبغي أيضاً «ألّا تستطيع القمة ذلك». ثانياً، أنْ يتفاقم بؤس الطبقات المضطهدة ويشتد شقاؤها أكثر من المألوف. ثالثاً، أنْ يتعاظم كثيراً، للأسباب المشار إليها آنفاً، نشاط الجماهير التي تستسلم للنهب بهدوء في زمن «السلم»، ولكن التي تدفعها، في زمن العاصفة، سواء أجواء الأزمة كلها أم «القمة» نفسها، إلى القيام بنشاط تاريخي مستقل» (2).يشير لينين هنا إلى أنّ خصائص الوضع الثوري هي خصائص موضوعية قائمة في مجرى الحياة العملية. وفي أوّلها، عجز السطة عن الحكم كما هي حالها في الأزمنة العادية، وتصدّع الطبقة الحاكمة لجهة وحدتها ولجهة مشروع حكمها، وهذا التصدّع والعجز يؤدّيان إلى استياء الطبقات المحكومة، ونتيجته عدم قبول المحكومين بالسلطة وعجز السلطة عن ممارسة الحكم كما في السابق. وثانيها، ازدياد فقر وشقاء واستغلال الطبقات المضطهدة، وهي حال غالبية اللبنانيين. وثالثها، اندفاع الجماهير المظلومة في انتفاضة اعتراضاً على الطبقة السائدة ودفاعاً عن مصالحها.وهذا ما تؤكد حصوله مجريات الأمور في لبنان على مدى يقارب الأشهر الثلاثة الأخيرة. أزمة (اقتصادية ومالية واجتماعية) فعلية جراء فشل المشروع الاقتصادي والسياسي للطبقة الحاكمة، وتفكّك محالفتها في السلطة ودخولها في أزمة صراعات بين أطرافها، عجزها عن ضبط الشارع المنتفض... ازدياد فقر الفقراء وارتفاع نسبة البطالة بشكلٍ غير مسبوق، والانتفاضة الشعبية التي ملأت الساحات والشوارع وما رافقها من إسقاط حرمة المقدسات السياسية جميعها. كلّها عناصر موضوعية قائمة بذاتها في الحياة العملية.وإلى هذه الحالة، يشير لينين في مؤلّفه «مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية»، عندما يطرح وجود «الأزمة الثورية» ودورها كشرط موضوعي لخلق الظروف الثورية وإطلاق الانتفاضة أو الثورة. فهو يقول: «إنّ قانون الثورة الأساسي... يتلخص في ما يلي: لا يكفي من أجل الثورة أنْ تدرك الجماهير المستَثمرة والمظلومة عدم إمكانية العيش على الطريقة القديمة وأنْ تطالب بتغييرها. إنّه من الضروري لأجل الثورة أنْ يغدو المستثمِرون غير قادرين على العيش والحكم بالطريقة القديمة. إنّ الثورة لا يمكن أنْ تنتصر إلاّ عندما تعزف «الطبقات الدنيا» عن القديم، وعندما تعجز «الطبقات العليا» عن السير وفق الطريقة القديمة. ويمكن تبيان هذه الحقيقة بكلمات أخرى، ونعني أنّ الثورة مستحيلة بدون أزمة وطنية عامة (تشمل المستثمَرين والمستثمِرين معاً). وذلك يعني أنّه من أجل الثورة، ينبغي أولاً التوصل إلى جعل أكثرية العمال (أو على كل حال جعل أكثرية العمال الواعين المفكرين والنشيطين سياسياً)، مدركة كل الإدراك ضرورة الانقلاب، ومستعدة للمضي إلى الموت في سبيله. وثانياً، أنْ تعاني الطبقات من أزمة حكومية تجذب إلى حلبة السياسة حتى أكثر الجماهير تأخراً (إنّ علامة أي ثورة حقيقية هي أنّ عدد ممثلي الجماهير الكادحة والمستثمَرة والخاملة حتى ذلك الحين، الذين بوسعهم أنْ يشنوا الكفاح السياسي، يتصاعد بسرعة إلى عشرة أضعاف بل إلى مئة ضعف) فتوهن الحكومة وتجعل إسقاطها أمراً ممكناً للثوريين» (3). هذه المتغيّرات والوقائع التي تُعتبر أهم خصائص الوضع الثوري هي موضوعية بمعنى أنّها ليست انعكاساً لإرادات بشرية خطّطت لحصولها. بل هي مستقلة عن إرادات الأفراد والكتل والجماعات، ومجموعها يخلق «الوضع الثوري»، ما يفتح المجال لاندلاع الثورة. يقول لينين: «من دون هذه التغيرات الموضوعية؛ المستقلة لا عن إرادة هذه الكتل والأحزاب أو تلك وحسب، بل أيضاً عن إرادة هذه الطبقات أو تلك، تستحيل الثورة، بوجه عام. ومجموع هذه التغيرات الموضوعية يُسمى وضعاً ثورياً» (4). «الوضع الثوري» والثورةبيد أنّ «الوضع الثوري»، على ما فيه من نشاطٍ اعتراضيّ من جانب المضطهَدين والمظلومين، وما فيه من أزمة اقتصادية وسياسية وتفكك في محالفة السلطة، وما فيه من عناصر موضوعية انفجارية، لا يؤدي بالضرورة إلى الثورة. والسبب في ذلك أنّ الوضع الثوري يحتاج إلى شرطٍ ذاتي لتنفجر فيه الثورة. «الثورة لا تنشأ عن كل «وضع ثوري»، إنّما تنشأ فقط إذا انضمّ إلى جميع التغيّرات الموضوعية المذكورة آنفاً تغيرٌ ذاتي، وأعني به قدرة الطبقة الثورية على القيام بأعمال ثورية جماهيرية، قوية إلى حد أنّها تحطم (أو تصدّع) الحكم القديم الذي لن «يسقط» أبداً حتى في فترة الأزمات، إنْ لم «يُعمل على إسقاطه» (5).يتساءل لينين، هل استمرار «الوضع الثوري» بالتفاقم يؤدي إلى الثورة الكاملة؟ ويأتي جوابه ليفيد بأنّ الشرط الذاتي ضروري وبغيابه لا يؤدي «الوضع الثوري» إلى الثورة. ورداً على هذا التساؤل يقول: «إنّنا نجهل هذا الأمر، وما من أحد يستطيع أنْ يعرفه. ولن يبينه غير تجربة تطور الأمزجة الثورية وانتقال الطبقة الطليعية، البروليتاريا، إلى الأعمال الثورية. فلا مجال هنا لأية «أوهام» بوجه عام، ولا لدحضها، لأنّه ما من اشتراكي ضمن في أي مكان من العالم وفي أي فترة من الزمان بأنّ الثورة تنشأ على وجه الضبط... من «الوضع الثوري» الحالي» (6). مسألة الشرط الذاتي تشير بالتحديد إلى مسؤولية الأحزاب (أو القوى) اليسارية والتقدمية و... في إدارة وقيادة الجموع الشعبية وتعظيم نقمتها وتنظيم غضبها. «الوضع الثوري» يجعل الجماهير الشعبية أكثر اهتماماً بالممارسة السياسية وأكثر استعداداً لاكتساب المعرفة السياسية، وهنا يأتي دور الأحزاب الطليعية. وفي هذا الصدد يقول لينين: «الكلام هنا يدور حول واجب جميع الاشتراكيين، الثابت تماماً، والأساسي كلياً، ألا وهو واجب أنْ يبيّنوا للجماهير وجود «وضع ثوري»، ويوضحوا مداه وعمقه، ويوقظوا وعي البروليتاريا الثوري وعزيمتها الثورية. ويساعدوها على الانتقال إلى الأعمال الثورية ويُنشئوا منظمات تتلاءم و«الوضع الثوري» من أجل العمل في هذا السبيل» (7). ما الثورة؟ وما شعاراتها الأساسية؟قبل الإجابة على هذا السؤال، لا بدّ أنْ نطرح سؤالاً آخر: ماذا يُسمى هذا الذي يجري اليوم في لبنان وتقوم به الجماهير والجموع في الساحات والشوارع؟ ما يجري اليوم انتفاضة أم ثورة أم عامية أم...؟ هذه الأسئلة وتعدّدها ملازمة لكل ثورة حصلت في التاريخ. لقد طُرحت هذه الأسئلة على مدى عالمي لمناسبة ثورة 1905 الروسية. يتساءل لينين وهو يعرض في مقال مطوّل، في 31 كانون الثاني 1905، مجريات الثورة الروسية: «ماذا يجري في روسيا؟ انتفاضة أم ثورة؟»... ويتابع: «هؤلاء البروليتاريون الناهضون بعشرات الآلاف الذين واجهتهم قوات القيصر العسكرية، هم منتفضون أم ثوار؟». ويجيب: «ليس من الخطأ القول بأنّ الثورة هي انتفاضة غالبة، بينما الانتفاضة هي ثورة مغلوبة»(8). معنى ذلك أنّه لا يفرق كثيراً بين الثورة والانتفاضة، ويكون من المشروع استعمال التعبيرين بالمعنى ذاته، ويعطي معياراً للتمييز يرتبط بحصيلة الحوادث أو النتيجة النهائية للانتفاضة. ويشير إلى أهمية «المدى الوطني بل العالمي للأحداث» ويرى أنّ هذا «المدى بالتحديد هو ما يعطي لهذه الحوادث طابع الثورة» (9).ونستطيع القول، لتسهيل فهم سيرورة الثورة: عندما تكثر، في بلد ما في زمن قصير نسبيّاً وعلى مساحة البلد تقريباً، حركةٌ شبه متواصلة متكوّنة من حوادث الإضراب والاحتجاج والاعتصام والتمرد وإلخ... تقوم بها طبقات وفئات واسعة ومتنوعة من المجتمع بوجه الدولة والسلطة السياسية، مطالبة بمطالب متدرّجة تبدأ بقضايا جزئية ومحدودة وتتّسع تدريجيّاً حتى تبلغ مرحلة المطالبة بإسقاط النظام السياسي وتغييره، فذلك يعني أنّ هذا المجتمع يمر في مرحلة ثورية («الوضع الثوري»)، وأنّ هذه الحوادث أو هذه الحركة بمجملها هي انتفاضة أو ثورة.نعود إلى السؤال ما هي الثورة؟ لماذا هذه العودة؟ لكي نوضح لجماهير المنتفضين ولشعبنا عموماً ما معنى الثورة فعلياً، وما المقصود بها. ولنوضح أيضاً أنّ تردادَ عبارة الثورة كيفما اتفق ينطوي على تضليل كبير لجماهير شعبنا من جانب الطبقة السائدة. فجميع أطراف الطبقة السائدة وأحزابها يزعم أنّه يؤيد الثورة ويؤيد مطالب الثوار. ولكن مهلاً لندقّق بمعنى الثورة وبشعاراتها وغرضها الفعلي. وبعد التدقيق، لنسأل هل الطبقة السائدة مؤيّدة لهذه الثورة ولشعاراتها وأغراضها؟ فـ«ما هي الثورة من وجهة النظر الماركسية؟ إنّها هدم بالعنف لبناء فوقي سياسي قديم ولّى عهده، وأدى تناقضه مع علاقات الإنتاج الجديدة، في لحظة معينة إلى إفلاسه»(10). يضيف لينين في توصيفه للثورة: «في لحظة معينة من التطور، يتكشف عدم صلاح البناء الفوقي القديم أمام الجميع بكل وضوح. ويعترف الجميع بالثورة، والمقصود الآن تحديد الطبقات التي ينبغي لها، على وجه الدقة، أنْ تبني البناء الفوقي الجديد. وكيف ينبغي لها أنْ تبنيه بالضبط. ودون هذا التحديد، يكون شعار الثورة في هذه اللحظة فارغاً لا معنى له، لأنّ ضعف الأوتوقراطية يجعل حتى كبار الأمراء و... يصيرون «ثوريين»»(11). مخادعة حكومة التكنوقراط والاختصاصيينفهل زَعْمُ أطراف الطبقة الحاكمة أنّها مؤيدة للثورة يعبر عن حقيقة موقفها، أم أنّه مجرد مخادعة وتضليل؟ ألا يصرح جميع أطراف المحالفة الحاكمة أنّهم يؤيدون المطالب الشعبية، بينما هم يرفضون عملياً إسقاط النظام، ويصرون على المحافظة عليه كما هو؟ هل بعض أطراف الانتفاضة المضادة المنخرطين علناً في الانتفاضة (القوات اللبنانية، التقدمي الاشتراكي، تيار المستقبل، الكتائب اللبنانية...) يؤيدون فعلاً مطالب الانتفاضة؟ لندقق الآن في الشعار الذي طرحته الانتفاضة في لبنان ولنحاول النظر في مدى قبول أطراف الطبقة السائدة به. شعار الانتفاضة الأساسي «إعادة تكوين السلطة»، استناداً إلى «حكومة انتقالية بصلاحيات استثنائية» (إصدار مراسيم اشتراعية)، وأهم هذه الصلاحيات الاستثنائية إقرار قانون انتخابي خارج القيد الطائفي وانتخابات مبكرة، وقانون لتنظيم استقلالية القضاء... وكل من لا يقبل بشعار «إعادة تكوين السلطة» و«حكومة انتقالية بصلاحيات استثنائية» إمّا أنّه لا يفهم مطلقاً مهمات الثورة الأساسية، وإمّا أنّه مخادعٌ يتبنّى الثورة لفظاً ويعاديها عمليّاً، ويخون الثورة والجماهير الثائرة.حكومة التكنوقراط والاختصاصيين لا تفيد شيئاً في التغيير. فمعظم الوزراء في لبنان هم حتى اليوم من صنف التكنوقراط والاختصاصيين. وأحزاب الطبقة الحاكمة مليئة بهم. الأهم في الحكومة ليس طبيعة الوزراء وكفاءاتهم، بل الانتماء السياسي لهم وبرنامج الحكومة السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فهل حكومة التكنوقراط هي حكومة «إعادة تكوين السلطة» في لبنان؟ وما معنى شعار «إعادة تكوين السلطة»؟ يعني هذا الشعار العمل من أجل الانتقال من نوع السلطة القائم اليوم، وهي سلطة المحاصصة الطائفية بين محالفة حيتان المال المتكوّنة من ممثلي طبقة رجال المصارف والاحتكار التجاري والعقاري ومافيا الطوائف، (سلطة نظام ديمقراطية التوافق الطائفي) إلى سلطة لا تمثل هؤلاء، بل تمثّل غالبية المواطنين من عمال وعاطلين عن العمل وفلاحين وصغار المزارعين والمهمّشين وصغار الموظفين ومتوسطيهم والصناعيين الوطنيين والفئات الاجتماعية الوسطى.المطلوب تغيير هذه السلطة وبناء نظام وطني ديمقراطي علماني. وذلك بتصعيد الانتفاضة إلى حدودها القصوى فتسقط النظام السياسي الطائفي وسط ما يعيشه المجتمع اللبناني من تأثيرات ارتدادات الأزمة العامة: الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الشامل. أشدّد على خيار ذكره الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني: «إنّها مهمة تاريخية على قوى التغيير الديمقراطي أنْ تتحمّل مسؤولياتها وأنْ تسعى جاهدة لتجميع قواها خلف هذه الاستراتيجية بما يكفل تعديل ميزان القوى القادر على إنجاز هذه المهمة. هكذا نفهم القول بأنّ ما قبل 17 تشرين الأول ليس كما بعده. فانتفاضة الشعب اللبناني في 17 تشرين الأوّل هي عنوان الانتصار لمفهوم المقاومة الوطنية اللبنانية في 16 أيلول في التحرير والتغيير. وما يجمع 16 أيلول و17 تشرين الأول هو القضية الواحدة، قضية التحرّر الوطني والاجتماعي لشعبنا، الذي به يخوضُ صراعَه الطبقي ضد الاضطهاد الإمبريالي من الخارج وضد الاستغلال الطبقي الذي تمارسه سلطة الرأسمال والريع من الداخل».يبقى على المنتفضين العمل والنضال بكل حمية. فالزمن قيمة نضالية، وطالما هو متوفر يجب استخدامه واستغلاله بكل دقة وتصميم وكثافة. وليعلم الجميع أنّ «الوضع الثوري» أو «الزمن الثوري»، أو الثورة باختصار هي مدرسة فعلية تعلّم الجماهير، وأنّ الأيام الثورية مدرسة سريعة التأثير والتعليم. فما تتعلمه الجماهير في يوم ثوري واحد يعادل تعليم شهور وسنوات أحياناً. فهل تتعلم القوى المنظمة مع الجماهير من الثورة؟ الهوامش: (1) إفلاس الأممية الثانية، (أيار- حزيران 1915)، لينين، المختارات في 10 مجلدات، المجلد الخامس، ص (289- 358)، دار التقدم، موسكو، 1976، ص 297.(2) المرجع السابق، ص 297-298.(3) مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية، (1920)، لينين، المختارات في 10 مجلدات، مجلد 9، دار التقدم، موسكو، 1978، ص 511-512.(4) إفلاس الأممية الثانية، مرجع سابق، ص 298.(5) المرجع السابق، الصفحة نفسها.(6) المرجع السابق، ص 301.(7) المرجع السابق، الصفحة نفسها.Lénine, Œuvres, tome 8, Éditions sociales- Paris, Éditions du progrès- (8) Moscou. 1982. P 97.(9) المرجع السابق، الصفحة نفسها.(10) خطتا الاشتراكية ــ الديمقراطية في الثورة الديمقراطية، لينين، المختارات، المجلد 2، دار التقدم، موسكو، 1979، ص 538.(11) المرجع السابق، ص 538-539. ملحوظة: نُشِر هذا المقال في جريدة الأخبار يوم الاثنين 20 كانون الثاني 2020

Image

السلطة الحاكمة بأمر النيوليبرالية

إنّ ما يفوق الماضي نفسَه أهميةً هو تأثيره على المواقف في الحاضر. إذا غاب عن نظرنا أو تجاهلنا السياق التاريخي مثلاً لرواية ما يدور فلكها في حقبة تاريخية، وركّزنا فقط على التناسق بين أدوار أبطال الرواية في ظل تلك الحقبة المعيّنة، فستفوتنا رابطة جوهرية بين هذه الرواية والفهم التاريخي لها، حيث تتشابك الرواية وإطارها التاريخي المشهدي الواقعي. وإذا أردنا الحديث عن السلطة الحاكمة في لبنان، سنتطرّق في طبيعة الحال إلى السلطة السياسية وسلطة رأس المال، وعلينا أيضاً إدراك أنّ التماهي بين سلطة رأس المال والسياسة تزايد مع تحوّل لبنان من الاقتصاد الليبرالي إلى الاقتصاد النيوليبرالي. لبنان المتعولم إلى النيوليبرالية فالانهيارلبنان المتعولم منذ خمسينيّات القرن الماضي استوفى في فترة ما بعد الحرب الأهلية (ما بعد الطائف) شروط الاقتصاد النيوليبرالي إذ غلب على اقتصاده قطاع المال والتجارة والخدمات، ودور الوساطة الخارجية بين السوق العالمية والداخل اللبناني، والاستيراد عوضاً عن التصنيع وبالتالي سيطرة البضائع المستوردة على السوق المحلية، وإهمال قطاع الزراعة،... إلخ. وارتبط هذا المشروع مباشرة بشخص رفيق الحريري الذي ترأس أوّل حكومة ما بعد الحرب الأهليّة، عند تقديمه مشروع إعمار تحت عنوان "أفق 2000"، الذي ارتكزت صيغته على الإعمار وإعادة بناء وسط بيروت التجاري ولكن بوصفه مركزاً تجاريّاً ماليّاً ودوليّاً.لم يقتصر تمويل الإعمار من خلال مديونية الدولة عن طريق الدين الداخلي، وسياسة الاستدانة الكثيفة من المصارف المحلية بالدرجة الأولى، بل اعتمدت سياسة المشروع على خصخصة القطاع العام ورسملة القطاع المصرفي إذ تمّ إصدار سندات خزينة بفوائد عالية، وارتفعت قيمة رساميل المصارف ونمت ودائعها وتعاظمت أرباحها في ظلّ نظام ضريبي لصالح الأغنياء وتراكم الدين وارتفاع نسبته من الناتج المحلي وتنامي خدمة الدين وهدر الإنفاق الحكومي واختلالات الميزان التجاري وتهميش القطاعات الإنتاجية. بالإضافة إلى الاستدانة الخارجية التي أقرّتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة من خلال مؤتمرات باريس 1 و2 و3. في دولة أصبحت معادية للإنتاج في ريعيّتها وتبعيتها لرأس المال العالمي الذي أدّى إلى طغيان الريع على الاقتصاد، حقّق لبنان النهج النيوليبرالي الذي ترعاه المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي). تماهي السلطة الاقتصادية والسلطة السياسيةينجذب رأس المال بالضروررة إلى حيث يكون مصدر السلطة، كي يشرّع صفقاته ويسهّل سيطرته ونفوذه. وبالتالي، تنقلّت العلاقة بين الأوليغارشية (حكم الأقلية للطبقة البرجوازية المسيطرة على الاقتصاد) والسلطة السياسية باختلاف تركّز قوّة السلطة. منذ فترة الاستقلال إلى الحرب (ما يُسمّى بالجمهورية الأولى) التفّت الأوليغارشية حول رئيس الجمهورية بما مثّله من صلاحيات تشريعيّة وتنفيذية وإعفاءات وحصانة منحه إيّاها الدستور وقتذاك. أمّا في فترة بعد الحرب، فقد تنامت علاقة الأوليغارشية مع السلطة الحاكمة عبر نظام المحاصصة الطائفية الذي تسلّم السلطة سنة 1992 (الجمهورية الثانية)، وقامت هذه العلاقة على قاعدة تحالف برجوازية الحرب الأهلية مع "أوليغارشيا" المال والسلطة. وأبرز ما حصل في فترة ما بعد الحرب، أنّ اتفاق الطائف الذي تكرّس من خلال الدستور الجديد قد نقل مركز السلطة التنفيذية من رئيس الجمهورية إلى رئاستي مجلس الوزراء ومجلس النواب. وقد لعب أفراد الحكم على توازنات ثقل أقطاب السلطة هذه بالاستناد إلى قدراتها المالية وعلاقاتها مع الدول. وتعزّز دور رجال الأعمال في التمثيل السياسي المباشر مع مشروع رفيق الحريري. وأنتج هذا التمثيل اندماجَ السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية بين زعماء الميليشيات ومصرفيين ومقاولين ومستوردين، ومتلازمةَ الفساد والطائفية، التي تدافع اليوم عن مصالحها بشراسة بوجه أكبر انتفاضة شعبية يشهدها تاريخ لبنان الحديث. ومن الجدير بالذكر أنّ شخصيّات سياسيّة كثيرة تترأس المصارف أو هي مساهمة فيها. ناهيك عن الاحتكارات التي تجريها عدد من شركات الهولدينغ، المُعفاة من ضريبة الدخل والتي يملك كثيراً منها عددٌ لا يستهان به من السياسيين. وتطال هذه الشركات عدداً واسعاً من فروع الاقتصاد، وتملك امتيازات وماركات مسجّلة لها حصراً والعديد من الملكيات العقارية، وهي التي تحتكر الأسواق. الهيئات الاقتصادية: وحدة البرجوازية تأسّست الهيئات الاقتصادية في ستينيّات القرن الماضي على يد أقطاب الرأسمالية العابرة للقطاعات. وتضمّ الهيئات الاقتصادية: غرف التجارة والصناعة والزراعة في كل من بيروت وجبل لبنان، طرابلس والشمال، صيدا والجنوب، زحلة والبقاع، جمعية مصارف لبنان، جمعية الصناعيين اللبنانيين، جمعية تجار بيروت، تجمع رجال الأعمال في لبنان، جمعية شركات الضمان في لبنان، نقابة مقاولي الأشغال العامة والبناء، نقابة أصحاب الفنادق، المجلس الوطني للاقتصاديين اللبنانيين، الندوة الاقتصادية اللبنانية، اللجنة الوطنية لغرفة التجارة الدولية. وتشكّل الهيئات الاقتصادية، بما تمثّله من أعضاء، تماسكَ البرجوازية التي دأبت عدّة مرّات على التكشير عن أنيابها عند المساس بالنظام الاقتصادي الحر في صميم ريعه وأرباحه ونظامه الضريبي، وعارضت دوماً رفع الحدّ الأدنى للأجور ودفع اشتراكات الضمان وطالبت بإلغاء التقديمات الاجتماعية من نقل وتأمين، ولم تكن تلبث أن تعلن الإضراب إثر كلّ قرار يمسّ بمصالحها. هذا كلّه يترافق مع انصياع متفاوت لأحزاب السلطة للأمر الواقع الاقتصادي ولمصالح الهيئات الاقتصادية وضغوطها والاستهتار بمصالح الناس وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية في ظلّ تخاذل النقابات والاتحاد والعمالي العام، التي نجحت الطبقة الحاكمة في الانقضاض والسيطرة عليها. وللمفارقة، تُعرّف الهيئات الاقتصادية بأنها "تجمع اقتصادي غير سياسي ولا يتوخّى الربح"، في حين أنّها ليست فقط متماهية مع السلطة السياسية، بل تصادر القرار السياسي. وهي، بحسب تعريفها، "تساهم في تنمية وتطوير الاقتصاد الوطني"، في حين أنها أيضاً، "تدعم النظام الاقتصادي الحرّ والمبادرة الفردية"، فما هذه الازدواجية في التعريف؟! الطائفية بوصفها جزءاً من منظومة السيطرةوسيكون، بطبيعة الحال، من انعدام الحسّ بالمسؤولية أن يتغاضى المرء عن تأثيرات النظام الطائفي بوصفه جزءاً من منظومة السيطرة في المجتمع اللبناني، فمن خلال النظام الطائفي تتمّ إدارة لعبة النزاعات التي ما تلبث أن تنتهي إلى تسويات وشراكات ترضي الأطراف المتنازعة بحسب موازين القوى بينها، ، فيتحوّل الصراع في ما بينها إلى اقتسام وتوزيع خدمات الدولة وتعهّداتها وعقودها واقتسام الريوع المختلفة بين الكتل والتحالفات الطائفية المعنية. ولّد النظام السياسي الطائفي المحسوبية والزبائنية في علاقة الجماعة الطائفية بالحزب الذي تمثله الطائفة، وبالتالي سيطرت هذه الأحزاب على تمثيل الجماعات والنطق باسمها. هذا بالإضافة إلى أنّه جرى تعديلٌ في نسب التمثيل الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في الهيئات الاقتصادية التزاماً بصيغة اتفاق الطائف بالتمثيل الطوائفي في المؤسسات السياسية والإدارية. وهو أمرٌ بديهي أن تُخضِع الهيئات البرجوازية إلى مصالحها كل ظاهرات التشكيلة السلطة الموجودة في علاقة فعلية معها، لضمان ممارستها المادية. أزمة لبنان: فساد أم استغلال؟بعد الأزمة التي يمرّ فيها لبنان، يرجّح الكثير أنّ سبب الأزمة هو الفساد والهدر، وهو ما روّجت له الطبقة الحاكمة وبعض منظمات المجتمع المدني، إذ تحاول بذلك إخفاء الصراع الطبقي والاستغلال وتمويهه بالفساد والهدر خدمةً للنهج النيوليبرالي، لكنّ انتفاضة 17 تشرين الأوّل وجّهت البوصلة أكثر من خلال العديد من منتفضيها، حيث علت شعارات "تسقط سلطة رأس المال" و"يسقط حكم المصرف" و"الصراع طبقي"... ولا بدّ أنّ الفساد والهدر حاصلان، ولكنّ النظام الرألسمالي التبعي والمعتمد على الاقتصاد الريعي هو أساس العلّة. واقتصار سبب الأزمة على الفساد والهدر هو تبنٍّ للرواية النيوليبرالية للفساد، علماً أنّ الفساد الحقيقي هو الذي يوثّر على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، أي فساد من يستغل موقعه السلطوي لتحقيق اكتساب ملايين ومليارات الدولارات على حساب المال العام، وهو ما دأبت عليه السلطة الحاكمة، ليس فقط من خلال الانتفاع من المال العام، بل وذهاب السلطة التشريعية إلى تشريع ما يخدم مصالحها. وبالتالي، إنّ مصطلحات الفساد والهدر التي تطغى عند عدد كبير من الأفراد والمجموعات ملائمةٌ لوصفات البنك الدولي المتمثلة بـ"وقف الهدر ومكافحة الفساد والشفافية..."، والتي توظفّها في خدمة الخصخصة وتخفيض الموازنات الحكومية والإدارية والحدّ من خدمات الرعاية الاجتماعية. ناهيك عن مفهوم العدالة الاجتماعية الذي بات على أجندة البنك الدولي في "الدول النامية"، بعد أن تمّت إعادة إنتاج تعريفه كما يخدم مصالحها، إذ أنّ العدالة الاجتماعية بما تعنيه من مساواة وإعادة التوزيع الاجتماعي العادل للموارد والثروات والدخل، باتت تقتصر بمفهومها الجديد الذي انتشر في عصر العولمة على الحقّ في الاختلاف والتمايز للهويات (الجندرة والمثلية والعرق والإثنية والدين والقومية... إلخ). هكذا طغت المطالبة بالحق في الاختلاف على المطالبة بالحق في المساواة، وهو ما عملت عليه المؤسسات الدولية ومعظم منظمات المجتمع المدني، الليبرالية الهوى، وساهمت فيه أنظمة الاستبداد والقمع. في لبنان، التقت السلطتان السياسية- الطائفية والاقتصادية الحاكمتان في إنتاج البنية الطبقية البرجوازية إلى حدٍّ ما في ظلّ التناقضات التاريخية. وهي ما تلبث تلجأ بشتّى الوسائل إلى الحفاظ على النهج السياسي الذي يؤبّد سلطتها واحتكارها بالعودة إلى النهج السياسي الذي أثبت فشله. ويقول أنطونيو غرامشي في هذا الصدد أنّ "الوحدة التاريخية للطبقات الحاكمة تتحقّق في الدولة وأنّ تاريخها هو في الجوهر تاريخ الدول وتاريخ مجموعات من الدول". وإذا كانت وحدة الطبقة الحاكمة الحالية في لبنان تحققت بهذا الشكل، يتوجب على البديل السياسي عنها، أيضاً، توحيد الطبقات الشعبية المواجِهة للنظام السياسي الحالي عبر توصيف المرحلة التاريخية والأزمة التي يمرّ بها لبنان، وأزمة الرأسمالية والامبريالية عالميّاً، على مستوى التناقضات الداخلية والخارجية، بالدرجة الأولى، في سبيل الخروج من الأزمة. 

Image

شبح صندوق النقد الدولي ومهام المرحلة

دخول صندوق النقد الدولي إلى لبنان كما تريد قوى السلطة اليوم، يعني بكل بساطة ووضوح تقويضَ ما تبقّى من نظام الرعاية الاجتماعية، زيادة الخراب الاقتصادي والاجتماعي، تعاظم الهوة بين الأغنياء والفقراء وذلك عبر ما يطرحه من شروط للإفراج عن حزمة من المساعدات والقروش، من رفع معدل الضريبة على القيمة المضافة، زيادة الضرائب على البنزين، زيادة الضرائب على الأملاك المبنية، التخلي عن دعم الكهرباء، خصخصة قطاعي الكهرباء والإتصالات، وإعادة هيكلة القطاع العام ونظام التقاعد. بمعنى آخر: فليتحملْ الشعب اللبناني كلفة الانهيار وكلفة شراء الوقت لمحاولة "ترقيع" النظام. رسميّاً تكمن وظيفة الصندوق في العمل على الاستقرار المالي، ومساعدة البلدان المأزومة على تلافي ما تعانيه من مشاكل. إنّما في الواقع إن الصندوق أداةٌ بيد الولايات المتحدة (ورأس المال العالمي) ليحقّق مصالحه في الدرجة الأولى ويفرض على الدول برامج ضد مصلحة الأغلبية العظمى من المواطنين أي أصحاب الدخل المتدني والمتوسط، فيؤمّن بذلك مصلحة رأس المال ويعزّز تبعية الدول إلى الغرب. من الطبيعي إذاً أنْ تتيح سياسةُ الصندوق مراكمةَ الثروات لحفنة من الأغنياء بلا انقطاع حتى في أزمنة الأزمات.الصندوق لا يسعى إلى حل مشكلات الدول المأزومة، بل هو يسعى إلى تمكينها (إغراقها وتكبيلها) من إستخدام قروضه لتسديد ما في ذمتها من ديون أجنبية مستحقة، أي أن يحل مكان الدائنين الأجانب، ضامناً بذلك حصولهم على رؤوس أموالهم. (1) في هذا المقال نحاول أن نستعرض شذرات من تاريخ صندوق النقد الدولي ومن تدخلاته في بلدين، هما تشيلي وروسيا. وذلك لتمليك الجماهير المنتفضة أداة معرفية تمكّنهم من فهم سبب لجوء القلة القليلة من أصحاب رؤوس الأموال إلى هذا الخيار، وما هي السيناريوهات المتوقعة في حال لجأت السلطة اللبنانية إلى هذا الخيار. لمحة عن تاريخ تأسيس هذا الصندوقتأسّس صندوق النقد الدولي بعد مؤتمر بريتون وودز الذي بدأ أعماله في ١٤ تموز ١٩٤٤ بحضور وفود من ٤٤ بلد. وحول تأسيسه، يقول رئيس الوفد البريطاني الاقتصادي إلى المؤتمر جون ماينرد كينز "إن الأمر الواضح، هو أن اثنتين وعشرين دولة، من الدول المدعوة، لم تسهم بأي دور ذي بال في المؤتمر، وأنها كانت حجر عثرة لا غير... إننا هاهُنا إزاء أكبر مهزلة، حدثت في السنوات الأخيرة" (2). وهذا لأنّ مفاوضاتٍ سرية بين البيت الأبيض والحكومة البريطانية كانت قد سبقت المؤتمر بوقت طويل لوضع مجموعة من الخطط التي ينبغي على النظام النقدي العالمي الارتكاز عليها. وليس ثمّة شك أنّ هذا الصندوق ليس إلّا مؤسسة أنشأتها الولايات المتحدة الأميركية لحماية مصالحها وزيادة قوتها وهيمنتها الاقتصادية على العالم، فعلى الدول الراغبة بالحصول على العضوية في الصندوق أن تكشف عن حساباتها وذلك ليكون بالمستطاع تسليط الضوء على أوضاعها ويتعيّن على هذه الدول أن تودع لدى الصندوق كمية من الذهب، ومبلغاً من المال.بدأ الصندوق عملياته برأسمال بلغ ٨.٨ مليار دولار منها ٢.٩ مليار دولار إسهام الولايات المتحدة. وفي العام ١٩٤٦ وقع الإختيار على البلجيكي كميل غوت الذي كان وزير مالية بلاده كأول مدير عام للصندوق، وكميل غوت كان قد أعار خلال ولايته كمية من الذهب إلى بريطانيا لمساندتها في تمويل إنفاقها الحربي كما زوّدها بالكوبالت والنحاس من مناجم الكونغو بالإضافة الى تزويده الولايات المتحدة سرّاً بمادة اليورانيوم المستخرجة من مناجم الكونغو لإكمال برنامجها النووي. تشيلي وصندوق النقد الدوليالخوف من نموذج إشتراكي في أميركا اللاتينية دفع بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالتعاون مع البرجوازية في تشيلي، إلى الإقدام على تمويل ودعم مباشر لانقلاب بقيادة بينوشيه على الرئيس الإشتراكي سلفادورألليندي. استقدم بينوشيه بعد إلغائه التأميمات التي قام بها سلفه، مجموعة من الاقتصاديين الذين سُميوا بصبيان شيكاغو (Chicago boys. وهم مجموعة درست على يد ميلتون فريدمان في Chicago school of economics. وكان هدفهم صياغة برنامج على قاعدة الأسس الليبرالية يفرض تقشّفاً على البلاد وسُمّي هذا البرنامج العلاج بالصدمة (shock therapy). وضع هذا البرنامج بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وأبرز نقاطه:1. خفض الكمية النقدية المتداولة على نحو صارم وفعال.2. خفض الإنفاق الحكومي، تسريح أكبر عدد ممكن من الموظفين الحكوميين.3. تنفيذ الخصخصة في القطاع الصحي والتعليمي.4. ضرورة خفض أجور العاملين وزيادة المعدلات الضريبية من الأفراد العاملين.5. خفض الضرائب الجمركية والضرائب المستوفاة من الشركات. في الوقت الذي كان بينوشيه يبطش باليساريين المعارضين لهذه السياسة طُبّق هذا البرنامج، الأمر الذي رفع نسبة البطالة من ٣ في المئة عام ١٩٧٣ إلى ١٨.٧ في المئة في العام ١٩٧٥، كما بلغ التضخم في الفترة نفسها ٣٤١ في المئة كما زادت نسبة الفقر، الأمر الذي رفع معدل التفاوت الإجتماعي. وفي هذه الفترة، زاد الصندوق قيمة قروضه إلى تشيلي خمسة أضعاف. من باع التاريخ؟يقول أوليغ شينين الذي كان سكريتيراً للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي وعضواً في مكتبه السياسي في نص المرافعة التي ألقاها في ٨ شباط ١٩٩٤ أمام الهيئة العسكرية للمحكمة العليا في الاتحاد الروسي بعد اتهامه (زوراً) بخيانة الوطن إنّ "التخلي عن وصف النظام الاجتماعي- الاقتصادي في الاتحاد السوفييتي بأنه إشتراكي ينطوي على دلالة عميقة. فمسألة تحديد طبيعة النظام الذي يعيش الشعب في ظلّه مسألة مبدئية، ولا يمكن حلها إلا من قبل الشعب كله، كما جرى في سياق استفتاء السابع عشر من آذار 1991 ". (3) عانى الاتحاد السوفياتي في الثمانينيّات من أزمة عميقة بسبب الانحراف عن خط السير نحو الاشتراكية الذي بدأ في عهد خروتشوف وتحديداً بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي (الذي تلا وفاة ستالين) حيث نشأت وتطورت طبقة برجوازية، كان من أبرز وجوهها غورباتشوف ويلتسين. أمام هذه الأزمة فضّل غورباتشوف طلب المساعدة من بوش الأب الرئيس الأميركي بوقتها، هذا الأخير أشرك صندوق النقد الدولي في العملية وكلّف الصندوق والبنك الدولي إجراء دراسة تتناول وضع الاقتصاد السوفييتي. لم ينتظر ميشيل كامديسوس (Michel camadessus) المدير العام للصندوق وقتذاك، الذي أشرف على إدارة نادي باريس بين عامي 1976و1984 والمصرف المركزي الفرنسي لمدة ثلاث سنوات، فأرسل سريعاً إلى موسكو اقتصاديين يؤمنون بالليبرالية الاقتصادية، فكانت خلاصة ورقة الاقتصاديين واضحة جدا وهي التحوّل الجذري إلى النظام الرأسمالي وذلك بالاعتماد على برنامج العلاج بالصدمة على غرار ما حصل في تشيلي.