الشمال السوري والعدوانية التركية

مجدّداً يتهيأ جيش الاحتلال التركي لشن عملية عسكرية عدوانية على مناطق شمال سوريا. وكما العدوانين السابقين، فهذا العدوان هو أيضاً بتغطية وضوء أخضر أميركي وعدم رفض روسي يشابه القول الشعبي "السكوت علامة الرضى". أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الأحد وبعد اتصال مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن جنوده سينسحبون من سوريا، واصفاً هذه الحرب بأنها "حرب سخيفة". وكعادته، اعتبر ترامب أن "بلاده دفعت الكثير من النقود للكرد" كي يقاتلوا معه، متجاهلاً أن "قوات سوريا الديمقراطية" دفعت في هذه الحرب ما يزيد عن 10 آلاف قتيل في مواجهتها لداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية. فهذا الرجل لا يكفّ عن تحويل السياسة إلى عمليات تجارية، ولكن بفرق أن هذه العمليات لا تحتاج إلى طرفين ككل المعاهدات التجارية، بل هي فقط إلى موافقته هو، وفي حال رفض الطرف الآخر يستخدم سيف العقوبات الذي حوّل العلاقات الدولية إلى بلطجة أميركية. إن مشكلة الكرد أنهم لم يتعلّموا من كلّ التجارب التاريخية، وراهنوا ولا يزالون على الأميركي والأطلسي، وهذا ما جعلهم يدفعون الثمن دائماً، وآخر الرهانات كان في عفرين. يومها حاول القادة الكرد استدراك الموقف في اللحظات الأخيرة وعقد اتفاق مع الدولة السورية من أجل دخول قوات الجيش السوري إلى عفرين، إلا أن ذلك لم يحدث، وإلى اليوم الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى عدم استكمال هذا الدخول غير معروفة، على الرغم من أنه جرت مناورات ودخلت بعض أرتال الجنود التابعة لتنظيمات عسكرية رديفة للجيش. كلّ ذلك لم يكن كافياً، وها هي عفرين تخضع للاحتلال التركي منذ ذلك الوقت. هذا المشهد يتكرّر حتى الآن في العملية المزمع إطلاقها، إلّا أنّ الدولة السورية، وإلى وقت كتابة هذه السطور لم يكن قد صدر عنها موقف. أما الموقف الروسي، فهو عبارة عن تأكيد تركيا للجانب الروسي بالتزامها بوحدة أراضي سوريا. وهذا يعتبر غض نظر وموافقة على العدوان التركي. فتركيا وعلى لسان رئيسها وكبار المسؤولين في نظام حزب العدالة والتنمية، عبّرت عن أن هدف العملية إقامة "منطقة آمنة" على طول الحدود السورية التركية بعرض يقارب ال 40 كلم، وأنّها ستعمل على إعادة مئات آلاف النازحين السوريين في تركيا إلى هذه المنطقة، أي أنها ستعمل على تغيير النسيج الاجتماعي والديموغرافي. ومن جهة أخرى، سيقاتل إلى جانب الجيش التركي، مرتزقة تحت مسمّى "الجيش الوطني السوري"، قدر عددهم المتحدث باسم هذا الجيش بالمئة ألف مقاتل. بعد كلّ هذه المعطيات التي يعرفها الجانب الروسي طبعاً، يأتي التصريح القائل بأن تركيا تعهدت بالتزامها بوحدة الاراضي السورية. وبالتالي، كيف يمكن الوثوق بالجانب التركي الذي أثبت خلال السنوات التسع الماضية، أنه رأس حربة التآمر على سوريا والداعم الأساسي للتنظيمات الإرهابية من "جبهة نصرة" وأخواتها في إدلب وحلب وغيرها من المناطق. كيف يمكن الوثوق به وهو الذي نكث بكلّ تعهداته في المناطق التي تعهّد بإخراج الإرهابيين منها. والأهم، كيف يمكن السماح لاردوغان بتنفيذ مخططاته الإجرامية القائمة على التصفية العرقية بحق مئات آلاف السوريين المدنيين الآمنين الذي لم يعتدوا ولو لمرة واحدة خلال كلّ الأزمة على الجانب التركي. قبل يومين من اتصال ترامب - أردوغان، كان يجري الحديث في تركيا عن تعديلات دستورية يقترحها فريق أردوغان، تسعى هذه التعديلات إلى تخفيض نسبة الفوز بالرئاسة من 50% إلى 40%، وهذا طبعاً تحضير من قبل أردوغان لأي معركة رئاسية مقبلة، فعلى الرغم من أن موعد هذه الانتخابات لا زال بعيداً، إلا أن الحراك السياسي في تركيا يثير رعب أردوغان وحزبه، إذ أنّ "العدالة والتنمية" مقدِمٌ على انشقاقات كبيرة بعد خروج قادة مؤسسين من صفوفه (غول، أوغلو وباباجان) وعزمهم على تأليف أحزاب خاصة بهم، وهذا طبعا سيضعف "العدالة والتنمية" التي تقدّر الاستطلاعات أن عدد كتلتها الصلبة تراجعت إلى ما دون 35%. وطبعاً، لا ننسى هنا الانتخابات البلدية التي حصلت منذ أشهر قليلة، وتعرّض فيها "العدالة والتنمية" لانتكاسة في كلّ المدن الكبرى، بخاصة أنقرة واسطنبول. كلّ هذه المعطيات كانت تشير إلى أن أردوغان سيسعى إلى حلحلة الكثير من القضايا التي أنتجت نقمة شعبية على سياساته العدوانية تجاه سوريا، وبالأخص سياساته هذه التي أنتجت حرباً مدمرة، دفعت ملايين السوريين للنزوح إلى تركيا وغيرها من البلدان. وهذا الملف يضغط كثيراً على أردوغان. لذا، فإن أبعاد هذه الحرب تتلخّص بجانبين. أوّلاً، الداخل التركي (النازحون وشدّ العصب القومي)، وثانياً، البعد الخارجي (زيادة الأوراق التي يملكها أردوغان في أي مفاوضات مقبلة حول التسوية في سوريا). مع العلم أن أحزاب المعارضة الكبرى طالبت بوقف هذا العدوان، وحمّلت أردوغان وسياساته المسؤولية عن الوضع القائم، كما اعتبرت أن الحل يكون بإعادة العلاقات مع الحكومة السورية. على كلّ المعنيين بمصلحة ملايين السوريين الذين يعيشون في الشمال، من كرد وعرب وآشوريين وغيرهم من مكوّنات الشعب السوري، وبالأخص القوى المكوّنة لـ"قوات سوريا الديمقراطية" من جهة، والدولة السورية من جهة أخرى، قطع الطريق على أطماع أردوغان، والقيام بتنازلات تؤدّي إلى دخول الجيش السوري إلى هذه المنطقة، وحماية المدنيين من مجازر يسعى "العدالة والتنمية" إلى ارتكابها بهدف ترهيب سكان شمال سورية وتهجيرهم.  

Image

لا حل في العراق إلّا بالتغيير الشامل

 في الأول من تشرين الأول، اندلعت مجموعة من الاحتجاجات العفويّة في بغداد وانتشرت في عددٍ من المدن في وسط العراق وجنوبه، بسبب الغضب من الفساد المتفشي للحكومة وعجزها عن توفير الخدمات والوظائف. وبعدما كانت التظاهرات سلمية في البداية، تسبّب إطلاق قوى الأمن للنار في اشتداد غضب المتظاهرين وازدياد عددهم قبل أن يعود الهدوء النسبي تدريجيّاً. كانت الانتفاضة الشعبية العراقية، بكل بساطة، مواجهة مكشوفة بين الفقراء والمهمشين والمعطّلين عن العمل من جانب، والمتخمين القابضين على السلطة ومحتكري ثراوتها من جانب آخر. فعراق ما بعد صدام حسين أولى التمثيل العرقي الطائفي على مؤسسات الدولة التي تدهورت بعدما ملأت الانتهاكات نظام تقاسم الإيرادات- المحسوبية. وفي غياب سياسة اقتصادية فعالة، نشأت حلقة مفرغة: فالأحزاب التي نجحت في المشاركة في الحكومة في انتخابات سابقة استخدمت سلطتها لمنح الوظائف والعقود لمؤيديها، بهدف تأمين الأصوات في الانتخابات التي أعقبتها. وفي الوقت نفسه، تمركزت الثروة متركّزة داخل الحكومة - فصادرات العراق الرئيسية الوحيدة هي النفط، الذي يمثّل 92 في المئة من الميزانية. واستفاد من النظام الجديد مناصرو الاحزاب الحاكمة، في حين تراجعت الخدمات والوظائف لباقي السكان. وإذا نظرنا إلى موازنة عام 2019 البالغة 111.8 مليار دولار، والتي تمثّل زيادةً بنسبة 45 في المئة عن العام 2018، فإن أكثر من نصفها سيذهب إلى أجور القطاع العام والمعاشات التقاعدية، ممّا سيقوّض الإنفاق الاستثماري غير النفطي اللازم لتطوير القطاع الخاص. وبعد تعاقب مثل هذه الحكومات منذ عام 2003، يبدو أن النظام قد اتخذ مساره. فثمة الكثير من الوظائف الحكومية سبق وأن جعلت القطاع العام في العراق من بين الأكثر تضخماً في العالم. وبما أنّ الطائفية والديمقراطية خطان متوازيان لا يلتقيان، فإن النظام الديمقراطي الذي كان يتوخّاه العراقيون انهار بدوره وافقد الناس ثقتهم بالطبقة السياسية التي تدير البلاد، وهكذا صار واحدٌ فقط من بين خمسة عراقيين يعتقد أن بلاده ما زالت ديمقراطية. ونتيجة لذلك، انخفضت نسبة إقبال الناخبين على التصويت بشكل مطّرد، من 80 في المئة عام 2005 إلى 44.5 في المئة عام 2018، في حين صارت الاحتجاجات قضايا موسمية. وعلى غرار أسلافه، يركّز رئيس الوزراء بشكل أكبر على تحديد أولئك الذين يقع عليه اللوم على الاحتجاجات بدلاً من إصلاح المشاكل التي أثارت هذه الاحتجاجات. ولإخفاء عجزها عن إيجاد الحل لجأت الحكومة ومكوّناتها المتنوعة إلى نظريتيْ مؤامرة متناقضتين: تتّهم إحداهما السعودية والولايات المتحدة بإثارة الاحتجاجات، وتلقي الأخرى اللوم على إيران وعملائها المحليين. ومثل هذا الارتياب لن يؤدي سوى إلى عرقلة جهود عادل عبد المهدي لتنفيذ الإصلاحات الجادة التي يطالب بها المنتفضون. ما يجري في العراق، شبيه بما جرى في عواصم عربية أخرى، وبالتالي، قد تلجأ قوى أو دول لاستثماره، وهذا أمر يشكّل خطراً على الحراك وشعاراته وأهدافه، لكنه لا يعني بالضرورة أن الأميركيين هم الذين يحركون الشارع العراقي أو أنّ كل المتظاهرين هم "مخربون" أو "مندسون" أو يأتمرون بأوامر سفارات المنطقة الخضراء، وفق الرائج في الإعلام العراقي الموالي للحكومة. الأزمة في العراق بنيوية وموروثة وعمرها عشرات العقود من الزمن، لكنها لا تبرر لأحد الترحم على نظام صدام حسين الذي لم يُعِد العراق بل الوضع العربي برمّته عقوداً من الزمن إلى الوراء، وبالتالي، من مصلحة القوى السياسية العراقية أن تتبنّى الحراك لتصحيح أهدافه ومنع بعض رموز النظام القديم من محاولة الإستثمار وإعادة عجلات الزمن إلى الوراء.يشكل العراق اليوم ساحة الاشتباك الأساسية بين إيران والأميركيين. ما يجري في الساحات الأخرى مثل سوريا واليمن ولبنان، لا يحجب حقيقة أن المعركة الأساس هي على أرض العراق، وحسناً فعل رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بقراره عدم حصر تحالفات بلاده بين محوري واشنطن وطهران، بل هو ذهب للتنويع عبر الانفتاح على الروس والصينيين. وهي خطوة أدت إلى استفزاز الأميركيين وانزعاجهم، لكنها لا تعني أن الرجل يتعرض لمحاولة اغتيال سياسية من الأميركيين، خصوصاً في ظل انتفاء البديل، من جهة، واحتمال أن يأتي خيار أكثر إيرانية من عادل عبد المهدي في حال سقوطه، من جهة ثانية، وهو أمر يدركه أغلب المراقبين للمشهد العراقي. القضية لم تعُد اقتصادية فقط، فالمطالب الآن ترفض النظام البرلماني الطائفي، وتريد نظاماً رئاسيّاً وطنيّاً، أو برلمانيّاً وطنيّاً. وهناك مطالب سيادية، تستهدف إنهاء الهيمنة الخارجية على العراق. وهذه الاحتجاجات ليست الأولى. وما لم تبطل الحكومة نهجها القاسي، ستشتد الاحتجاجات وإذا خمدت قد تتجدد بعد فترة بمضمون أكثر تطرّفاً، مع تداعيات مقلقة محتملة داخل البلاد وخارجها. وهكذا لا بديل عن إنهاء حاضنة المحاصصة والفساد والتمايز الاجتماعي والطبقي الصارخ، المتمثلة بالنظام السياسي القائم ورموزه، إنهائها عبر تغيير جذري مطلوب لتحقيق بديل الدولة المدنية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.  

Image

تحديات الصين في عامها السبعين

قبل سبعين عاماً، كان المستعمر البريطاني يكتب على مداخل الحدائق العامة في مدينة شنغهاي التي كان يحتلها: "لا يدخلها الكلاب والصينيون".قبل سبعين عاماً، ومن على شرفة أحد قصور المدينة التي كانت محرمة على الشعب، والمطلة على ساحة تيان آن مين في بكين، أعلن الزعيم ماو تسي تونغ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، قائلاً "من أجل تحقيق حلم عظيم، يجب خوض نضال عظيم".

Image

استثمار الصين بالعلم والعمل

تحتفل الصين قريباً بعيدها الوطني السبعين، بعد مسيرة نهوض قلّ نظيرها في مشارق الأرض ومغاربها، من الثورة مع الرئيس المؤسس إلى الانفتاح والتطوير خلال السبعينيات إلى إعادة إحياء طريق الحرير على صورة العصر وشاكلته. كما أنّ الشركات الصينية، لا سيّما هواواي، التي، رغم كل ما تتعرّض له من قنص وحصار وغيرها من طقوس "الحرب"، لا تزال قادرة على إنشاء مكتب إقليمي لها في أوروبا بمليارات الدولارت، إضافة إلى رعاية المواهب والمهارات التي يستلزمها قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات بميزانية تفوق تلك التي تخصص للأهداف ذاتها في الولايات المتحدة والدول الاوروبية مجتمعة.

Image
Image

صفعة اليسار الموجعة في الأرجنتين

تعيش الأرجنتين حالة من عدم الاستقرار بانتظار نتيجة الجولة الانتخابية الحاسمة في السّابع والعشرين من أكتوبر المقبل، في ظلّ سعيٍ حثيث للرئيس الحالي ماوريسيو ماكري للفوز بولاية ثانية بعد الهزيمة التي تلقاها في الجولة التمهيدية للرّئاسة التي جرت في الحادي عشر من الشهر الجاري.

Image
الصفحة 1 من 6

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل