الصين وقضايا العام التجارية والاقتصادية

أظهرت جولات النزاع والمفاوضات بين الصين والولايات المتحدة الأميركية أنّ تدابير واشنطن زادت من الشكوك حول جدوى تلك المفاوضات بين البلدين. كانت الصين تأمل أن تدرك الولايات المتحدة العواقب السلبية لإجراءاتها وتتخذ الخطوات اللازمة لتصحيحها في الوقت المناسب. لكنّ ترامب اعتبر أنّ خسائر الطرف الصيني تتجلّى بكون 50% من الشركات العالمية تتأثر بأيّ قرار أميركي، وأكّد ذلك المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية، قاو فنغ. هذا الأمر لم يلحق الضرر بمصالح المستهلكين الصينيين والأميركيين وشركات البلدين فحسب، بل طال أمن القطاعات الصناعية والتجارية العالمية. وقد تأثرت سلباً خمس ولايات أميركية، على الأقل، بسبب تداعيات قرارات ترامب، ومنها تينيسي وساوث كارولينا وكنتاكي، نظرا لأنّ جزءاً وازناً من الناتج المحلي الإجمالي فيها يأتي من التجارة مع الصين. فكانت الرسالة العلنية التي أصدرتها 150 جمعية أميركية لمعارضة الحرب التجارية، كذلك الدعوة من قبل 80 جمعية حول أضرار "الرسوم الجمركية بالداخل الأمريكي". وكان لدى الصين الثقة والقدرة والوسائل للحفاظ على التنمية المطّردة والصحية للاقتصاد الصيني، فانخفضت ممتلكات الصين من سندات الخزانة الأميركية إلى 1171 تريليون دولار، ومع ذلك ظلّت الصين أكبر حامل لسندات الخزانة الأميركية (اليابان ثاني أكبر دولة تمتلك سندات الخزانة الأمريكية بعد الصين). تراجعت أقسام من سوق التجارة الخارجية لكنّ مؤشرات النمو الصيني واصلت الارتفاع بنجاح اعتماداً على الاستهلاك والاستثمار الداخلي. في حين أجبر ترامب دول العالم على دفع ثمن ارتفاع العجز التجاري الأميركي إلى 9.6% ملامساً أرقامه القياسية. فقد أشارت التقارير إلى أنّ تراجع صادرات فول الصويا والطائرات المدنية وغيرها أدى إلى اتّساع العجز التجاري الأميركي. وأظهرت البيانات أنّ التجارة أثقلت النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة ليصل مجموع العجز التجاري فيها خلال الأشهر السبعة الأولى من العام المنصرم إلى نحو 338 مليار دولار. فعاد راعي البقر إلى طباعه غير المهذبة محتجزاً أصول وأمانات تمتلكها دول وشركات ضارباً بعرض الحائط استقرار دولٍ ادّعى لعقودٍ أنّه صديقٌ لها مثل لبنان ومصر وكوريا الجنوبية ودول أخرى أوروبية ولاتينية. وكانت قد قدمت الاستثمارات الصينية للولايات المتحدة أكثر من مئتي ألف وظيفة لأميركيين في الصين، بالإضافة إلى استثمار 1500 شركة صينية بأكثر من 120 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي، مقدمةً بذلك أكثر من مليون وظيفة في الولايات المتحدة. فضلاً عن هذا، فتحت الصين أسواقها تدريجيّاً أمام المنتجات والخدمات الأميركية فى كل الصناعات تقريباً. وقد نمت الشركات الأميركية بشكل كبير فى الصين واستمرّت فى الاستفادة من نموّ الصين والطبقة المتوسطة فيها، ممّا يظهر سوء نيّة ترامب وانعدام إخلاصه. رغم كل المنازعات القائمة بينهما، توصّلت كلّ من الصين والولايات المتحدة إلى اتفاق أوّلي في المجالين الاقتصادي والتجاري على مبدأ المساواة والاحترام المتبادل. ومن أهم البنود المتفق عليها حقوق الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا والمنتجات الغذائية والزراعية والخدمات المالية وسعر الصرف والشفافية وتوسيع نطاق التجارة والتقييم الثنائي وتسوية النزاعات، وضمان أن يمثّل الاتفاق صيغةً نهائية لا يمكن المساس بها لاحقاً. كما توصل الجانبان، بحسب تلفزيون الصين المركزي، إلى توافق يقضي بتنفيذ الجانب الأميركي التزاماته بشأن الإنهاء التدريجي للرسوم الجمركية الإضافية على المنتجات الصينية، كخطوة في سبيل التحوّل من زيادة الرسوم الإضافية نحو خفضها. وهذا ما يؤكد صوابية موقف بكين منذ الجولة الأولى لهذا النزاع؛ أنّه على عاتق أكبر اقتصادين في العالم، التعامل في موضوع العلاقات الاقتصادية والتجارية على أساس مصلحة العالم أجمع، فضلاً عن المصالح الأساسية لشعبي البلدين. يأتي هذا الاتفاق "عيدية" ما بين رأس السنة الميلادية ورأس السنة الصينية وتأكيداً لمسار الصين باتجاه الإصلاح والانفتاح وتعزيز التنمية الاقتصادية عالية الجودة. وذلك من شأنه المساعدة على تعزيز وحماية الحقوق والمصالح المشروعة لجميع الشركات الأجنبية العاملة في الصين والصينية التي تتعامل مع الولايات المتحدة في ظل ظروف يعاني فيها الاقتصاد العالمي من ضغوط وتراجع، لتأتي هذه "العيدية"  فتسهم في تعزيز واستقرار السوق العالمية، شرط التزام الجانبين بنصوص الاتفاقية. لم يأت الحل الوسط إلّا بما تحدّثت عنه الصين منذ بداية الأزمة أي من خلال الحوار والتفاوض. انتصرت الصين  لأنّها واصلت الدفاع عن حقوقها ومصالحها بقوة وهدوء متماشية مع نفسها في سياق سياسة الإصلاح والإنفتاح وهي العارفة بحِيَل الطرف الآخر وترفض أن يكون هو الخصم والحكم.