وفي التاسع من نيسان عام 1991، أعلن غورباتشوف تنفيذ برنامج مضاد للأزمة، فأصدر قراراً بالتخلي عن تأميم المشاريع والسماح بالملكية الخاصة من جديد والكف عن احتكار الدولة للتجارة الخارجية، بذلك يكون قد قضى على تاريخ الاتحاد السوفييتي.في الوقت عينه كان من مصلحة يلتسين المحبوب من الغرب أن يضعف خصمه غورباتشوف. في اجتماعه السنوي في بانكوك أعلن صندوق النقد الدولي أنه يصر على تسديد كل ما له من ديون في ذمة الاتحاد السوفييتي، ويتوقع أن تقوم الجمهوريات السوفييتية بتسديد هذه الديون عبر إلغاء جميع أساليب الدعم المالي، الممنوحة للصناعة وللزراعة، وعبر تقليص الأموال المخصّصة للأنشطة العسكرية. قام يلتسين وحكومته التي أصبحت برئاسة ايغور غايدار المقرّب من أفكار صبية شيكاغو، بتنفيذ إرشادات الصندوق ما أدّى إلى كارثة ضربت البلاد. في الخامس من كانون الأول 1991 استقال غورباشوف من منصبه كأمين عام للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ثم تم تفكيك الاتحاد السوفييتي (ككيان سياسي) في الحادي والثلاثين من الشهر نفسه. عن تلك الفترة يقول إرنست فولف "بين عام 1991و1994 انخفض معدل الولادات بثلاثين في المائة. وهذا لا غرو أن يتراجع عدد سكان روسيا، خلال 12 عاماً، بنحو عشرة ملايين نسمة، ليبلغ 142 مليون مواطن. أضف إلى ذلك وذاك، أن الإدمان على المسكرات والأمراض النفسية والجرائم وعدد المشرّدين، كانت جميعها، من جملة الظواهر التي انتشرت بنحو ما كانت له قرينة في سابق الزمن. كما ألغيت ضمانات الرعاية الاجتماعية، بما في ذلك رياض الأطفال والمعونات المالية المخصصة للأطفال، علماً بأن هذه المكتسبات كانت متاحة للجميع في الاتحاد السوفييتي. وعجز الكثير من الآباء والأمهات عن رعاية أطفالهم، من هنا، لا عجب أن يُكره من الفتيات على ممارسة الدعارة، وأن يختفي أثر الكثير من أبناء الشوارع في دروب وأزقة المدن الكبرى ولسنا بحاجة للاشارة، إلى أننا هاهُنا، إزاء ظواهر ما كانت معروفة بهذه الشدة ولا حتى في أبشع ظروف الحرب التي تعرّض لها الاتحاد السوفيياتي". (4) عن الواقع اللبناني ومهام المرحلةفي ظل الأزمة المفتوحة للنظام اللبناني وتعقدها على كافة الصعد، تضغط البنية الأيديولوجية للطبقة المسيطرة لتعمم أفكارها، منها بأن الحل الوحيد أمام لبنان هي برامج هذا الصندوق أو طلب المال من الخارج. أي اصلاحات تحافظ فيها على مصالحها، بمعنى آخر: فليتحمل الشعب بطبقاته الفقيرة والمتوسطة كلفة هذا الانهيار، أما المهم هو حماية طبقة الـ1%. من هذه النقطة تنتصب أمام هذه الانتفاضة (والحركة الشعبية عامة)، وتحديدا أمام قوى البديل الجذري السياسي، عملية هي ضرورية في سيرورة تعقد الأزمة، فتقديس الشارع كما تطرحه بعض القوى (ومنها اليسارية) وتقديس ما سمي بالعفوية أصبح مهدّداً لهذه الانتفاضة، لا بل كابحاً لارتقائها إلى الهجوم على المستوى السياسي ونقل المعركة إلى المستوى السياسي عبر برنامج يأخذ بعين الاعتبار التعقد في بنية البلاد الاجتماعية وتناقضات البنية العالمية والإقليمية. إنّ هذا البرنامج يُمَلّك الفقراء والكادحين والمتضرّرين وأوسع القوى الحيّة في المجتمع أداةً تنتصر لهم في وجه هذا النموذج القائم، فلتتحمل قوى التغيير الجذري مسؤوليتها التاريخية في مجتمعها وفي هذه اللحظة التاريخية التي يمر بها الوطن والعالم. المراجع:(1) د عباس عدنان علي، مقدمة كتاب صندوق النقد الدولي، ص18 (2) Richard peet: unholy trinity, zed books, London 2009(3) اوليغ شينين، من باع التاريخ، دار الطليعة الجديدة طبعة أولى 1997، ترجمة عدنان جاموس، ص21(4) ارنست فولف، صندوق النقد الدولي قوة عظمى في الساحة العالمية، صادر عن عالم المعرفة، أبريل 2016

Image
الصفحة 1 من 15

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل