السلطة للشعب، لا للقلّة

لبعض الهيئات والتجمعات التي تمثّل الطبقة الرأسمالية الحاكمة سلطة على النظام العام وعلى مسار ومصير حياة الناس تكاد تفوق سلطة المجلس النيابي والسلطة القضائية، ليس بحكم الدستور والقوانين، بل بحكم الأمر الواقع لسلطة رأس المال، سلطة الاستغلال الطبقي، سلطة نهب قوّة عمل العاملين بأجر. جميعة المصارف تتصدّر لائحة المتنفذّين المتسلّطين على الحياة العامة. تعطي لنفسها حقّ اتخاذ قرارات تتعلق بتسكير أو فتح المصارف وفروعها، وتقرير المبالغ التي يستحق المواطن برأيهم أن يأخذها من حسابه، وتقرير نسب الفوائد وكيفية دفعها، والسماح للبعض بتحويل الودائع إلى الخارج مقابل منع الآخرين من صرف المال حتى للحاجات الماسّة. بلغت تحويلات المصارف وكبار رؤوس الأموال عدة مليارات من الدولارات منذ أيلول حتى اليوم، تحت غطاء من مصرف لبنان، وهو لا يزال مستمرّاً حتى اليوم. آخر بدع جمعية المصارف كانت تصنيفاتها التي أطلقتها، بعد أن جنّ جنونها، إثر استهداف الجموع الغاضبة لمقرّها في وسط بيروت - الجميزة، ولمقرّات بعض المصارف الخاصة في شوارع بيروت وفي المناطق. أصدرت الجمعية بياناً قالت فيه أنّ هؤلاء الذين احتجوا على السياسات النقدية واستهدفوا بتحرّكاتهم مصرف لبنان والمصارف الخاصة تحديداً، لا يمثّلون الانتفاضة الشعبية. أعطت لنفسها سلطات تصل إلى حقّ التقرير والفرز، ليس في شؤون طبقتها الريعية الحاكمة، بل حتّى في شؤون وشجون الثائرين عليها وعلى النظام القائم. أوحَتْ الجمعية في كلامها أنّ هناك بعض المحتجّين الذين تستسيغهم، وترى فيهم خير المعترضين وأكثرهم مطابقةً للشروط. إنّ أهميّة الانتفاضة الشعبية في الأسابيع الأخيرة هي أنّها تتجّه بثبات نحو تثوير شعاراتها وتحرّكاتها، ولا تخاف من كبير ولا من صغير. تقف بوجه رأس المال الحاكم، ضد الاستغلال الطبقي والنهب الذي مارسته الطبقة الحاكمة منذ ثلاثين عاماً حتى اليوم. الهيئات الاقتصادية، بما تمثله من فئة التجار وأصحاب الاحتكارات، هي الأخرى تدّعي ما لا يعطيها إياه القانون، ولا الشعب. يقول رئيسها نقولا الشماس الذي يعرفه الشعب بـ"أبي رخوصة" حرفياً أنهم يُطاعون ولا يطيعون، ليعبّر بوقاحة عمّا يكنّه كل البرجوازيين الكبار في قرارة نفوسهم، لكنّهم يتفادون البوح به. يتماهى أبا رخّوصة إلى حدّ بعيد مع ما صرّح به الرأسمالي الأميركي المعروف "وارين بافيت" حينما قال أنّه "توجد بالفعل حرب طبقية في المجتمع، وأنّ هذه الحرب تربحها طبقته حصراً". يعيش جزءٌ كبير من الشعب اللبناني آثار هذه الحرب الطبقية عليهم: شتاؤهم قارس حيث يقنّن المحتكرون كميات المازوت المتوفرة للتدفئة، فيما شركة كهرباء لبنان تطمئنهم بأنها ستعطيهم ثماني ساعات كاملة من الكهرباء يومياً، لتضعهم أمام مضاعفة أعباء كهرباء المولّدات الخاصّة. يقرّر المستوردون ما يجب أن يستهلك الناس، بحسب أولوياتهم الربحية هم. اليوم المازوت غير ذي ربحٍ كبير، فيكون الردّ جاهزاً: فليلتحفْ الفقراء السماء، وليموتوا برداً ما دام الدفء لا يدرّ أرباحاً كافية. أسعار السلع الأساسية في لبنان أعلى ممّا هي في دول المركز الرأسمالي الكبرى، بدءاً من الطعام وصولاً إلى الملابس وأجهزة الاتصالات والأجهزة الالكترونية. قلّة قليلة من التجار يحتكرون الاستيراد والتجارة الداخلية، ويختبئون وراء الوكالات الحصرية التي يحميها القانون رسمياً. حينما يسيطر 1% من أصحاب الثورات على أكثر من نصف الثروة في لبنان، فذلك يعني فعلياً، أنّ سلطة هذه الحفنة من الرأسماليين تزداد عمقاً وترسّخاً. وبحكم تمركز وتركّز الثورة، تزداد السطوة الاقتصادية ومعها السلطة السياسية لهذه القلّة القليلة الحاكمة. ولذلك يصحّ اليوم التوصيف الذي شاع استعماله بين قوى الانتفاضة، بأنّ الحكم القائم هو حكم الأوليغارشيّة. "تكبر الخسّة في الرؤوس" عندما تكبر الحسابات في المصارف، وتكبر معهما السطوة والسلطة على قادة الدولة وأجهزتها وأحزابها. إلى جانب هذه الفئات البورجوازية الضاربة سلطةً وسطوةً منذ عقود، نشأت فئة رأسمالية صاعدة قامت على نهب المال العام منذ انتهاء الحرب الأهلية حتى اليوم، وهي تتألف فعلياً من حفنةٍ من قادة ميليشيات الحرب الأهلية الذين صاروا بين ليلةٍ وضحاها قادة دولة القانون والمؤسسات، ففعلوا كلّ ما بوسعهم لمراكمة مليارات الدولارات من الوزارات والصناديق والمجالس والمشاريع والتلزيمات التي احتكروها. دخل كلّ منهم السلطة مع بضعة ملايين من الدولارات وصار الواحد منهم يزن مليارات الدولارات اليوم، على عينك يا تاجر. ونجح هذا الرأسمال الطفيلي الطارئ في تحويل الدولة إلى مجلس ملّي ونظام زبائني، من أجل إفادة بعض المقربين والأزلام، ولشراء الذمم بين القادة الأقل حظوةً، كما بين الإعلاميين والأمنيين وحواشي النظام. وتكمن قوّة هذا الجناح من الطبقة الحاكمة في أنّه يملك بين يديه سلطة السياسة والقانون، وسلطة المال والأعمال، وسلطة الأمن الرسمي وشبه الرسمي، كما سلطة التشبيح والسلبطة. صار هذا الجناح قائداً حقيقياً وفعلياً في القرار السياسي والاقتصادي في لبنان، وحوّل الشعب اللبناني لمتسوّلٍ لوظيفة أو خدمة أو حقّ على أبوابه. ونشأ بين أجنحة رأس المال هذه، الريعية المالية والاحتكارية التجارية والطفيلية السياسية، تحالفٌ وثيق غير قابل للكسر إلّا بكسرها جميعاً. وضعوا أنفسهم في قارب واحد، وغامروا وقامروا على مصير الشعب اللبناني أجمع، حتى وصلنا إلى ما وصلنا عليه. لذلك تراهم اليوم يدعمون بعضهم البعض، فيفلت قادة الدولة أجهزتهم الرسمية وغير الرسمية لحماية المصارف وجمعيتها، وتحمي المصارف ودائع السياسيين فتسيّلها لهم عند الحاجة وتحولها إلى الخارج إن أرادوا. صاروا اليوم يتشاركون الملكية في القطاعات الاقتصادية الأساسية، حيث تجد الأسماء نفسها: بضع مئات من اللبنانيين المحظيين يملكون المصارف والشركات العقارية والمستشفيات الخاصّة وشركات النفايات وخدمات الكهرباء والاتصالات والانترنت الشرعي وغير الشرعي، وشركات التأمين وشركات النفط، واحتكارات الاستيراد. تتحضّر قوى السلطة ورأس المال اليوم لاتّخاذ قرارت مؤلمة للشعب اللبناني، وإن نجحوا بفرضها دون مقاومة شعبية جديّة قادرةٍ على هزيمة مشاريعهم عبر المواجهة المباشرة في الشارع، ستصل مستويات الفقر والبطالة إلى معدلات مخيفة، وستقضي على الطبقة الوسطى وتدفعها نحو حافة الفقر، فيما ستجرّ الطبقة العاملة والفقراء نحو حافّة الجوع. وقد كشف الصحافي محمد زبيب منذ أيّام أنّ القرارات التي تنوي الحكومة العتيدة المقبلة اتّخاذها بالاتفاق مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف تتمحور حول:1. منح صلاحيات استثنائية لحاكم مصرف لبنان، أو إصدار قانون في مجلس النواب، لتشريع مصادرة الحسابات المصرفية الصغيرة والمتوسطة والأجور والادخارات بالليرة وصناديق الضمان الاجتماعي والتعاضد والنقابات المهنية وغيرها، والذين تريد الاوليغارشية الحاكمة تحميلهم الخسائر المحققة في المصارف وتسديد كلفة إنقاذ المصارف مرة جديدة.2. تكريس نظام سعرينللصرف، ومحاولة استعمال السعر غير الثابت في عملية تخفيض القدرات الشرائية ورفع اسعار الاستيراد وتقليص الحاجة إلى الدولارات لتمويل العجز التجاري، حيث وصلت خسائر سعر صرف الليرة إلى حوالي 60% من قيمتها قبل 3 أشهر.3. التفاوض على برنامج مع صندوق النقد الدولي بهدف الحصول على قروض لانقاذ الدائنين وكبار المودعين، وضمان تسديد مدفوعات الفائدة على الديون السابقة والديون الجديدة، عبر فرض المزيد من سياسات التقشف وتخفيض الأجور وضرب نظام التقاعد في القطاع العام وزيادة الضرائب على الاستهلاك وحصر الاستثمار في البنية التحتية بعقود شراكة مع المستثمرين من القطاع الخاص. وكذلك عبر إطفاء جزء من الدين عبر الخصخصة وبيع ممتلكات الدولة وعقاراتها وما تبقى من مؤسسات ومرافق مربحة، أو من خلال عملية "قص شعر" تشمل الودائع الصغيرة من 75 مليون ليرة وصعوداً وتساويها بالودائع الضخمة، بدل أن تشمل بشكلٍ تصاعدي الودائع المتوسطة والكبيرة التي تفوق قيمتها نصف مليار ليرة مثلاُ.4. مواصلة تسديد سندات الدين والفوائد بالعملات الأجنبية للدائنين الأجانب، على حساب تأمين الدولارات لتوفير السيولة المحلية، والتفاوض مع المصارف المحلية فقط لاستبدال السندات وشهادات الايداع بالعملات الاجنبية المستحقة في هذا العام والتي تبلغ 3 مليار دولار عدا الفائدة، بسندات ذات آجال أطول وبأسعار فائدة أعلى من السندات المستبدلة.ستكون هذه القرارات ذات مفاعيل كارثية، وستعيد تحميلنا أكلاف الانهيار الصعبة. قراراتهم وقمعم واستخفافهم بالناس، كلّها تؤكد أنّهم تحالف طبقيّ واحد متآلف متكاتف، صلب ولا تخرقه خلافات الولاء للخارج والإقليم، ولا صراعات 8 آذار و14 آذار على الحصص والنفوذ. هم طينة واحدة، لن تتفكّك إلا تكسيراً. إنّ المواجهة خيارٌ حتميّ لتفادي تحمّل تبعات نهبهم واستغلالهم، ولا بدّ من تنظيم هذه المواجهة الشعبيّة التي ستكون قاسية في ظلّ إمساك قوى السلطة ورأس المال بالجهاز الأمني والقضائيّ، وبميليشيات من الشبيحة. إنّها معركة حياة أو موت لنا، كما هي لهم ولا مجال أمامنا إلّا بكسرهم وتحميلهم هم تكاليف الانهيار كاملةً.تصير انتفاضتنا ثورةً عندما تسعى بكل الوسائل المتاحة، لقلعهم جميعاً ورميهم في البحر. هذه هي آداب الثورة و"أتيكاتها". لن يكون تغييراً دون جذريةٍ مفرطة. لا استبدال أسماء ولا تلميع صور ولا تغيير ولاءات، ولا حكومات مستشارين، ولا وزراء أزلام للأصيلين سيجدي نفعاً. سيدفعون ثمن سياساتهم من حساباتهم ذات الأرقام الطويلة، وليس من حياتنا الشاقّة وقوّة عملنا المنهوبة. حكومتهم الجديدة الأخيرة نسخة عن الحكومات السابقة، بذات السياسات وذات البرنامج، وستتبنى السياسات المعادية للشعب ذاتها. استبدلوا الوزراء الأصيلين بالوكلاء، لكنّ سياسة حماية رؤوس المال وتأبيد النظام الطائفي الزبائني ستبقى سياسات أصيلة ثابتة. * د. عمر الديب: مسؤول العلاقات الخارجية في المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني

Image

نقاط على حروف الانتفاضة

كل عام وأنتم بخير، رفاقاً وأصدقاء ومنتفضين في الشوارع والساحات أمام البنك المركزي وجمعية المصارف والمؤسسات المالية وقصور العدل ومزاريب الهدر والفساد في المرافق العامة. كل عام وأنتم بخير، رفاقاً وأصدقاء من قطاع الشباب والطلاب ومجموعات شبابية أخرى، تقتحم المصارف وتقوم بفضح فساد إداراتها أمام الرأي العام ومنعها من سرقة أموال صغار المودعين وإجبارها على صرفها مع رواتب وأجور الموظفين المحتجزة لديها. كل عام والوطن بخير، ما دامت الانتفاضة بخير وما دام شعبنا مصمّماً على إنجاز مَهمّته التاريخية في فرض عملية التغيير رغم كل الصعوبات والحواجز، فلا شيء بعد اليوم قادرٌ على الوقوف بوجهه، فالانتفاضة لن تتراجع ولن يخرج المنتفضون من الشوارع والساحات إلّا وقد انتصرت إرادتهم وتطلّعاتهم في ولوج باب التغيير الحقيقي وفتح الطريق لقيام دولة وطنية مدنية وعلمانية وديمقراطية تستجيب لأحلام الشباب والشابات، لأحلام العمّال والأُجراء والموظفين والمزارعين، أحلام مختلف الشرائح الاجتماعية الدنيا والمتوسطة المُصمّمة على الخلاص من سلطة تحالف الرأسمال والريع وأمراء الطوائف، سلطة المحاصصة والإفقار والتجويع والتهجير. لن تعود عقارب الساعة إلى الوراء مهما أمعنت السلطة في محاولاتها اليائسة بضرب الانتفاضة بعدما حقّقت ما حقّقته من إنجازات على مستوى الوعي السياسي للقضية الوطنية والاجتماعية لدى شعبنا وفي فرض دورها بوصفها لاعباً سياسيّاً جديداً لم يعُد بالإمكان تجاوزه في الحياة السياسية اللبنانية.هناك زلزال سياسي أحدثته الانتفاضة، والجريمة الكبرى التي ترتكبها السلطة السياسية تكمن في رفضها الاعتراف بالواقع الجديد وفي الحد من حجم الخسائر والمخاطر التي تهدّد الوطن جرّاء هذه المكابرة. فهي ما زالت تتهرّب من تحمّل المسؤولية وتلقي بتبعات الانهيار المالي والنقدي على عاتق الأغلبية الساحقة من اللبنانيين وتهدّد كعادتها بأخذ البلاد إلى الفوضى والحرب الأهلية حفاظاً على مصالحها الطبقية وعلى ديمومة نظامها السياسي وتبعيّته إلى شبكة النظام الرأسمالي العالمي فهي: أوّلاً، لم تحقّق شيئاً لتاريخه من مطالب الانتفاضة على المستويات كافة رغم تسارع وتيرة الانهيار وتراجع تصنيف لبنان الائتماني حيث لم يبقَ سوى درجتين فقط لإعلان لبنان دولة مفلسة، فيما نراها في المقابل تخضع للتدخلات الخارجية والضغوط الأميركية المالية والنقدية، فتوافق بأطرافها كافة على الورقة المُسمّاة إصلاحية لمؤتمر «سيدر» التي ليست سوى المدخل للائحة المطالب الأميركية التي تفاوض حولها مع الموفدين الأميركيين، وكان آخرهم ديفيد هيل. وفي مقدمة هذه المطالب يأتي موضوع ثروتنا النفطية والغازية التي يمارس الأميركي ضغوطاته بهدف سرقتها مع العدو الصهيوني تحت غطاء ترسيم الحدود البحرية. وتطول لائحة المطالب في فرض توطين اللاجئين الفلسطينيين تنفيذاً لصفقة القرن، وفي منع عودة النازحين السوريّين لعرقلة الحل السياسي في سوريا، وفي ضرب موقع لبنان المقاوم للعدو الصهيوني وللمشروع الأميركي في المنطقة. هذا فضلاً عن المطالبة بالإفراج عن العميل عامر الفاخوري الذي قطعت حوله المفاوضات مع السلطة السياسية شوطاً بعيداً، بدل أن تعمد الأخيرة لإنزال حكم الإعدام به وبالخونة من أمثاله الذين تمّت إعادتهم إلى الوطن تحت مُسمّى «مبعدين»، وهم الذين تعاملوا مع العدو الصهيوني أثناء الاحتلال وقاموا باغتيال المقاومين وتعذيب الأسرى والمعتقلين. ثانياً، مضاعفة إجراءاتها في ضرب الانتفاضة عبر قطع الطرقات ووضع شارع بوجه شارع والحرق المتبادل للمراكز الحزبية السلطوية والاعتداءات على الساحات وإطلاق الشعارات المذهبية: شيعة، شيعة، وسنّة سنّة، واستخدام بدعة «الميثاقية» ونظرية «الرجل القوي» في مذهبه، واستخدام المؤسسات الدينية ومرجعيّاتها في الحياة السياسية والوصول إلى السلطة وإطلاق التهديدات واستخدام القمع المفرط ضد المعتصمين والمتظاهرين واعتقالهم وتعذيبهم. ثالثاً، استخدام الاستشارات النيابية والتكليف والتشكيل الحكومي عنواناً لأخذ المناخ السياسي بعيداً عن مطالب الانتفاضة والتغطية عليها بالشحن الطائفي والمذهبي، كي تصبح خلافات أطراف السلطة حول الموضوع الحكومي، تكليفاً وتشكيلاً ومحاصصةً، هي الأهم، وهي التي يجب أن تحتل الأولوية لدى الناس على حساب معاناتهم وفقرهم وجوعهم. فلا شيء تغيّر في طريقة التكليف وتسمية حسّان دياب رئيساً للحكومة، ومن دون معرفة رؤيته حول برنامج الحكومة ومواصفاتها. وما أعلنه عن تشكيل حكومة أخصائيين ومستقلّين يتناقض مع طبيعة الاستشارات التي يجريها، سواءً مع بعض المستوزرين ممّن يدّعون تمثيل الانتفاضة، والتي أعلنت الانتفاضة رفضها لهم، وسواءً في استشاراته مع أطراف السلطة التي قامت بتسميته وهي تتصارع اليوم وتتبادل التهم في ما بينها حول توزيع الحصص والتسميات والحقائب الوزارية. وفي ظل هذه الأجواء، يزداد الشحن الطائفي وشدّ العصب المذهبي ودعوات النزول إلى الشارع مطلع العام الجديد لوضع شارع ضدّ شارع تحت عنوان «سعد أو لا أحد»، بما يعيدنا إلى المربع الأول خدمةً لمصالح أطراف السلطة جميعها في ضرب الانتفاضة. لكلّ هذه الأسباب، كان موقفنا باعتبار تكليف حسان دياب رئيساً للحكومة لا يغيّر من موقفنا باستمرار الانتفاضة وتصعيد المواجهة الشعبية ضدّ هذه السلطة، في حين أصبحت عملية تغيير قواعد النظام السياسي الطائفي تعبّر اليوم عن حاجة موضوعية ماسة لمعالجة أزمة النظام الذي يتّجه نحو الاحتضار السياسي والاقتصادي وسط حال الشلل الذي يضرب مؤسّساته الدستورية كافّة. وهو ما يطرح أمام قوى التغيير الديمقراطي مهمة إنقاذ الانتفاضة التي دخلت شهرها الثالث، في حين ما زالت ترفض السلطة تحقيقَ مطالبها وتسعى لضربها وإخضاع المنتفضين لسلطة أمراء الطوائف ودفعهم للهجرة إلى الخارج تسهيلاً لإقامة أشكال من الفدراليات المذهبية بما يحاكي مشروع الشرق الأوسط الجديد. وهذه المهمة الإنقاذية تتطلّب تضافر كل الجهود للنجاح بوضع استراتيجية سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة الشعارات والأهداف والبرنامج ووسائل العمل، فيكون حدّها الأدنى إحداثَ خرقٍ في النظام السياسي الطائفي، وحدّها الأقصى تحويل الصيرورة الثورية للانتفاضة إلى ثورة سياسية واجتماعية تسقط النظام السياسي الطائفي بالكامل وسط تصاعد تداعيات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي وما سينتج عنه من حال الفقر والعوز والجوع وتفشي الجريمة والفوضى وانعدام النظام العام، حيث لن ينفع حينها حلّ المشكلة عن طريق توزيع المساعدات الغذائية والعينية من هذا الزعيم أو ذاك ولا من هيئات ومجموعات المساعدات الخيرية. إنّها مهمة تاريخية على قوى التغيير الديمقراطي أن تتحمّل مسؤولياتها وأن تسعى جاهدة لتجميع قواها خلف هذه الاستراتيجية بما يكفل تعديل ميزان القوى القادر على إنجاز هذه المهمة. هكذا نفهم القول بأنّ ما قبل 17 تشرين الأول ليس كما بعده. فانتفاضة الشعب اللبناني في 17 تشرين الأوّل هي عنوان الانتصار لمفهوم المقاومة الوطنية اللبنانية في 16 أيلول في التحرير والتغيير. وما يجمع 16 أيلول و17 تشرين الأول هو القضية الواحدة، قضية التحرّر الوطني والاجتماعي لشعبنا، الذي به يخوضُ صراعَه الطبقي ضد الاضطهاد الامبريالي من الخارج وضد الاستغلال الطبقي الذي تمارسه سلطة الرأسمال والريع من الداخل.

Image

لسنا رعايا طوائف ولا أهل ذمّة

بلغت عملية الاستشارات النيابية، التي كانت مقرّرة الاثنين الماضي، والتي تأجّلت مجدداً لفترة أسبوع، مرحلة خطيرة، ليس بمفاعيلها أو بسبب عدم إجرائها، بل لكونها دخلت، وبقوّة، في مهبّ المحاصّة الطائفية وبزار المزايدات المذهبية. وفي تطور مريب توقيتاً وشكلاً، خرجت من دار الفتوى تسمية مرشح لتأليف الحكومة بعينه، ضاربة بذلك عرض الحائط، بالدستور والطائف وبكل الأعراف، حتى ولو كانت شكلية، وواضعة، في الوقت نفسه، الحرم المذهبي على أي ترشيح آخر. إنّ هذا الأمر، ما هو إلّا استكمال للمنطق المتداول منذ الانتخابات النيابية الأخيرة، والقائم على مقولة "الأقوى في طائفته"، أي بمعنى أدق تحالف الأقوياء في طوائفهم وليس أيّ أحد آخر. وفي السياق ذاته، يندرج ما جاء به كلام مطران بيروت، حول التلميح، والذي هو أوضح من التصريح، بحقّ مكوّن سياسي في لبنان ومن زاوية استقدام عامل السلاح كمحدّد للثقل السياسي، والردود على تلك التصريحات، السياسية منها أو من المرجعيات الدينية، يُضاف إليهما السجال الحاصل حول أحقيّة القانون الكنسي على القانون المدني في قضايا، هي من صلب القانون الجزائي، وبخاصة أن القضية المشار إليها هي قضية تحرش بأطفال قصّار. وإذا أضفنا إلى تلك الأمور المذكورة تصاعد الخطاب الطائفي، الذي يستبطن إشاعة جوٍّ من إعادة الفرز في الشارع، فإن ذلك يعني، بأنّ الأوضاع في الأيام القادمة ستشهد على الأسوأ، وبأن القوى المتحكمة في القرار السياسي لجأت إلى سلاحها القاتل، وذلك من خلال استقدام الطوائف وجمهور المذاهب إلى ساحة المواجهة، تثقيلاً لمواقفها في عملية التفاوض في ما بينها، أو تصويباً عليهم أو على من سيكون معهم. إنّ هذا الأمر ينبئ بتصاعد الانقسام العمودي، وإعادة البلد إلى ساحات طوائفه ومذاهبه، بعدما أسقطت الانتفاضة الشعبية المتواصلة منذ أكثر من خمسين يوماً تلك الحالة، وأسّست لنمطٍ جديدٍ من الاعتراض، قائم على أساس القضايا والمطالب. وعليه فإنّ الأمور ستتّجه في الأيام القادمة إلى المزيد من التوتّر ربطاً بتلك المستجدات، وستشهد الساحات السياسية المزيد من الخطابات المزايدة في الحرص على حقوق الطوائف وزعاماتها، والتي ستكون دوماً تحت مسمّيات العيش المشترك. وعليه فإنّ الأمور ستذهب، من جانب قوى السلطة، نحو إيجاد المخرج الذي يثبّت هذه الحالة ويقوننها بطريقة ما للسير فيها. وستشهد الأيام والساعات القادمة المزيد من التشاور بين أطرافها، بهدف إبقاء الحالة الطائفية على ما هي عليه. من هنا نرى، بأنّ استخدام عامل الدين واستقدامه من قبل أصحاب الغبطة والسماحة والنيافة والفضيلة إلى مسرح الأحداث، مشاركين أو محرّضين، متّخذين المواقف إلى جانب مشاريع سياسية أو أطراف بعينها، ومسخّرين كل ما لديهم من إمكانيات ووسائل، ومستنفرين كل عدتهم وعديدهم للقضاء على أي أمل، ولو كان مفترضاً بإحداث تغيير سياسي أو اجتماعي، سيكون له الأثر الأكبر في منع البلد من الانتقال من دولة المزارع والرعايا إلى دولة وطنية مدنية يشعر فيها المواطن بالانتماء، وينال حقوقه المدنية والسياسية والاجتماعية. ليس أمام جمهور الشعب اللبناني، الرافض لكل تلك الممارسات والسياسات والسلوكيات التي خرج من أجلها إلى الشارع ولا يزال، إلّا الاستمرار في تلك المواجهة. فأيّ عملية تراجع اليوم ستُعطي للمنظومة الحاكمة مشروعية سياسية افتقدتها طوال هذه الفترة؛ فنزعُ الصفة الدستورية عن تلك المنظومة إجراءٌ يجب اللجوء إليه. لقد صادرت دورُ الطوائف وصروحها أدوارَ المجالس الرسمية ونصّبت نفسها في المكان الذي يقرّر من يكون الرئيس ومن هو المسؤول، وحرّمت ذلك وحلّلت ذاك. لقد سقط الطائف بشكلٍ نهائي، وما إكرام الميت إلّا دفنه، لذلك فلتكن الدعوة وبوضوح، إلى إنهاء هذا النظام السياسي القائم على المحاصّة الطائفية، ولإعادة تشكيل السلطة السياسية من جديد وعلى أساس مختلف، يمنع التدخلات فيها الداخلية منها أو الخارجية، من خلال كسر القيد الطائفي. وعلى ذلك فإن الإشهار بذلك الموقف يجب أن يكون في كل الساحات، صوتاً وقولاً وفعلاً واحداً. بالإضافة إلى العمل وبشكلٍ جاد لإنضاج مشروع سياسي بديل عن سلطة الطوائف وأمرائها. إنّ التعنّت و"الدلع" السياسي لبعض الأطراف من خلال وضع الشروط والشروط المضادة تحسيناً لموقعه، معطوف عليها استغلال دولي مشتبه فيه، هو أمر يجب التنبه له لأنه سيُدخل البلد في حالة من الفوضى الموصوفة والتي ستطيح بما تبقّى منه. وبناءً على ما تقدم، فإنّ تشخيص المشكلة ومسبّباتها وحصرها في مسبّبيها، من قوى سلطوية واقتصادية- مالية، تابعة ومرتهنة سيكون الأساس الذي سيُبنى عليه استمرار الانتفاضة وتفعيلها. إنّ وصول الوضع إلى هذا المستوى المتأزّم من التوتّر لا يُنذر إلّا باستنفار الطوائف وقواها مجتمعة لإعادة تمتين ركائز نظامها السياسي، الذي اهتزت بعض ركائزه خلال الفترة المنصرمة. إنّ الدفع باتّجاه بلورة خطاب سياسي واضح، وباتّجاه تقديم السياسي كأساس للمواجهة ربطاً بطبيعة النظام الحاكم، المتداخل فيه السياسي بالاقتصادي وبالاجتماعي من خلال الريع والفساد والمحسوبيّات وغيرها من عدة إخضاع الشعب اللبناني بلقمة عيشه ومستقبل أولاده، لدفعه إلى الولاء الأعمى، يتطلب منّا جرأة باتجاه قول الأمور بأسمائها، من دون أي اعتبار لأي قضية، وطرح ذلك على كل من يشاركنا الرأي لنسير معاً في هذا الاتجاه؛ فالمسؤولية الكاملة في كل ما وصلنا إليه تتحمله، إذن، المنظومة السياسية بأدائها وسياساتها الاقتصادية، المفرطة في الليبرالية، المعتمدة على الاستدانة وبفوائد عالية جداً من دون ربطها بمقتضيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتي في صلبها ومعها، بلغ الفساد مستويات غير مسبوقة. لقد أصبحت هذه المعادلة التي حكمت لبنان منذ الطائف وحتى اليوم خطراً واقعاً على البلاد والنظام، هذا ما يشكل المقدمة لولادة وعي جديد لدى فئات اجتماعية واسعة، يقوم على ضرورة تغيير عميق في بنية الاقتصاد اللبناني باتّجاه تحويله إلى اقتصادٍ منتج، واستعادة أو إنتاج دور وظيفي ربطاً بحاجات الإقليم، وهذا سيشكل أساساً لتحالف واسع. ومن المفيد الإشارة هنا، بأنّ على الانتفاضة الشعبية إدراك هذه الضرورة، كي تتحول، من حالة الاحتجاج إلى مشروع سلطة وإلى اجتراح مخرج حقيقي وتاريخي لأزمة لبنان البنيوية والمتجذرة منذ نشأة الكيان. إنّ تعقيدات الداخل وتطورات الخارج، وبالتّحديد ما يجري في المنطقة، تربك الحسابات المتناقضة لقوى السلطة وتبدّل منطلقاتها. فأي من تلك المنطلقات يمكنها أن تشكل قاعدة اتفاق في ما بينها؟ لا أحسب أنّ ثمة جواباً حاسماً عن هذا السؤال عند أيّ فريقٍ من أفرقاء معادلة التسوية الأخيرة. فجميعهم ينظرون إلى الموضوع من زاوية التركيبة الداخلية للنظام السياسي، وهنا، بالنسبة إليهم، الرؤية أكثر وضوحاً؛ فهناك مصالح مشتركة يمكن أنْ تشكّل قاعدةَ أمانٍ لحكمٍ، أطرافه راضون عنه، وعلى ذلك هم فريق واحد. وأيضاً ينظرون من زاوية قضايا المنطقة، وبالتحديد المرتبطة منها بالصراع الدائر وحسابات أطرافه، وهنا تبدو الرؤية مغشاة حدّ العمى، وبذلك يتكوّن الانفصام الواضح في الخطاب السياسي لتلك المنظومة السياسية والاقتصادية-المالية. فبين التحذير، من قبل بعض أطراف السلطة، من التدخلات الغربية على خطّ الانتفاضة ومن خلال قوى سلطوية، وبين النقاش في الشأن الداخلي الدائر اليوم حول كيفية إعادة إنتاج التسوية التي كانت قائمة والاستماتة في إعادتها بهدف إعادة تثبيت السلطة، يكمن التناقض الأساس، ما جعل خطة التشويش على الشيء الإيجابي المحقق اليوم في الشارع، تكون من خلال التشكيك والتخوين واستدراج التوتر المذهبي والطائفي والمناطقي وهذا ما يحصل اليوم. إنّ ذلك يتطلب بناء النقيض، والذي لا يجب أن يكون محلّ مراوحة أو محطّ استمهال، بل أن يتقدّم، وبمشروع واضح يقدم نفسه من خلاله؛ مشروع يجسّد تطلعات الشعب اللبناني المنتفض في كل الساحات وآماله في بناء وطن على قدر التضحيات التي قُدمت. هناك خطوات جدّية في هذا الاتجاه: الصمود في الساحات هو مطلوب، الوضوح في الموقف هو أساس، والبرنامج السياسي للخروج من الأزمة يجب أن يُعلن ومن أصحابه الحقيقيين، والذين هم في الشوارع منذ أكثر من خمسين يوماً. في النهاية، ولأخذ العلم فقط، نحن مواطنون ولسنا رعايا طوائف ومذاهب وأهل ذمّة عند من يصادرون أمر السماء وأمر الأرض.

Image

تحديات الانتفاضة وتسارع الانهيار

أربعون يوماً والانتفاضة الشعبية مستمرّة، والسلطة السياسية بأطرافها عموماً لم تُقدِم حتى تاريخه على تشكيل حكومة، أية حكومة، لا تكنوقراط ولا تكنوسياسية، ولا حكومة أكثرية. وحتى تاريخه، لم تتجاوب السلطة مع مطالب الانتفاضة بالانخراط فوراً في طريق الإصلاح وإعادة تكوين قواعد السلطة. كما أنّها، بتجاهلها لانتقال الأزمة الاقتصادية والمالية من مرحلة بدايات الانهيار إلى مرحلة الذروة فيها وسط عدم وجود أية حكومة، تحاول نفض يدها والتنصّل من مسؤوليّتها المباشرة عن الجريمة الوطنية الكبرى المتمثّلة في كارثة الانهيار المالي والنقدي الذي يعرّض اللبنانيين للإفقار والبطالة وصولاً إلى المجاعة. إنّ السلطة، بفعلتها هذه، تعمل من دون تردّد على إلقاء تبعات النتائج الاقتصادية والاجتماعية المدمّرة على عاتق الأغلبية الساحقة من اللبنانيين، ولا سيّما الفقراء منهم، فتضعهم بشكل قسري أمام خيارين أساسيّين: إما الخضوع لسياساتها أو تعميم الفوضى المحفوفة بالعودة إلى زمن النزاعات الأهلية المدمّرة. وتستقوي السلطة في الحالتين بتبعية نظامها السياسي الطائفي للخارج الذي تعود له الكلمة الفصل في تعيين رؤساء الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي وكل ما يعود لحيثيّات "الحرية والسيادة والاستقلال". وهذا بالتحديد ما نشهده اليوم من خلال ما يتسرّب من معطيات ومؤشرات عبر قنوات التفاوض مع الطرف الأميركي، على تشكيل حكومة تكنوسياسية تخضع لمواصفاته وتوجيهاته وتعيد تجديد النظام الطائفي المحتضر، بدلاً من الاستجابة لمطالب الانتفاضة الشعبية وطرق أبواب الإصلاح السياسي الذي هو المدخل الفعلي لأيّ إصلاح اقتصادي أو مالي يمكن البناء عليه. هذا مع العلم أنّ تسليم الأوراق للطرف الأميركي، والغربي عموماً، يأتي في الوقت الذي يتراجع فيه نفوذ هذه القوى في المنطقة العربية وخصوصاً في لبنان. إنّ رفض السلطة السياسية اللبنانية تشكيل حكومة انتقالية، وطنية من خارج منظومتها الحاكمة، وبصلاحيات استثنائية بما في ذلك صلاحية التشريع، يثير قلقاً كبيراً في صفوف اللبنانيين حول عدم استرجاع المال والأملاك العامة المنهوبة وعلى عملية إلقاء تبعات الأزمة الاقتصادية والمالية على الفئات الاجتماعية المسحوقة. وهذا القلق المشروع يعود إلى أنّه من غير المعقول أن تشرّع هذه السلطة قوانين ضدّ مصالحها السياسية والطبقية، وتكشف بشفافية عن المكامن الملموسة لفسادها، الأمر الذي سوف يحمّلها المسؤولية الأساسية عن تفجّر المحنة الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل راهناً كاهل الشعب اللبناني. ويأتي في الإطار ذاته، ما دأبت عليه بعض قوى "المعارضة" السلطوية التي تركب موجة الانتفاضة للتهرّب من تحمّل مسؤولياتها عن الأزمة وارتباطاً بأجنداتها الخارجية، إلى اعتماد اسلوب قطع الطرقات، مدركة أضراره في هذه الظروف على الانتفاضة لجهة حرفها عن أهدافها الوطنية والاجتماعية، بوضع شارع في وجه شارع آخر الذي سرعان ما استجاب وأطلق التهديدات على المنتفضين التي طالت المقاومين في محافظتي الجنوب وبعلبك-الهرمل الذين لم يقطعوا لا طريقاً ولا زاروباً حيث تمّ الاعتداء (المُدان) عليهم في ساحة المطران في بعلبك وساحة الحرية (دوار العلم) في صور وحرق خيمهم للمرة الثانية، في رسالة واضحة إلى الشعب اللبناني مفادها الآتي: "اختاروا أيها اللبنانيون إمّا الموت غير المباشر جوعاً او الموت المباشر قتلاً بالفتنة"، وهو الأمر الذي لطالما دأبت عليه تاريخياً الأطراف المتنفّذة داخل هذه السلطة كلّما تهدّدت مصالحها السياسية والطبقية في مواجهات شعبية كبرى. تلك هي بوصلة الانتفاضة في تجاوز هذه التحديات مقدّمين أحرّ التعازي إلى عائلتيْ شهداء الوطن الذين سقطوا على طريق الجية حسين شلهوب وسناء الجندي. مثل هذا السلوك السلطوي هو الذي يجرّ البلاد دونما شكّ نحو الفوضى ويفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية وازدياد الضغوط الأميركية السافرة والمُدانة، بحسب ما تشير إليه يوماً بعد يوم بيانات السفارة الأميركية والتصريحات المتكرّرة للمسؤولين الأميركيين، وآخرهم فيلتمان، والتي تستوجب المزيد من التصدّي الشعبي لها وإطلاق كل المبادرات المتاحة ضدّها بمختلف أشكال وأساليب الشجب والاستنكار. وهذه التدخلات مرشّحة للتصاعد طالما بقيت السلطة مفتقدة لاستقلاليّة قرارها السيادي، الأمر الذي يتيح لتلك التدخلات توظيف ما يحصل من تطورات في لبنان في خدمة مشاريعها العدوانية المعادية لمصالح الشعب اللبناني ومصالح شعوبنا العربية. وهذا ما ينطوي على أخطار ينبغي التصدّي لها ولأدواتها الداخلية من قِبل كل القوى الديمقراطية والهيئات واللجان الشعبية المنخرطة في الانتفاضة.أربعون يوماً مضت على الانتفاضة الشعبية، والسلطة لم تحرّك ساكناً لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية التي انتقلت مظاهرها من مرحلة بدايات الانهيار باتّجاه مرحلة الذروة فيها. وتهدف السلطة من خلال تجاهلها للواقع الاقتصادي والاجتماعي المأساوي، إلى إرباك الانتفاضة وضربها واجتثاث ما حملته من معانٍ ودلالات عميقة سوف تبقى راسخة في الحاضر والمستقبل. أمّا أبرز مظاهر التسارع في هذا الانهيار فتتمثّل في الآتي: • بلوغ تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار ( دولار مقابل 2000 ل.ل) والحبل على الجرار، ما يعني تهديد القوة الشرائية للرواتب والأجور والتعويضات ومعاشات التقاعد، حيث لم يعد بالإمكان توفير الحاجات الضرورية للعاملين الذين يتقاضون مداخيل بالليرة اللبنانية. • اتساع ظاهرة الفقر والعوز والجوع لا سيّما لدى المُعطّلين عن العمل والمهمشين الذين بالأساس لا أجور أو مداخيل لديهم إضافة إلى المياومين وعموم المواطنين الذين يفتقدون إلى الضمانات الاجتماعية. • ازدياد خطر تبخّر قيمة تعويضات صندوق نهاية الخدمة في الضمان الاجتماعي وسائر الصناديق الضامنة، لا سيّما إذا ما تم إقرار مشروع قانون ضمان الشيخوخة الحالي الذي لا تزال معظم مرتكزاته موضع جدل وتباين. • احتمال التوقف عن دفع أجور العاملين في المصانع والمتاجر والمؤسسات بسبب الإقفال والصرف الكيفي. • ازدياد القيود المنفذة في المصارف على الودائع والتحويلات، حيث يعجز أصحابها عن سحبها أو الحصول عليها أو تحويلها كما يريدون لتسيير أعمالهم وصرف أجور موظفيهم جراء تفرد المصارف في تقرير العلاقة مع المودعين والمقترضين بمعزل عن الدولة، كما هو واقع الحال راهناً. • وصول تأثير الانهيار المالي إلى السلع والمواد الأساسية المستوردة بالدولار من الخارج نتيجة القيود المفروضة على التحويلات بالدولار، حيث أنّ بعض السلع بدأت تُفقَد من الأسواق والمستشفيات أعلنت أنّ احتياطاتها من المعدات الطبية تتضاءل بشكل سريع. • التصاعد المريع في معدلات البطالة والارتفاع غير المسبوق في الديون المشكوك في تحصيلها من المؤسسات المتعثرة والمفلسة. • تفاقم مشكلة السكن جراء تحرير جزء كبير من عقود الإيجارات بالدولار في حين أنّ أجور ومداخيل معظم المستأجرين هي بالليرة، مع تسجيل ندرة متزايدة للدولار الأميركي في الأسواق المحلية. إن العجز المتمادي للسلطة السياسية عن فرض الآليات والاجراءات التي يجب القيام بها لفرض التعامل بالليرة اللبنانية – بدلا من الدولار - في عمليات الشراء والبيع في الأسواق الداخلية، وسط استمرار عدم الاستقرار في أسعار الصرف.إزاء ما يحصل على المسارات كافة، فإنّ قوى الانتفاضة مطالبة بالانتقال إلى مرحلة تصعيدية جديدة، بدءاً من توسيع دائرة الحوار المتعلق بالانتفاضة الذي استهلّته الورشة الحوارية حول المرحلة الانتقالية وبرنامجها، مروراً بتوسيع وبلورة إطار المواجهة الشعبية وتصعيد أشكالها، ضمن خطة تحركات تصعيدية متدرجة وصولاً إلى إعلان العصيان المدني. وهذا يشمل أيضاً التوجّه إلى المتضررين -الذين دفعوا ويدفعون وسيدفعون أكثر فأكثر تكاليف الانهيار فقراً وبطالة وهجرة- كي يشبكوا الأيادي ويوحّدوا الصفوف منعاً للفوضى والفتنة ووقوفاً بوجه التدخلات الخارجية وأدواتها السلطوية وحيتان المال، وكذلك بوجه محاولات بيع ما تبقّى من مؤسسات للدولة تحت شعار كاذب ومخادع هو تنفيذ ما يُسمّى "الورقة الإصلاحية"، مع ما تتضمّنه من خصخصة للمرفأ والمطار والاتصالات والمرافئ وشركة طيران الشرق الأوسط والكازينو وغيرها وتعميم التعاقد الوظيفي وضرب نظام التقاعد. إنّ أية حكومة يُراد تشكيلها يجب أن لا تعيد إنتاج السلطة السياسية عينها ما سيزيد الأزمة السياسية والاجتماعية تفاقماً بينما المطلوب حكومة انتقالية وطنية قادرة على التصدّي للتدخلات الخارجية والضغوط الأميركية وتقديم حلول ملموسة لكلّ ما تقدّم من مخاطر حول مظاهر الانهيار المالي والنقدي والاجتماعي، وفي أولوية برنامجها مسألتان أساسيّتان: أوّلاً، رؤيتها لبرنامج المرحلة الانتقالية، وفي مقدّمها: إقرار قانون للانتخابات النيابية على أساس النسبية وخارج القيد الطائفي (المادة 22 من الدستور)؛ وتحديد طرق استرداد الأموال العامة المنهوبة؛ وتأسيس نظام ضريبي تصاعدي يطال المداخيل والأرباح والثروات والريوع الكبيرة؛ وابتداع إجراءات مفصلية تتيح إعادة هيكلة مكوّنات القطاع العام، لا سيّما المؤسسات العامة والمصالح المستقلة. ثانياً، معالجة مظاهر الانهيار المالي والنقدي بما يؤمّن الحماية الاجتماعية بشكل أساسي للعمال والأجراء والموظفين والفئات الدنيا الفقيرة والمتوسطة، ليُصار إلى تركيز الإجراءات على الفئات التي استفادت بالدرجة الأولى من سياسات الحكم واستحوذت على الريوع والفوائد والأرباح وشاركت في نهب المال العام.  

Image

المرحلة الانتقالية: الرؤية والبرنامج

تحيّة إكبار إلى المنتفضين والرفاق جميعاً، المتواجدين في الشوارع والساحات ليل نهار على امتداد مساحة الوطن طيلة شهر بكامله، وهم يصنعون وحدتهم بكرامتهم ودفاعهم عن رغيف خبزهم وحريتهم. وهم واثقون في قدرتهم على تحقيق أحلام شعبهم وآماله وطموحاته، ويتقدّمون بشجاعة وثبات قلّ نظيرهما، لا يهابون اعتداءً ولا بلطجةً سلطوية وميليشياوية، وتحت هدير أصوات حناجرهم يبزغ فجرٌ جديدٌ لطالما انتظرناه مع "أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهداً". هم المقاومون الوطنيون الذين حرّروا الأرض من العدو الصهيوني، ويتابعون اليوم مسيرة تحرير اللبنانيين من الطائفية والمذهبية وتحرير المال والأملاك العامة المنهوبة من قبل تحالف الزعامات الطائفية وحيتان المال والمحتكرين وأصحاب الريوع على مدى ثلاثين عاماً. مقاومتهم كانت وما تزال فعلَ تحرّرٍ وطنيّ واجتماعي، ويتجلّى فيها ومن خلالها الصراع الطبقي ضدّ النظام السياسي الطائفي وتبعيته للرأس المال المعولم ومنظماته الدولية التي لم تدخل بلداً إلّا وأفلسته بغرض إخضاعه للشروط السياسية للامبريالية ومشاريعها العدوانية في لبنان والمنطقة.انطلاقاً من ذلك كانت إدانتنا ومواجهتنا لقرار موافقة الحكومة اللبنانية المستقيلة على ورقتها المُسمّاة إصلاحية وعلى مقررات سيدر، التي تقضي ببيع ما تبقّى من مؤسسات عامة وخصخصتها استجابةً للضغوط الأميركية على لبنان، وهي ضغوط لم تترك باباً إلّا وطرقته لإخضاع بلدنا عبر فرض القيود على تحويلات اللبنانيين وتعميم العقوبات الاستنسابية على المصارف والشركات اللبنانية والأفراد، إلى جانب تصعيد الخطاب السياسي الأميركي الرسمي وكذلك تقييمات مؤسسات تصنيف المخاطر ضدّ الاستقرار النقدي والمالي للبلد. وقد جاء انصياع أطراف الحكومة المستقيلة لهذه الضغوط ليكشف طبيعة السلطة السياسية المتنفّذة التي لم تحقق هدفها في منع الحريري من الاستقالة، فبادر هذه الأخير إلى الاستقالة تحت ضغط الانتفاضة بالأساس، بينما كان المطلوب أن يتحمّل القسط الأكبر من مسؤولية الأزمة السياسية والاقتصادية – الاجتماعية المتفاقمة. إن الانتفاضة حدثٌ تاريخيّ يعبّر بشكل ساطع عن رفض الشعب اللبناني للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المسدود الأفق الذي وصلت إليه البلاد، وهي الترجمة العملية للاعتراض الشعبي غير المسبوق على سياسات التحالف السلطوي المتمسك بنظام الفساد والزبائنية والمحاصصة الطبقية والطائفية.وتكمن الأهمية التاريخية الأولى لهذه الانتفاضة في طابعها الوطني العابر للطوائف والمذاهب والمناطق، ممّا يعكس القفزة النوعية المتحقّقة على مستوى الوعي لدى فئات شعبية واسعة لطالما استكانت للاصطفاف الطائفي ظنّاً منها أنّ هذا الاصطفاف يؤمّن لها الحماية الاجتماعية، فإذ بهذه الفئات تكتشف اليوم زيفَ هذا الظّن، فتنتفض في الشارع مُحمّلةً السلطة السياسية مسؤولية الأزمة.إنّ هذه القفزة النوعية في الوعي الجماهيري أصبحت مرشّحة للاتّساع أكثر فأكثر في المستقبل القريب، لأنّ النظام الطائفي كان يستمد قوته السياسية عبر "فتات" الخدمات التحاصصية والزبائنية المتنوّعة التي كان يشتري بواسطتها الولاء من جانب أتباعه. وقد بات هذا النظام في الظروف الراهنة عاجزاً عن الاضطلاع بوظيفته هذه بعدما تقلّصت، بل سدّت، قنوات تدفق رؤوس الأموال من الخارج. ممّا يعني بدء انهيار النظام الزبائني، واتجاه زعماء الطوائف أكثر فأكثر نحو القمع والاعتداء على المتظاهرين الذين كانوا يخرجون بعد كل اعتداءٍ أكثر قوّة وعزيمة وتصميماً على إجراء تغيير في السلطة السياسية التي انعدمت ثقة الشعب فيها وباتت مكشوفةً أمامه.لقد تجاوزت جماهير المنتفضين ولاءاتها الضيّقة لزعماء الطوائف والمذاهب، فتحرّر خطابها وكسرت قيود التفكير السائد، وواصلت انتفاضتها وتمسكها بمطالبها معتبرة استقالة الحريري استقالة للحكومة بكل أطرافها السياسية. وقد وجدت في رفع العلم اللبناني ما يوحّدها ويعبّر عن انتمائها الوطني اللاطائفي، الأمر الذي انعكس في كثافة حضورها ومشاركتها النشيطة في الندوات والتظاهرات والاعتصامات، يحدوها الأمل في التغيير الديمقراطي.أمّا الأهمية التاريخية الثانية للانتفاضة، فتكمن في كونها انتفاضة اجتماعية تشارك فيها شرائح واسعة من العمال والأجراء والمُعطّلين عن العمل والمُهمّشين وسائر الفئات المدينية والريفية التي سحقتها الأزمة، مطالبةً بفرص العمل والمياه والكهرباء وسوى ذلك من حقوق. ويحتل الشباب والطلاب، وبخاصة النساء والشابات والطالبات، دوراً مميّزاً، حيث تتقدّم عشرات الآلاف منهن الصفوف في طرح تطلعات الانتفاضة نحو تفكيك نظام الهيمنة الذكورية والتمرّد على إحكام السلطة قبضتها على إدارات المدارس والجامعات والإدارات والمؤسسات العامة الخاصة والدينية. وهذا الحضور النسائي الهام جدّاً في الانتفاضة، جعل من الاعتداء عليهنّ تحديداً مدعاة للخزي والعار للسلطة وميليشياتها الطائفية.لقد أرست الانتفاضة موازين قوى جديدة اجتماعية وسياسية في البلاد، ولكن محصلتها الراهنة لم تتوصّل حتى الآن إلى تحقيق الهدف الأساسي لها في إعادة تكوين مرتكزات السلطة السياسية، وهو ما يستوجب الإعداد للدخول في مرحلة انتقالية يكون هدفها الحفاظ على إنجازات الانتفاضة وتثبيت ميزان القوى الذي أحدثته والعمل على تحسينه بشكل دائم.ويفرض هذا الواقع على قوى التغيير الديمقراطي الاضطلاع بدورها في هذه المرحلة الانتقالية عبر إجراء حوار مشترك- بات ملحّا - حول رؤيتها وبرنامج عملها المرحلي وصولاً إلى بلورة تيار ديمقراطي للتغيير، كأداة لتجميع وحشد الطاقات وترجمتها الفعلية في موازين القوى المستجدّة التي نشأت بفعل الانتفاضة، والعمل على البناء عليها للانتقال بلبنان من مسار سياسي اقتصادي واجتماعي أوصل البلد إلى الانهيار، إلى مسار آخر يفتح الطريق للعبور من دولة المحاصصة الطائفية إلى الدولة الوطنية المدنية والديمقراطية. إنّ مهام المرحلة الانتقالية تقضي باستكمال خوض وتطوير هذه المواجهة من أجل إعادة تكوين السلطة السياسية باعتبارها المهمة الأساس، فضلاً عن مواجهة الضغوط والتدخلات الأميركية والفرنسية التي بتنا نسمعها يوميا من خلال تصريحات وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، وزيارة الموفد الفرنسي، والتي لا بد من إدانتها، رفضاً للتدخلات الامبريالية في شؤون لبنان الداخلية، وقطعاً للطريق على محاولات استثمارها في عملية توظيف الانتفاضة لصالح المشاريع العدوانية ضدّ لبنان ومقاومته. وأبرز مهام المرحلة يكون من خلال ألآتي:- تشكيل حكومة انتقالية وطنية ذات صلاحيات استثنائية ولمدة محددة من خارج المنظومة السياسية الحاكمة، على أن تعمل بشفافية كاملة تحت رقابة الانتفاضة والشعب اللبناني عموماً.وتتركّز مهمّات هذه الحكومة بشكل أساسي على: إجراء انتخابات نيابية مبكرة خارج القيد الطائفي استناداً إلى الدستور اللبناني (المادة 22)، واتخاذ كل الإجراءات المطلوبة لاستعادة المال والأملاك العامة المنهوبة، وإعادة هيكلة النظام الضريبي وبنيان الإنفاق العام. أمّا من يطالب بحكومة تكنوقراط فهو يطالب عمليّاً بخبراء يعرفون كيف ينفذون تقنيّاً مقررات سيدر والورقة المسماة إصلاحية، مع الاستجابة – سواء العلنية أو الضمنية - للشروط السياسية الاميركية.- مواصلة الانتفاضة طيلة المرحلة الانتقالية، باعتبارها انتفاضة للتغيير السياسي، أما طرح المطالب فيجب أن يهدف لتعديل موازين القوى، مع اعتماد أساليب تحرّك متنوعة تركز بالأولوية على حقوق العمال والأجراء والشباب والفئات الاجتماعية الأكثر فقراً وحاجة وبما يتناسب مع الظروف والتطورات المستجدة، بغية تعزيز الاحتضان الشعبي للتغيير المنشود.- إنشاء هيئات على المستويين الوطني والمحلي لدعم الانتفاضة والمساهمة في الرقابة على أعمال الحكومة، على أن تتشكل من الفاعليات والهيئات الممثلة لمختلف قطاعات المجتمع المؤيدة للانتفاضة. بالإضافة إلى تشكيل منابر متعددة من أصحاب الاختصاص تقوم بتقديم الاقتراحات والدراسات التي تساعد الانتفاضة على تطوير عملها للمشاركة في أعمال الرقابة على إداء الحكومة (منبر اقتصادي ومالي، واجتماعي، وحقوقي، وتربوي، وصحي، وعمالي، وإعلامي...).- إعطاء الأولوية للانخراط في بناء حركة نقابية مستقلة تحت صيغ تتجمع فيها وحولها كل المكونات والأطر النقابية المستقلة، لتدافع عن مصالح القطاعات كافة، بمن فيهم المُعطّلون عن العمل والمكتومون والمياومون والعمال وسائر الموظفين والأجراء وأصحاب الدخل المحدود. إن المرحلة الانتقالية المقبلة ستكون محكومة بشكل رئيسي بمسارات ثلاثة، تصعيد الانتفاضة وتشكيل الحكومة ومواجهة خطر الانهيار المالي والنقدي. ويرتدي موضوع تصعيد الانتفاضة وتنظيمها الأهمية القصوى في مواجهة مخاطر المسارين الآخرين، لذا يجب إعطاؤها كل الاهتمام لقطع دابر محاولة الالتفاف على إنجازاتها. فلا ثقة في حكومة تعيد إنتاج السلطة السياسية الفاسدة والمنحازة إلى حيتان المال والريع، ولذلك لا بد من التحضير لتصعيد الانتفاضة سيّما اذا ما حصل الانهيار المالي والنقدي الذي قد ينضوي على احتمالات عدّة حسب بعض الخبراء، وأهمّها: - احتمال تسارع انخفاض سعر صرف الليرة تجاه الدولار، وهذا يعني في الفرضية المذكورة زيادة غير مسبوقة في أسعار الاستهلاك وتكاليف المعيشة، وانخفاضا الى نحو النصف في القوة الشرائية للمداخيل والأجور والتعويضات والمعاشات التقاعدية في الفترة المذكورة (وهذه تطال غالبية اللبنانيين، لا سيّما العمال والمتقاعدين وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى فضلاً عن جيش الفقراء والشباب والمتعطلين عن العمل).- احتمال انفجار الأزمة في المصارف بالتزامن مع توقف الدولة عن سداد ديونها (وسداد خدمة الدين، لا سيّما على سندات اليوروبوندز)، مما قد يحتّم اللجوء إلى عملية تصفية جزء من قيمة الأموال المودعة في هذه المصارف، و/أو إلى تصفية جزء من قيمة رؤوس الأموال الخاصة بالمصارف. ولا يمكن التكهّن منذ الآن بالأشكال التي قد ترتديها تصفية الودائع. إنّ كل هذه المخاطر يجب أن تحفّز القوى الديمقراطية والهيئات النقابية المستقلة على تحمل المسؤولية التاريخية بحيث تتولّى الإعداد لمواجهة مرحلة "الآتي الأعظم"، لتتمكّن الانتفاضة من كسر موازين القوى السائدة واستكمال تحقيق عملية التغيير المنشودة.    

Image

أية خطة مواجهة، ولأية أهداف؟

يعيش لبنان أزمة خطيرة على المستوى المالي والنقدي لم يسبق أن وصل إليها من قبل، نتيجة بنية نظامنا السياسي وتبعيته، واقتصاده الريعي وارتهان أطرافه السلطوية لقوى الرأسمال المعولم وسياساته. يكفي القول أن ديون الدولة وصلت إلى مئة مليار دولار، والبنك المركزي لم يعُد قادراً كما في السابق على التحكّم بسعر صرف الليرة اللبنانية، والمصارف عاجزة عن الاستمرار في إقراض الدولة بما تحتاجه لشراء مستورداتها بالدولار الأميركي كما درجت العادة منذ تسعينيات القرن الماضي بعد أن تراجع نمو ودائعها بالدولار الأميركي من نسبة (13– 14) % إلى حدود (3 - 4) %. عند هذه المحطة، دخلت البلاد بدايات الانهيار المالي والنقدي وهو ما كنّا نحذّر منه على مدى سنوات وسنوات والذي تتحمّل مسؤوليتة السلطة السياسية عبر حكوماتها ومجالسها النيابية المتعاقبة.اليوم تعترف هذه السلطة السياسية بالأزمة لكنها لا تزال تتمسك بنمط اقتصادها الريعي الذي أثبت فشله، فتستمر في سياساتها بتحميل أعبائها على الطبقة العاملة وعلى الشرائح الاجتماعية المتضرّرة، من خلال الاستمرار في سياسة الاستدانة وزيادة الفوائد وخدمة الدين العام وفرض الضرائب غير المباشرة على العمال وأصحاب الدخل المحدود وبخاصة الضريبة على القيمة المضافة ورفع فاتورة الكهرباء والمحروقات وبيع مؤسسات الدولة وخصخصتها، فضلاً عن تجميد الرواتب والأجور التي تتآكل قوتها الشرائية ويدفع تكاليفها كلّ من يتقاضى بالليرة اللبنانية من خلال فلتان الأسعار ورفع سعر الصرف للدولار الأميركي وإلغاء تغطية الدولة لنظام التقاعد عبر تحويله إلى نظام الرسملة القائم على الادخار في المصارف وضرب حقوق المتقاعدين والذي يترافق مع ضرب حقوق المستأجرين وتخفيض اعتمادات الخدمات الصحية والاستشفائية والتعليمية والتنموية وسوى ذلك. هكذا تمعن السلطة السياسية في تضليل اللبنانيين مدّعية أن هذه الإجراءات هي بنود إصلاحية بينما هي في حقيقة الأمر بنود مؤتمر سيدر المشتقة من بنود مؤتمرات باريس 1 و2 و3 والتي ساهمت في زيادة الدين العام من ملياري دولار في مستهلّ التسعينيات إلى 100 مليار دولار راهناً، وفي زيادة معدلات البطالة والهجرة والفقر وعدم المساواة.إنها بنود مطلوبة لقاء حفنة من الدولارات الموعودة من سيدر (12 مليار دولار على مدى عشر سنوات) من أجل شراء الوقت، التي لا حاجة لنا لها في ما لو تم اللجوء فقط إلى مكافحة التهرّب الضريبي الذي يؤمّن 12 مليار دولار للسنوات عينها. إن الاستمرار بتنفيذ إجراءات سيدر هو فعليّاً عملية تنفيذ لشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تشكّل الأذرع المالية والاقتصادية للامبريالية الأميركية، التي من خلالها تمارس الأخيرة ضغوطات السيطرة على السياسات الاقتصادية – الاجتماعية للدول، وما الموافقة عليها من قبل الحكومة اللبنانية إلّا خضوع لهذه الضغوط وارتهان لها وتعميق لتبعية نظامنا السياسي، فهذه الإجراءات ستزيد الدين العام وخدمته عبر القروض التي سيدفعها شعبنامن جهة، كما سيترتب عليه من جهة ثانية، تحمّل أعباء مالية إضافية جراء رفع الضريبة على القيمة المضافة وزيادة أسعار المحروقات ورفع فاتورة الكهرباء وترسيخ التعاقد الوظيفي وبيع المرافق العامة للدولة وخصخصتها بأبخس الأثمان، بما يخدم مصالح الاحتكارات ويمهّد الطريق أمام زيادة تعريفات هذه الخدمات. من هنا نعتبر أن مواجهة مقررات سيدر هي في آن معاً، مواجهة مباشرة للضغوط الأميركية، وهو ما يستوجب العمل على إسقاط بنودها الواردة في موازنة العام 2020، دفاعاً عن حقوق الطبقة العاملة وحقوق سائر الشرائح الاجتماعية التي يجري الانقضاض عليها وتصفيتها، وتحريراً لكلّ هذه الفئات المتضررة من نظام التبعية للرأسمال المعولم ومن السلطة السياسية المرتهنة له التي التزمت تنفيذ هذه البنود. لقد بدأت مواجهتنا للأزمة الاقتصادية – الاجتماعية، مع مبادرة الحزب بدعوته للتظاهر قبل تشكيل الحكومة في 16 كانون الأول من العام الماضي تحت شعار "إلى الشارع ".... للإنقاذ بمواجهة سياسات الانهيار، وتتالت خطوات التحرّك من اجل تغيير السياسات الاقتصادية – الاجتماعية والغاء إجراءات مؤتمر سيدر الواردة في موازنة العام 2019. وفي محصلة هذه المواجهة، تمكّنت التحركات الشعبية والنقابية من منع إقرار بعض هذه البنود ومن تخفيض قيمة ما تمّ إقراره منها، أما اليوم ومع استمرار السلطة السياسية في هجمتها والتنصّل في تحمّل مسؤولياتها بدون أي تغيير في سياساتها الاقتصادية والمالية، فهذا يعني أن كلّ البنود الإجرائية في مؤتمر سيدر التي لم تقرّ في موازنة العام 2019، ستعمد على إقرارها في موازنة العام 2020. أمام هذا الواقع وبعد أن دخلنا بدايات الانهيار، فإن استكمال المواجهة يستوجب تغيير شعارها باتجاه: "ان لا إنقاذ بدون تغيير، ولا تغيير بدون مواجهة هذه السلطة السياسية والعمل على إسقاطها".. فحلول الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية هي حلول سياسية، والتغيير السياسي لن يصنعه هذا التحالف السلطوي الذي أوصلنا إلى ما نعيشه من خراب عظيم، إنما تصنعه القوى الاجتماعية المتضررة: عمالاً وأجراء ومزارعين ومتعطلين عن العمل ومياومين، وشباباً وطلاباً، ومستأجرين وسائقين وحرفيين، وسائر الفئات المهمّشة والمعرّضة للإقصاء، ومعهم الفئات الدنيا والمتوسطة من الموظفين والأساتذة والمعلمين والمتعاقدين والمتقاعدين. إن فرصة لبنان الوحيدة باتت تتجسّد اليوم في هذا التحدّي أي في انخراط جميع المتضرّرين في حركة شعبية تملأ الشوارع، بل تحتلها، وتكون محصّنة بإرادة صلبة وبعزم كفاحي يسمو على العصبيات المذهبية والطائفية الضيّقة.من هنا أهمية التجمّعات والاعتصامات والتظاهرات التي حصلت تحت وطأة الأزمة الاجتماعية في العديد من المناطق اللبنانية يومي الأحد الماضيين، والتي جاءت بفعل مبادرات شبابية وشعبية شاركنا بها بشكل أو بآخر، التي وإن تعدّدت شعاراتها والجهات التي حاولت الدخول إليها واستخدامها، لكنها لا تلغي حقيقتها الساطعة، باعتبارها تعبيراً صادقا وعفوياً عن معاناتها من حال الفقر والعوز الذي تعيشه، وإعلاناً واضحاً عن موقفها في تحميل السلطة السياسية مسؤوليتها السياسية عن تردّي أوضاعها المعيشية، والمشهد المخزي، أنه بدل أن تقوم السلطة السياسية بمحاكمة الفاسدين، تقوم بقمع المتظاهرين المطالبين بمحاكمة الفاسدين، الأمر الذي يدعونا إلى رفض وإدانة كلّ محاولات وإجراءات قمع الحريات العامة التي تقوم بها السلطة السياسية لمنع المواطنين من حرية التعبير والتظاهر رفضاً لسياسة إفقارهم وتهجيرهم والمس بكرامتهم وحرمانهم من لقمة عيشهم، فإلى استكمال المواجهة ضمن خطة تصعيدية متدرّجة بمختلف أشكال التحرك، وإلى إطلاق كلّ المبادرات السياسية والقطاعية والمناطقية، والمشاركة في كلّ النشاطات والتحركات الشعبية، ووضع القضية الاقتصادية – الاجتماعية في إطارها المطلوب كقضية سياسية تحت شعار سياسي واضح: "لا إنقاذ بدون تغيير، ولا تغيير بدون إسقاط السلطة السياسية"، مع ما يستتبع ذلك من مندرجات بناء الدولة الوطنية الديمقراطية: إقرار قانون انتخابات نيابية قائم على النسبية خارج القيد الطائفي والدائرة الانتخابية الواحدة وقانون وطني للأحزاب السياسية يلغي مقوّماتها الطائفية والمذهبية، وقانون موحّد للأحوال الشخصيّة ومحاربة الفساد السياسي، وسنّ التشريعات الضرورية لمكافحته بكلّ أوجهه، وملاحقة المرتكبين ومحاكمتهم وإصلاح القضاء وتدعيم استقلاليته، وإعادة بناء إدارات الدولة وأجهزتها ومؤسّساتها لتأمين احتياجات المواطن وحقوقه الأساسية في الحصول على الخدمات العامة بعيداً عن الاعتبارات الطائفية والمصلحية والزبائنية الضيّقة. وكذلك تصعيد المواجهة المباشرة على مستوى الأزمة المالية والنقدية نقابياً وشعبياً تحت شعار: استرجاع المال العام المنهوب ورفع السرية المصرفية عن كلّ الذين تولّوا مسؤولية الشأن العام وإسقاط بنود سيدر ومندرجاته في موازنة العام 2020، وتعديل النظام الضريبي بشكل تصاعدي ليطال أصحاب الثروات والريوع المصرفية والعقارية للحدّ من تركّز الثروة والدخل مع إلغاء الاعفاءات الضريبية لشركات الهولدينغ وشركة سوليدير وكذلك "الإعفاءات التأجيرية" الممنوحة للكثير من مستخدمي أملاك الدولة. وإلغاء صناديق الهدر والفساد والمحاصصة وحماية القوة الشرائية لليرة اللبنانية باعتماد السلم المتحرّك للأجور وزيادة الحدّ الأدنى للأجور، ودعم التحركات والمطالب النقابية المحقّة لكافة الشرائح الاجتماعية. فإلى توسيع دائرة المواجهة بكل الوسائل المتاحة كي تصبح القضية الاقتصادية – الاجتماعية من أولويات الحياة السياسية في لبنان ولنعمل معاً لتعبئة وتكتيل أوسع القوى الاجتماعية والشعبية المتضرّرة من الأزمة، وتأطيرها ضمن برنامج موحّد سياسي – اقتصادي واجتماعي واضح الأهداف، للتمكّن عبرها من خلق موازين قوى قادرة على فرض التغيير السياسي المطلوب، منطلقين مما توصّلنا إليه من خطوات على صعيد الحراك الشعبي، والذي ينبغي العمل على تطويره وتوسيعه مركزيّاً ومناطقيّاً وقطاعيّاً، وبالانفتاح على قوى أخرى من خارجه، انطلاقاً من تقييم التجربة السابقة، ومن عناوين برنامجية لا بدّ من بلورتها كي تشكّل قاعدة مشتركة للعمل في المرحلة المقبلة.

Image
الصفحة 1 من 3

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل