حين يروي الصمت تاريخ النصر - شهادات من وحي سيرة مازن عبود في ذكراه الرابعة
في فجر الأول من نوفمبر عام 1958، حين كانت بيروت تفتح عينيها على ضوء خجول يتسلل بين الجدران العتيقة، وفي زقاق ضيق من أزقة عين المريسة حيث تتعانق الحجارة وتتشابك حكايات الفقراء، ولد طفل صغير أسموه عبد الكريم حسين عبود. لم يكن أحد يعلم، في تلك اللحظة البسيطة التي فتح فيها المولود عينيه على ضوء المدينة المتردد، أنه سيكون يوماً "مازن"... أسطورة ترويها الأزقة، وقبساً يضيء دروب المقاومة، واسمٌ يتردد في مجالس الرفاق بعد أن يغيب عنهم، كأنه نجم لا يُرى في النهار لكنه يضيء الليل كله. كان ابن عائلة جنوبية نزحت من بلدة عنقون في قضاء صيدا، هاربة من الفقر والتهميش والبطالة في أواخر الخمسينيات، لتستقر في أزقة عين المريسة الضيقة. وهناك، حيث تسحق الطائفية أحلام المعدمين، وحيث يتسلط الأقوياء على المستضعفين، رأى مازن بعينيه كيف يصنع الذل، وكيف تباع الضمائر في أسواق السياسة الرخيصة، وكيف يُقسّم الناس إلى طوائف كأنهم سلع في سوق، كلما ارتفع ثمن طائفة انخفضت قيمة إنسان. تعلم باكراً أن الحياة ليست أنفاساً تتردد في الصدر، بل كفاح يومي من أجل الخبز والكرامة. تعلم أن الفقر لا دين له ولا طائفة، وأن جوع الطفل المسيحي لا يختلف عن جوع الطفل المسلم، وأن بكاء الأمهات يتحد بلغة واحدة لا تحتاج إلى ترجمان. وحال ضيق اليد دون مواصلة تعليمه، فراح يعمل مع والده، إلى أن ابتدأت الحرب الأهلية من بيروت نفسها، التي شهدت منطقة عين المريسة وجوارها أعنف جولاتها في ما سمي حينها "معركة الفنادق".