Image

صفقة القرن تطل برأسها من جديد

في ظل التطوّرات والأحداث العاصفة في المنطقة، التي تشهدها بلداننا العربية، وفي خضمّ بحرٍ إقليمي هائج، قد يقتلع ويغير أنظمة سياسية قائمة، لينجلي المشهد السياسي عن ولادة أنظمة بديلة، من العراق إلى ليبيا، فاليمن وسوريا ولبنان. يجري السؤال، وعلى وقع تطوّر الأحداث المتسارع، عن مغزى استقالة المندوب الأميركي للرئيس ترامب، في صفقة القرن، واستبداله بمندوب آخر، سيبدأ جولته، بعد الانتخابات المزعم إجراؤها في الكيان الصهيوني، لإعادة إحياء هذه الصفقة. هذه الجولة ستقوده إلى البلدان العربية، التي أعلنت موافقتها سابقاً على صفقة القرن، مثل دول الخليج، وعلى رأسهم السعودية، مروراً بمصر والأردن، ويتزامن ذلك مع تصريح نتنياهو بمناسبة قرب البدء بضخّ الغاز من فلسطين المحتلة إلى مصر، قال فيه "لقد أقمنا تحالفاً استراتيجيّاً مع دول شرقي المتوسط وبلدان عربية، لحفظ أمن واستقرار المنطقة"! في مقلبٍ آخر، تشهد المنطقة معاركَ ملتهبةً، وصراعاً عنيفاً ضدّ التواجد الأميركي في العراق من قبل المنتفضين في العراق، بالإضافة إلى قضايا اجتماعية اقتصادية ضدّ الفساد الحكومي المالي والإداري، والوضع المعيشي المزري لدولة هي الرابعة في إنتاج النفط. وتصاعد حدّة المعارك في اليمن وسوريا، ودخول الدبلوماسية الروسية بقوة على خط الوساطة في ليبيا، بين الفريق حبتر ورئيس حكومة الوفاق الوطني فايز سراج، لتعويض الخسارة التي لحقت بها في ليبيا والعراق، ولإنهاء معركة تحرير إدلب في سوريا، وبذلك تضمن روسيا مصالحها، بدخولها إلى المياه الدافئة، وهو حلم روسيا الكبير، على حدّ تعبير امبراطورة روسيا كاترين الثانية منذ قرنين من الزمن. في خضمّ الأحداث هذه وعلى وقع الانتفاضات الشعبية، والمرشّحة للتصعيد، يبرز السؤال عن موقع القضية الفلسطينية، وصفقة القرن، في حسابات كلّ الأطراف، الإقليمية والدولية على حدٍّ سواء. والسؤال الأهم، ما هي خطة واستراتيجية السلطة الفلسطينية، والقيادة الرسمية على صعيد المواجهة لحركة الإدارة الأميركية عبر ممثّلها الجديد، وحثّه على العمل بوتائرَ أسرع، لإنضاج صفقة القرن؟ في حين سبق وأعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وقوفه إلى جانب السعودية، في أيّ نزاع اقليمي، ويعني صراحة ضدّ محور المقاومة والممانعة، وبالتحديد إيران، ممّا يعني أنّ الأمر محسومٌ لديه، بأنّ الصراعَ العربي - الإسرائيلي، قد استبدل عنده أيضاً بالصراع العربي- الفارسي، وهو الخطاب الرسمي للولايات المتحدة الأميركية وأدواتها، بدءاً من العدو الصهيوني وصولاً إلى الأنظمة الرجعية العربية، مروراً بنظامي كامب دايفيد ووادي عربة، ويمكن ضم اتفاق أوسلو لصاحبه وعرّابه الأوّل رئيس السلطة الفلسطينية. وبالتالي اختزال القضية الفلسطينية، وإلحاقها بمحورالرجعية العربية بقيادة السعودية، المموّل الأساسي لصفقة القرن. في هذا السياق، يتحرّك ترامب وإدارته، ويستعد لاندفاعةٍ جديدة، لإحياء مشروع صفقة القرن، والسير به قدماً، لأنّ ذلك يتماهى مع المشروع الأميركي الصهيوني، الذي يهدف إلى تقسيم المنطقة ودولها إلى دويلات متناحرة وعلى أساس عرقي وطائفي وديني، تحتلّ فيه دولة الاحتلال الموقع الريادي، كدولة يهودية. كذلك يتماشى مع المنظومة الفكرية القائمة على الميثولوجية والخرافات المثالية الغيبية، التي يعتنقها ترامب ألا وهي عقيدة المسيحية الصهيونية، التي تؤمن بـ"أنّ إعادة وتجميع اليهود في فلسطين، وقيام الدولة اليهودية، يعجل بالعودة الثانية للمسيح، وسيقيم دولته (المسيحية) التي ستمتد إلى ألف عام". وفي هذا الإطار جرى الدعم الكامل للكيان الصهيوني من قبل ترامب، لعملية التهويد الشاملة للقدس والمدن الفلسطينية بيت لحم والخليل، والاعتراف بالمستوطنات الصهيونية غير الشرعية. وذهب ترامب أبعد من ذلك عبر الاعتراف بضم الجولان وغور الأردن وساحل البحر الميت، إلى الكيان الصهيوني، والدولة اليهودية التي يجري اصطناعها وبنائها، في أكبر عملية تزوير وتحريف لتاريخ وجغرافيا المنطقة. إنّ المسافة بين الشعب الفلسطيني وسلطته، بدأت تتّسع وتتعمق، والرهان فقط على انتفاضة الشعب الفلسطيني، الذي يقاوم اليوم، والذي أسقط عمليّاً اتفاق أوسلو ويعمل على دفنه، وسيسقط صفقة القرن التي تعود لتطل برأسها بثوب جديد، وحلّة أميركية جديدة، عبر مبعوث أميركي متصهين جديد.

Image

ترامب يعاقب الجامعات الأميركية التي تتبنّى مقاطعة "إسرائيل"

حملت صفقة القرن، منذ انطلاقتها في مؤتمر الرياض في أيار عام 2017 بدعوة من السعودية وحضور أكثر من خمسين دولة عربية وإسلامية، والذي كان عرّابها ترامب وصهره كوشنير، شعارَ قيام تحالف إقليمي في المنطقة ضدّ الخطر الايراني المزعوم. في حين أنّ الغاية الرئيسية المبطنة، تصفيةُ القضية الفلسطينية، لإنهاء مسألة الصراع العربي- الإسرائيلي، وتأمين التفوّق الأمني والسيطرة العسكرية للكيان الغاصب. وتلعب دولة الاحتلال الغاصبة دوراً فاعلاً ومحرّكاً أساسيّاً، في عملية درء هذا الخطر الداهم المتمثل بإيران كما تمّ تصويره، على الأنظمة الرجعية العربية والإسلامية وخاصة الخليجية منها. وتتلخّص استراتيجية العدو الصهيوني بالعمل على مسارين. الأوّل، بالتفاوض مع منظمة التحرير سرّاً، وبحال تمّ الاتفاق مع الفلسطينيين تنطلق بعدها إلى سائر البلدان العربية. وإمّا بالاتفاق مع البلدان العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية وبسلة واحدة ومجتمعة، لتنتهي بذلك القضية الفلسطينية، ويجري التطبيع معاً. كل ذلك حدث برعاية أميركية حيث اعتبرت منظمةُ التحرير الإدارةَ الأميركية هي الراعي الوحيد للمفاوضات. ولنفس الغاية عُقِد عام 1991 مؤتمر مدريد الذي حضرته الدول العربية بعد أن تمّ سحب قرار الأمم المتحدة باعتبار الصهيونية الوجه الآخر للنازية، بطلب من العدو الصهيوني كبادرة حسن نية، ولمّا لم يفضِ مؤتمر مدريد إلى شيء، في حين أنّ المفاوضات السرية نجحت بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني في أوسلو، فكان الاتفاق المشؤوم الذي شهدنا على مفاعيله وتداعياته الكارثية. بعد الاتفاق مع الجانب الفلسطيني، وهم أصحاب القضية والمعنيّون الأساسيّون بها، انطلق العدو الصهيوني في اندفاعته للتطبيع مع دول عربية وفي مقدمتها الدول الخليجية، واستهلّها بالأردن لينضم بذلك إلى مصر.استنفد الاحتلال الغاصب كلّ مفاعيل اتفاق أوسلو، وراوغ وتملّص من استحقاق الحلول الدائمة، على مدى أكثر من 25 عاماً. جاءت صفقة القرن، حيث انتقل العدو الصهيوني والإدارة الأميركية إلى استراتيجية جديدة، عنوانها صفقة ترامب - نتنياهو التي تهدف إلى تصفية القضية عبر التطبيع مع العدو الصهيوني والفرض على الفلسطينيين، ما يقدّم لهم: إمّا حكم ذاتي وإدارة محلية أو الوصاية المصرية لغزة والأردنية في الضفة أي كونفدرالية، مع إقامة إمارة غزة بعد اقتطاع جزء من صحراء سيناء وضمّه إليها، وإغداق الأموال على الضفة والدول العربية المجاورة بحصص متفاوتة لتجنيس فلسطينيّي الشتات. الإدارة الأميركية وتصريحات وقرارات ترامب التي كادت أن تكون أسبوعية، تهدف إلى إزالة المعوّقات أمام الإعلان الرسمي أو السياسي للصفقة، وبالتالي لتنفيذها في أسرع وقت، ولا سيّما أنّ الاستحقاق الانتخابي للرئاسة الاميركية بات على الأبواب. وإذا كان الكونغرس قد رفض إعطاء ترامب مبلغ 184 مليون دولار ثمن التغطية الدبلوماسية للصفقة كما أسماها، إلّا أنّنا نعرف أنّه سيتوجّه إلى السعودية لضمان الحصول على المبلغ المذكور، خاصة وأّنّها عرّاب هذه الصفقة.وفي هذا الإطار أيضاً، أصدر قراراً تنفيذيّاً يقضي بقطع المساعدات المالية ومعاقبة الجامعات الأميركية التي تنتقد الصهيونية أو ما يُسمى "دولة اسرائيل"، واعتبارها معاداة للسامية حسب زعمه، أمّا الغاية من هذا القرار فهو التضييق على الطلاب العرب والفلسطينيين والمنظمات والحركات الشبابية والطلابية التي تدعم الشعب الفلسطيني وتؤيّد حقوقه ضدّ السياسات العنصرية التي ينتهجها العدو الغاصب. ناهيك عن قرارات أخرى سابقة، من الاعتراف بالقدس عاصمة ولدولة يهودية، وتشريع كل المستوطنات الصهيونية التي قامت على الأراضي الفلسطينية، وصولاً إلى قرار الاعتراف بضمّ الجولان السوري المحتل، وزاد عليه نتنياهو بطلب ضم غور الأردن وساحل البحر الميت. الشعب الفلسطيني وفي اليوم العالمي للتضامن مع حقوقه، وبفضل نضاله وانتفاضته المجيدة، انتزع بالدم والكفاحية، عدّة قرارات من الشرعية الدولية والأمم المتحدة، كقضية حق تقرير المصير، والتأكيد على حق العودة، وتفويض وكالة الغوث والتمديد لها، والأهم من ذلك اعتبار القدس جزءاً لا يتجزّأ من الأرض الفلسطينية المحتلة، ناهيك عن بطلان قرار ضمّ الجولان إلى الكيان الصهيوني. إلّا أنّ المعركة مع العدو الغاصب شرسةٌ ومستمرة، وليس أمام الشعب الفلسطيني سوى متابعة النضال والاستمرار بالانتفاضة حتى تحقيق كل أمانيه وتطلّعاته وعلى رأسها تحرير فلسطين، كل فلسطين.

Image

انتخابات الرئاسة الجزائرية والانتفاضة الشعبية

تبدو خيارات الحراك الجزائري قليلة أمام نتائج الانتخابات الرئاسية التي أفرزت رئيساً يعتبر الابن البار لنظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. وقف الرئيس الجديد عبد المجيد تبون وأشاد بالمظاهرات المناوئة للحكومة وتعهّد فور انتخابه بالعمل على توحيد صفوف الجزائريين وصياغة دستور جديد للبلاد يعتمد على تمكين الشباب من السلطة. إلّا أنّ عشرات الآلاف من المحتجّين نزلوا بقوة إلى الشارع مطالبين بعدم عودة كافة رموز نظام الرئيس السابق عبد العزيز بو تفليقة ما يعني اعتبار الرئيس من هذه الرموز. اتّسمت العملية الانتخاية في الجزائر، التي تشهد شوارعها حراكاً معارضاً للسياسات الحاكمة منذ ما بعد سنوات الظلام الإرهابي، بعدم الإقبال الكثيف ومعارضة واسعة رفضت نتائج هذه الانتخابات واعتبرتها مزوّرة ولا تمثّل الشارع الجزائري المنتفض. وتتّخذ انتخابات الجزائر أهمية خاصة لا تتجذّر من كونها بلاد المليون شهيد وقبلة الثوار العرب ضدّ الاحتلال والاستعمار، بل لكون تاريخها الجمهوري منذ استقلالها تخبّطَ ومرَّ بمخاضات عسيرة كادت تطيح بالشكل العصري والديمقراطي للدولة. وقد أمعنت جبهة التحرير الوطني الجزائري في ما يُسمّى تحصين ثورتها ولاحقاً سلطتها، حتّى أضحت نسخة عن نظيراتها الأنظمة القمعية في البلاد العربية وفي شمال إفريقيا تحديداً حيث جارتها مصر، بلاد المئة مليون مواطن، يقودها نظامٌ ديكتاتوري قمعي على رأسه قائد واحد ومن ورائه جيش يحكم بقبضة من حديد. لعلّ تململ الشعب الجزائري الحر وانتفاضته على الطريقة القمعية والبيروقراطية لسير مؤسسات الحكم التي أرستها جبهة التحرير الوطني الجزائري وأنتجت تحكّمَ طبقة من الكمبرادور بثروات ومصادر دخل البلاد وخلقت هوّة بين الريف والمدينة بسبب المركزية الشديدة في أسلوب عمل الحكومات والتطبيقات القانونية لعمل الوزارات والإدارات العامة. وقد ساهم هذا التململ وانعدام العدالة في توزيع الثروات والهوّة الكبيرة في مصادر الدخل في انفجار الوضع الأمني في أواخر التسعينيّات، ممّا أدخل البلاد في نفقٍ مظلمٍ كان نتيجته رعبٌ يوميّ للأبرياء ومواجهة بين سلطة قمعية لكن بوجه مدني وبين فصائل الجبهة الإسلامية للإنقاذ بمختلف أطيافها واتخاذها مبدأ الاسلام الجهادي والذي أنتج بدوره تمرّداً مسلّحاً وإرهاباً متنقلاً بين جميع محافظات البلاد على اتّساعها. تصرّفت جبهة التحرير التي تسلّم أفرادها الحكم والإدارات العامة منذ استقلال البلاد حتى اليوم على طريقة المحتل في إدارة شؤون بلاده فاعتمدت تطبيق القوانين الوضعية الفرنسية التي جنحت في كثير من الأحيان إلى تجاهل القيم المجتمعية والدينية تحديداً للشعب الجزائري الذي يدين بالاسلام، في حين أنّ الشعب بأكثريته وخصوصاً الأجيال التي تلت التحرير ولم تغادر الجزائر وكبرت بمعظمها في الريف والأطراف حيث تقصير الدولة وخدماتها فاضحٌ وغياب الثقافة الاشتراكية والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة جنح بالفئات المهمشة إلى الوقوع في براثن الحركات السياسية والجهادية الاسلامية. ليس بنافل القول إنّ تعنّت أهل الحكم وقتها عبر رفض التسليم بنتائج الانتخابات النيابية عام 1989 وإلغائها رغم فوز الجبهة الاسلامية للإنقاذ وقتها وعلى رأسها عباس مدني بأكثرية ساحقة. تلك كانت البداية لسنوات الظلام التي عاشتها البلاد طيلة عشر سنوات أو ما يعرف بالعشرية السوداء. حصل الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون على 58.5% من إجمالي عدد أصوات الناخبين الذين لم تتعدَ نسبتهم تسعة وثلاثين في المئة أو أكثر بقليل. هو الرئيس الثامن لبلد المليون شهيد وتم انتخابه على خلفية اضطرار الرئيس السابق للجمهورية عبد العزيز بو تفليقة للاستقالة بعد اندلاع حراك شعبي واحتجاجات ضدّه في جميع انحاء البلاد. تبون البالغ من العمر أربعة وسبعين عاماً كان في صفوف جبهة التحرير أيضاً كحال كل رؤساء الجمهورية السابقين منذ الاستقلال وهو رئيس سابق للحكومة الجزائرية، إلّا أنّه ترشح مستقلاً هذه المرة. وتأتي نتائج الانتخابات الرئاسية هذه المرة بتبون وسط إقبال شعبي هزيل على التصويت واستمرت الاحتجاجات الرافضة للانتخابات عند الأسبوع الثالث والأربعين للحراك وعلى وقع مطالبات الشارع بالتغيير. يطرح ما تقدّم أسئلة جوهرية حول حقيقة استقلالية موقف الرئيس الجديد وتحرّره من كاهل وارث الجبهة المتحكم بمفاصل الإدارة في البلاد منذ تحرّرها في حين أكّد الرئيس الجديد ترشّحه حراً وليس بصفته مرشحاً للجبهة. لربما حقيقة أنّ تبون هو الابن البار من صلب النظام الجزائري هي ما تجعل الحراك مصرّاً على التغيير أكثر من ذي قبل حتى بعد الانتخاب في الثالث عشر من الجاري. تقلّب تبون في مختلف المناصب في الدولة قبل وصوله إلى رئاسة الحكومة وهو ثاني أعلى منصب في الدولة الجزائرية. وتبرز تحديات كبرى إزاء العملية الديمقراطية الاضطرارية التي أرست حقبة جديدة تشهد اضطرابات تتعلق بمعارضة سياسيات الحزب الحاكم، أبرزها نجاعة إعادة انتاج نموذج الحكم السابق الذي أثبت فشله وأدّى إلى انفجارات عدة آخرها الحراك الشعبي المستمر وضريبة إصلاحات بنيوية في اقتصاد وسياسة بلاد تجاورها تونس التي تسعى جاهدة إلى إرساء نموذج جديد ديمقراطي في ظل تحديات جمّة وليبيا التي تعاني جاهدة للتخلص من المفاضلة بين مطرقة الوهابية وسندان حكم المشير خليفة حفتر. لا شكّ أنّ المرحلة المقبلة تحمل في طيّاتها تحديات جديدة للحكم الجديد وللحراك المنتظر منه أن يتجذّر وأن ينتج بديلاً ديمقراطيّاً ليذهب بالبلاد إلى مرحلة جديدة من البناء والعدالة الاجتماعية بمعزل عن ترسبات تاريخ البلاد وقادتها.

Image

الشعوب تنتفض ضدّ أنظمة الإفقار والفساد والنهب الإمبريالي

يشهد العالم اليوم انتفاضات شعبية عارمة في العديد من البلدان، وبخاصة في أميركا اللاتينية ومنطقتنا العربية. فالبلدان التي ارتبط تكوين اقتصاداتها بعامل السيطرة الخارجية، والتبعية لمراكز الرأسمال العالمي، هي الأكثر إيلاماً وتأثراً بالأزمة الرأسمالية، التي تعمل مواقعها الأقوى، لتصديرها إلى المدى العالمي. وكما أنّ تطوّر الرأسمالية في المركز، حصل نتيجة الاستغلال الطبقي الشديد داخليّاً، ونهب ثروات الشعوب وعرقها خارجيّاً، تجري اليوم محاولات ترميم أزمتها، بمزيد من الاستغلال ونهب الشعوب. ولا تستثني في ذلك أيّ وسيلة، من العدوان والتدخّل المباشر، إلى الضغوط والعقوبات الاقتصادية والمالية وغيرها... وليست الليبرالية الجديدة، التي تعتمدها الرأسمالية في المرحلة الراهنة، سوى الشكل الذي يتيح استغلالاً واستتباعاً أكبر، للبلدان الضعيفة التطوّر، وحرمان شعوبها من حقّها في التحرّر الاجتماعي والوطني. وهذا ما أدّى إلى ظاهرة تفجّر الانتفاضات الشعبية في بقاعٍ مختلفة من العالم، وإلى اتّخاذها طابعاً تصادميّاً مع الطبقات السلطوية داخليّاً، والرأسمالية العالمية وقمتها الامبريالية الأميركية، خارجيّاً. ومع الأخذ بالاعتبار ظروف وخصوصيّات كل من هذه البلدان، فإنّ ما يجري في لبنان وبلدان عربية أخرى، يحمل الكثير من الشبه بما يجري في بلدان أميركا اللاتينية. تشيليفي تشيلي التي يبلغ عدد سكانها 18 مليون نسمة، كان السبب المباشر لاندلاع الغضبة الشعبية فيها في 8 تشرين الثاني الماضي، زيادة سعر بطاقة المترو. لكن الظروف الاجتماعية ـ الاقتصادية، الصعبة والتفاوت الاجتماعي الناجم عن السياسة الليبرالية الجديدة، والحالة المعيشية بالنسبة للعمال والكادحين والفئات الوسطى، جعلت الاضرابات والاعتصامات في الشوارع تستمر منذ أكثر من شهرين، وبمشاركة أوساط شعبية عديدة منها النساء والشباب وجماهير السكان الأصليين. ورغم اضطرار رئيس تشيلي اليميني سيباستيان بينييرا، إلى تعليق الزيادة المذكورة، ووعده بتدابير اجتماعية، فإن الشباب والشابات يصرّون على بقائهم في حراكهم الاحتجاجي. والشعارات الأساسية المرفوعة هي ضد القمع، وإلغاء تركة الديكتاتور بينوشيه، والدخول في مرحلة جديدة بمنحى حل القضية الاجتماعية ـ الاقتصادية في البلاد.والمعروف أنّ الانقلاب العسكري الدموي على الرئيس الأسبق سلفادور الليندي، الذي جرى بتخطيط من المخابرات المركزية الأميركية، قد قام من خلال سلطة الدكتاتور بينوشيه عبر فتح الباب لشراء السلاح من الكيان الصهيوني، وتغيير موقف تشيلي من مساند للشعب الفلسطيني، إلى الوقوف مع "إسرائيل"، وبالتالي تشجيع، حكومات أخرى في تلك القارة، للعلاقة مع العدو الصهيوني وتغلغل الشبكات الصهيونية ودورها بالتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية CIA)). ومع أنّ السلطة اليمينية في تشيلي أقدمت على فرض حالة طوارئ في مواجهة الوثبة الشعبية الكبيرة، فإنّ التظاهرات الشعبية وقطع الطرقات يستمر في الشارع، رافعة المطالب الاجتماعية والديمقراطية ضدّ السلطة. الإكوادورتتواصل في الإكوادور انتفاضةٌ شعبيةٌ ضخمة، وتشمل معظم مدن ومناطق البلاد، رفضاً لتدابير السلطة برفع سعر البنزين إلى 130%، وإنقاص أيام الفرصة السنوية للعاملين، وغيرها من تدابير تُسمّى بالإصلاح والتي يمليها صندوق النقد الدولي، ليمنح الإكوادور قرضاً ببضعة مليارات من الدولارات. وبرزت في التظاهرات والتحركات المستمرة، المطالبة بالحقوق الاجتماعية للشعب وطبقاته الكادحة، وضد السياسة الليبرالية الجديدة، شعارات التنديد بالرقابة على وسائل الاتصال والإعلام. ويقوم الشباب بدورٍ محوري في هذا الحراك الكبير، ليس بسبب قلة فرص العمل فقط، بل للمستقبل المظلم الذي تؤدّي إليه هذه السياسية "الإصلاحية". كولومبياوتشهد كولومبيا التي يبلغ عدد سكانها 50 مليون نسمة، حالة اضطراب واحتجاجات شعبية عارمة، تنخرط فيها المراكز النقابية للعمال والمنظمات الاجتماعية، رفضاً للأوضاع الاجتماعية وحالة الإفقار، وللسياسة الليبرالية الجديدة لحكومة الرئيس الكولومبي إيفان دوكي، وخصخصة مؤسسات القطاع العام، وفرض ضرائب على الشعب، تصل قيمتها إلى عشرة مليارات بيسو، تلبية لوصفات صندوق النقد الدولي أيضاً، ومُمالأةً لواشنطن سياسيّاً في التآمر ضدّ فنزويلا الجارة لكولومبيا. ويتصاعد السخط الشعبي للنهج السلطوي الذي يخدم مصالح الأوليغارشية المحلية، المالية والتجارية والصناعية وكبار ملّاكي الأراضي (اللاتيفونديّون).ومع تصاعد حركة الاحتجاجات الشعبية وشمولها معظم مناطق كولومبيا، تلجأ السلطة إلى المناورة وكسب الوقت، بذريعة النقاش الواسع من لجنة إلى أخرى، مستخدمة التضليل من جهة، والقمع من جهة أخرى. ورغم سقوط العديد من القتلى والجرحى والمحتجزين من المنتفضين، لم تتراجع القطاعات الشعبية عن مواصلة تظاهراتها وإضرابها ومطالبها، ضدّ "إصلاحات" السلطة، وضد العنف، وتلبيةً لحقوق العمال والفقراء والطبقة الوسطى. والمعروف أنّ السلطة الكولومبية، من الرئيس السابق ألفارو أوريبي، إلى الحالي دوكي، تسير في ركاب مخططات الولايات المتحدة، التي لها في أراضي كولومبيا، ليس أقل من سبع قواعد عسكرية. وعديدون في تلك القارة، يرون أنّ كولومبيا في المنطقة اللاتينية، هي أشبه بـ "إسرائيل" ثانية. وقد تستخدم تصعيد عدائها ضدّ جارتها فنزويلا، وسيلةً لصرف الاهتمام عن الانتفاضة الشعبية ومطالبها. هندوراسوتكشف حالة الفقر الشديد في هندوراس (أميركا الوسطى)، النتائج الوخيمة التي تنجم عن السيطرة الأميركية وشركاتها الرأسمالية والمتعدّدة الجنسيات، واستغلالها الوحشي لثمرة عمل الشعوب وثرواتها، ومنعها من التحرر والتقدم. فالانقلاب العسكري الذي جرى عام 2009 ضدّ حكومة الرئيس اليساري مانويل زيلايا، قد جرى تنفيذه بتخطيط المخابرات المركزية الأميركية، وغرضه إقامة دكتاتورية عسكرية قمعية تمعن في الفساد وإفقار الشعب وتجويعه، وإبقاء هندوراس مكاناً لأكبر قاعدة عسكرية أميركية في اميركا الوسطى. ويكتمل الإطباق الأميركي على فقراء هندوراس وأميركا الوسطى، ببناء جدار ضخم على طول الحدود الاميركية مع المكسيك، لمنع الألوف من فقراء المنطقة المذكورة، من التسلل عبر الأراضي المكسيكية إلى اميركا، سعياً للعمل والعيش. وقد ردّ الرئيس المكسيكي على طلب الرئيس ترامب بقمعهم بقوله إنّ "الفقر لا يُعالج بالقمع". بوليفياوللتظاهرات الشعبية التي لم تتوقف في بوليفيا، طابعٌ آخر. فهي ضدّ الانقلاب الذي جرى على الرئيس ايفو موراليس الذي كان ممثلاً للسكان الأصليين ولأكثرية الشعب، وللديمقراطية، ورمزاً للسكان الأصليين في القارة اللاتينية. فقد أتى موراليس إلى الرئاسة بالانتخاب الشعبي عام 2006. وكان قبل ذلك رئيساً لنقابات مزارعي الكوكا، ومؤسّساً للحركة الاشتراكية. وقد وجد أنّ بلده كغيره من بلدان أميركا اللاتينية، هدفاً ومسرحاً لنهب الشركات الرأسمالية المتعدّدة الجنسيات، وأنّ شعبه بين أفقر شعوب القارة، فأقدم على تأميم الموارد الطبيعيية، وبخاصة شركات التعدين المتعددة الجنسيات، مستخدماً الناتج عنها، لتخفيض مستوى الفقر من 38 في المئة إلى 21 في المئة. وقد حققت حكومته مكتسبات وضمانات اجتماعية صحية وتعليمية لجميع السكان. وفي عام 2014، أقرّت صحيفة فايننشال تايمز، أنّ سياسة موراليس ضاعفت حجم الاقتصاد ثلاث مرّات ورفعت الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى مستويات قياسية.ومن ثروات بوليفيا الطبيعية، إضافة إلى القصدير والفضّة ومعادن أخرى مثل الليتيوم الذي تحتوي أرضها على ثلثي الاحتياطي العالمي منه. وهذه المادة ضرورية لصناعة السيارات الكهربائية. ونظراً للتصنيع المعقّد لها أقدمت سلطتها على التعاون مع شركات صينية. وهذا ما ضاعف عداء واشنطن لسلطة موراليس، إضافة إلى سياسته التحرّرية وتعاونه مع فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا... إلخ. إنّ أقساماً كبيرة من الشعب البوليفي، ومنهم السكان الأصليّون، تتواصل تظاهراتهم الحاشدة، مطالبين بإعادة موراليس، الذي صرّح من عاصمة الأرجنتين مؤخراً، إن من حقه العودة إلى بوليفيا، ومشاركة حركته الاشتراكية في الانتخابات، دون أن يترشّح هو للرئاسة. ويظهر عدم قبول السلطة حتى الآن بعودته، خوفها من حصوله على تأييد الأكثرية الشعبية. ويبقى الصراع مفتوحاً رغم التآمر والقمع الذي تلجأ إليه السلطة الانقلابية.إنّ الانتفاضات الشعبية المتنامية في أميركا، تجسّد في أهدافها مطامح شعوب تلك القارة، في التحرر الاجتماعي والوطني، وتحمل بمضمونها طابع مواجهة أنظمة التبعية والفساد والإفقار داخليّاً، ومخططات الهيمنة الامبريالية ونهبها ثروات الشعوب خارجيّاً. وهي بأهدافها ودورها الكفاحي، تلتقي مع انتفاضة ومطامح شعبنا اللبناني والفلسطيني والعربي والشعوب الأخرى.

Image

الإدارة الأميركية تندفع لتشريع المستوطنات الصهيونية

كان المجتمع الدولي، من خلال قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، يرى أن لجوء العدو الصهيوني إلى توطين السكان، على أراضٍ احتلّها خلال حرب عام 1967 ليس أمراً قانونيّاً. والجدير بالذكر أنّ الولايات المتحدة الأميركية، كانت طرفاً في هذا الإجماع الدولي. ولطالما أشارت إلى أنّ هذه المستوطنات "غير شرعية" و"غير قانونية". لكنّ الإدارة الأميركية بقيادة ترامب غيّرت هذا الموقف، إذ تمّ الإعلان منذ أكثر من أسبوع، وعلى لسان وزير الخارجية مايك بومبيو أن حكومته "لم تعُد تعتبر المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية غير قانونية"، وأردف بومبيو قائلاً إن "وصف بناء المستوطنات الإسرائيلية بأنه مخالف للقانون الدولي لم يجدِ نفعاً، ولم يساعد في إحراز أي تقدم في قضية السلام". ولكنّه انسجاماً مع الواقع والمصداقية كان عليه أن يضيف "وذلك يعود للتعنّت الإسرائيلي وعدم انصياع الكيان الصهيوني للقرارات الدولية". من الطبيعي أن يهلّل نتنياهو للتصريح الأميركي ويطلب من كل الدول أن تحذو حذوه. لا شك أنّ الدعم الأميركي الجديد، ينال من مفهوم الحقوق الوطنية الفلسطينية، وحق تقرير المصير، ويعزّز التحرّك نحو التوسّع الاستيطاني، وضمّ المزيد من المستوطنات وبنائها على الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما جاء على لسان أكثر من مسؤول أوروبي ودول أخرى. بل أكثر من ذلك شجّع قطعان المستوطنيين، على الهجوم لاحتلال منازل وبيوت فلسطينية وطرد سكانها وتشريد العائلات في العراء والمخيمات المجاورة، كما جرى في مدينة الخليل، التي أعلنتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (الأونيسكو) "مدينة تراثية فلسطينية" لا تمت إلى اليهودية بصلة تاريخية. كما تجدر الإشارة في هذا السياق، أن ما يربو على 413 ألف مستوطن صهيوني يعيشون في هذه المستوطنات وتزداد أعدادهم، وهناك 13 مستوطنة في القدس الشرقية ويسكنها 215 الف مستوطن - وهذه بعد اتفاق أوسلو المشؤوم – وستزداد بوتائر سريعة بعد القرار الأميركي الأخير، والقرارات السابقة كالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال ويهودية هذه الدولة والكيان المصطنع. إنّ خطوة القرار الأميركي، لا تتمثل بالاعتراف بهذه المستوطنات فحسب، بل إن وجود هذه المستوطنات في القدس والضفة الغربية، يجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، لأنّ حرية التنقل تُقيّد من خلال مئات نقاط التفتيش وحواجز جيش الاحتلال والعقبات التي يضعها بذريعة "حماية أمن المستوطنات". ونذكر هنا أن آخر حاجز لجيش الاحتلال يبعد بضعة أمتار عن مقر السلطة الفلسطينية في رام الله حيث يخضع رئيسها في الدخول والخروج لمزاجية وأوامر الاحتلال المذلة والمهينة، هذا من جهة، أمّا من جهة ثانية، سقطت الرهانات التي أقامتها السلطة الفلسطينية على قيام دولة فلسطينية وعن طريق المفاوضات وبرعاية أميركية وحدها، وهذه أيضاً برسم الفصائل الفلسطينية والحركات المقاوِمة التي سارعت إلى القبول بدولة فلسطينية على أراضي الـ67، وقدّمت تنازلاً مجانيّاً للكيان الصهيوني، الذي لا شك يضحك ويسخر منه العدو، لأنّه اعتراف ضمني بالدولة القائمة على ما بقي من أراضٍ فلسطينية أي "إسرائيل"، ولم يحصلوا بالمقابل ويحصدوا إلّا الخيبة والازدراء من العدو الصهيوني. وقد عبّر نتنياهو عنه بالقول "إنّ إقامة دولة فلسطينية تعني بدء نهاية إسرائيل". إنّ الإدارة الأميركية أنهت اللبس في السياسة الأميركية، من خلال الاعتراف بسيادة الاحتلال على القدس الشرقية ومرتفعات الجولان. وهذا ما جعل نتنياهو بالمقابل يعلن بأنّه "يسعى إلى ضم وادي الأردن وشمال البحر الميت مستقبلاً".أمّا ما يخفيه ترامب ويعدّه من مفاجآت، وقد قال أنّه سيعلن عنها قريباً، هي خطته لاتفاقية سلام إسرائيلية - فلسطينية، أسماها صفقة القرن، فهو إمّا سيعود لفكرة الكونفدرالية بين الأردن وما تبقّى من أحياء وبلدات مُقطّعة الأوصال مع الضفة الغربية. ولا سيّما أنّ هناك ترحيباً من مسؤول أردني في هذا الخصوص، وبين مصر وقطاع غزة، وإن لم تنضج على هذا المحور، فالبديل إقامة إمارة بين قطاع غزة ومصر، بعد استقطاع أراضٍ من شمال سيناء وضمّها للقطاع. كل ذلك يجري، في ظل صمت عربي لا نقول مريباً بل بتواطؤ واضح تمثل بموافقة أنظمة عربية رجعية، وبخاصة خليجية، تقيم علاقات مع العدو الصهيوني، أضحت علنية، فيما تدّعي دعمها لحقوق الفلسطينيين، وهو دعم لفظي لا يُصرَف على أرض الواقع. ولم يبقَ أمام الشعب الفلسطيني إلّا النضال والمقاومة، "لأنك لست مهزوماً ما دمت تقاوم". لن تتحقق قضية الشعب الفلسطيني بالمفاوضات بل بوحدة الفلسطينيين لتصعيد المقاومة، من أجل قيام الدولة الوطنية على كامل التراب الوطني الفلسطيني.  

Image
الصفحة 1 من 7

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل