الصفحة 1 من 2

عزيزتي بيروت!...


أوّلاً، اقرأي معي هذا الشريط بانتباه، رجاءً:
- مناحيم بيغن، كرئيس لحكومة العدو، عدو القضية العريبة الأولى في عصرنا، وأحد طرَفيْ الصراع العربي ـ الصهيوني، وهو جوهر الصراع الدائر، طوالَ أكثر من قرن، عربيّاً ودوليّاً، في "منطقة الشرق الأوسط".. مناحيم بيغن هذا نفسه، يُعلن للعرب جميعاً، أمس، بأعلى صوت، أن بشير الجميّل "صديقه العزيز".
- "راديو تل أبيب" ينقل عن "أوساطَ مسؤولةٍ في القدس" أنّ انتخاب بشير الجميّل "عزّز من فُرصِ إحلال السلام بين لبنان وإسرائيل".
- أكدت وكالة "أسوشيتد بريس" الأميركية أنّ "إسرائيل كانت منذ البداية، وحتى الآن، تمدُّ بشير الجميّل بكلّ ما يحتاجُه من المال والسلاح، وهي التي وقفت وراءه، بحزم، لتنصيبه رئيساٌ للبنان رغم مقاطعة ومعارضة جميع القوى التقدمية والإسلامية لمسرحية الانتخابات".
- كشفت الإذاعة الإسرائيلية أنّ "بشير الجميّل أبلغ وزير العلوم والتطوير الإسرائيلي البروفيسور يوفال مينمان، عند التقائهما، أنّ وجود الجيش الإسرائيلي فقط بإمكانه أن يؤدّيَ إلى خروج القوات السورية من لبنان".
- ذكَرَ راديو أبيب أنَ "وزير العلوم والتطوير الإسرائيلي يعتقد - استناداً إلى محادثاته مع بشير الجميّل - أن الرئيس اللبناني المنتخب (بشير) سوف يعمل على تطبيع العلاقات بين لبنان وإسرائيل".
- في برنامج بشير الجميّل، كحاكم قويّ.. للبنان لن يُلغيَ – نهائيّاً- هويةَ لبنان العربية...!!!
إلخ... إلخ...


***


ثانياً، بعد قراءةِ هذا الشريط، الذي يختصرُ شريطاً طويلاً جداً، أرجوكِ أن تقرأي صفحةً واحدةً فقط من شريط "الذاكرة العربية". وهذا أيضاً شريطٌ طويلٌ جداً، جداً، يعجزُ الذهنُ، أن يبلغَ مداه.
أرجوكِ أن تقرأي يا بيروت من شريط "الذاكرة العربية" صفحةً لا تزالُ رطبةً، لقربِ عهدنا بها.. هي التي تقول لنا نصوصَ المقرّرات الصادرة عن مقرّرات القمة العربية في بغداد 1978 المعروف بمؤتمر "الحد الأدنى" الذي انعقد إثرَ زيارة السادات الخيانية لـ"إسرائيل".
بعد قراءةِ هذه الصفحةِ "الرطبةِ" من "شريط الذاكرة العربية"، يمكن أن نسألَ معاً:
- ما الفرق بين ما فعله السادات واستحقّ عليه عقوبةَ "الحد الأدنى" في مؤتمر بغداد، وبين ما فعله بشير الجميّل، ما هو مقرّرٌ أن يفعلَه – قطعاً- فور تسلّمه مقاليد الرئاسة التي قدّمها إليه، هبةً خالصة، ريغان وبيغن بمعرفةٍ ومساعدةٍ من "الأشقّاء العرب".
- واضحٌ، طبعاً، أنْ لا فرقَ بين "الفِعلة" الساداتية و"الفِعلة" البشيرية.. إذن، فلماذا لم تستحق الأولى أن تكونَ "مسألةً داخلية" مصرية واستحقّت الثانية أن تكونَ "مسألةً داخليةً" لبنانية؟!


***


ثالثاً، معظم العواصم العربية "ترى" مسألة فرض الدبابات الإسرائيلية بشير الجميّل رئيساً لجمهورية لبنان "مسألة داخلية" لبنانية محضاً.
هنا لنا ألف سؤال...
لكن يكفي أن نفتحَ الملفّ الكبير، الكبير للعلاقات مع الأشقاء كي تُقرأَ تلك الصفحات الطِوال، الطوال التي تتحدثُ طويلاً طويلاً عن "دخول" الأشقّاء مباشرةً ونصف مباشرةٍ وبغيرِ مباشرة، في "المسألة الداخلية" اللبنانية، دون أن يكون يوماً، هذا الدخول أمراً غريباً، لا عندنا ولا "عندهم"!..


***


رابعاً، اغفري لهم، يا بيروت...
اغفري لهم فإنّ لهم عذراً.. وعذرُهم أنّ "المسألةَ الداخلية" الجديدة هنا في لبنان، نافعة وضرورية "للمسألة الداخلية" هناك عندهم!...

* مقالة للشهيد المفكّر حسين مروة في جريدة النداء، زاوية "الوطن المقاتل" بتاريخ 25 آب 1982، أثناء العدوان الصهيوني الغاشم للبنان.

 

كانت بيروت 1982 قد وُلدتْ.. كانت بيروت ينتشرُ احتراقُها على كل شبه القارة العربية، وشبه القارة العربية كلها كانت تتنشّقُ احتراقَ بيروت، ثم تتثاءب!
كان لبنان لا يزال رماداً يتكدّس، ولم يكن يتوهّجُ رَمادُه، بعد...
وكان عربٌ يحتشدون "للقات" ** وللكلام في صنعاء: عرَبٌ مشرقيّون ومغربيون، كتَابٌ وشعراءُ ومثقّفون...
للتاريخ: كانت تتشكَّلُ على جباهِ العرب المحتشدين "للقات" وللكلام في صنعاء، سحاباتٌ رمادية تكادُ تقولُ "شيئاً" عن لبنان يشبهُ كلامَ "الرثاء"!
وحده جبيني كان لبنانيّاً... أي وحده كان صريحاً واضحاً وصَلداً... أي وحده كان رافضاً كلّ أشكال الرماد والضباب.. جبيني اللبناني كان وحده مقتنعاً بلونه الربيعي.

ستقولون: كيف هذا؟
هل أميركا التي تستبيحُ قتلَ الزنوج من أبناء وطنها، فضلاً عن حرمانها إياهم أبسط حقوق الإنسان؟
هل أميركا التي تُعطي فرنسا المال والسلاح لإبادةِ شعب الجزائر؟
هل أميركا التي سفكَتْ طائراتُها دماءَ الأطفال في ساقية سيدي يوسف بتونس؟
هل أميركا التي أبادت نحو مئتيْ ألف إنسان دفعةً واحدة، في مدينتيْ هيروشيما وناغازاكي اليابانيتيْن، دون أن يطرفَ لها جفن، أو يختلجَ في ضميرها عِرق؟

تمثال الحرية، الواقفُ وقفتَه الشامخة على مداخل نيويورك، ليس -كما نحسَبُه- شيئاً من معدن الآليّة الأميركية "المُفَوْلَذة" تحت مطرقة الدولار.
تمثال الحرية ليس مادةً مصقولة اشتُقّت من عصب الرأسمالية الاحتكارية الذي صهرَتْه "أفران" الشهوة الجائعة دائماً إلى لحم الإنسان تهضُمُه بنهم، والظامئة دائماً إلى عرق الإنسان تعتصرُه من جباهِ الكادحين وسواعدِهم بضراوة، ليتحوّلَ اللحمُ والعَرَقُ "رِبحاً" يصنعُ سلاسلَ العبوديّاتِ لكل إنسان.

أيّها الحاضر هنا رغم أنف الجلاّدين!
أيّها الحاضر هنا تباركَ هذا العرس - ولا أقول المأتم - عرس الشهادة والفداء، عرس الكرامة والإباء، عرس الوطنية الحصينة المنيعة الهادية سواء الطريق.
أيّها الحاضر هنا...
ها إنّك ترى الشعب -شعبك الذي أحببْتَ وفديْت- كيف يبادلُك الوفاء بالوفاء، كيف يحوم على جراحك يقبس منها شعلةَ الحقد المقدّس على الطغاة أعداءِ الكرامة البشرية ، وشعلة اليقين الثابت بأنّ النصرَ لا محالة لقوى التقدّم والسلم والديمقراطية، ديمقراطية الشعوب ، لا "ديمقراطية" السياط والإرهاب والإجرام والفاشيّة.

تعودُ اليومَ، إلى أذهان العرب، ذكرى أفدح فاجعةٍ قوميةٍ أَنزلَها الاستعمارُ العالمي بأمّتنا في تاريخها الحديث. نعني بها ذكرى الخامس عشر من أيارعام 1948، يوم أُتيحَ للاستعمار والصهيونية العالمييْن أن ينفّذا خطط المؤامرة الكبرى التي رسماها معاً منذ الحرب الكونية الأولى، أو قبل ذلك، لاغتصاب البقعة المقدّسة العزيزة من أرضنا العربية، ولغرس "وتد جحا" في قلب بيتنا العربي الكبير!

الصفحة 1 من 2

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل