الركود والامولة: طبيعة التناقض (2)

في القسم الأول من هذه الدراسة، تابعنا مع الكاتبين فريدي ماجدوف وجون بيلامي فوستر، عرضاً للجذور التاريخية للركود باعتباره الحالة المزمنة التي يعانيها الاقتصاد الإمبريالي الجانح دوماً نحو الأمولة باعتبارها مخرجه الوحيد من أزمة التراكم الزائد، هذا العرض الذي لابد من وجهة نظر ماركسية أن ينتهي باستنتاج مفاده انغلاق مستقبل النظام وإن بدا قادراً دوماً على إيجاد مخرج ما من أزماته الدورية التي هي جزء في أزمة هيكلية شاملة.

في هذا القسم الثاني والأخير، يعرض الكاتبان لمختلف الحلول ووجهات النظر في التعاطي مع أزمة النظام، ويكشفان عن تهافت كل الحلول التي تفترض إمكانية الحل على أرضية النظام ذاته، إذ أن القوانين العامة الحاكمة لعمل النظام سوف تدفعه دوماً باتجاه أزمته وهي الأزمة التي وبناءً على المقدمات التاريخية والخبرات المعاصرة لا خلاص منها إلا بالخلاص من النظام نفسه وإبطال قوانينه بتفكيك بيئة عملها، أي تفكيك النظام بما هو قائم عليه من تناقض يضع العاملين والكوكب في طرف مقابل لطرف الاحتكارات المالية التي تقايض أرباحها بمستقبل البشرية.

ترجمة وتقديم راجي مهدي

ليس واضحاً تماماً كيف ومتى يستطيع اقتصاد الولايات المتحدة والاقتصادات الرأسمالية المتطورة الأخرى الفكاك من فخ الركود-الأمولة. فكما صرح سومرز للواشنطن بوست في يناير 2014 فإن اقتصاداً يعاني من "الركود طويل الأمد" غالباً "ما يكون عُرضة للفقاعات" وهذا يعني أنه بغياب قوى الدفع الخارجية، يميل الاقتصاد إلى التأرجح بين الركود المطلق وفترات من تفاقم الأمولة المرتبطة بالمضاربة الفوضوية لتوليد نمو معتدل لمدة من الزمن إلى أن تنفجر الفقاعة بشكل حتمي ليعاود الركود الظهور من جديد بعد أن تم تعليقه جزئياً.

بينما يعاني تكوين رأسمال جديد، وهو المكون الأكثر ديناميكية في الاقتصاد، المكون الذي يمتلك القدرة الأكبر على التأثير في مستقبل النمو، من الركود، تتردد الشركات العملاقة في عمل توسعات جديدة، وحين تفعل فإن هذا يأتي كما رأينا من احتياطيات الإهلاك. وبالرغم من احتمال بزوغ تكنولوجيا أو تكنولوجيات جديدة تؤدي إلى فكاك من الركود، فإنها يجب أن تكون ذات أهمية وتأثير على النطاق الاقتصادي الواسع لتوليد زخم من القوى الذاتية الدافعة للنمو الاقتصادي وخلق الوظائف.
لقد غيَّر الكمبيوتر وغيره من اختراعات العصر الرقمي الطريقة التي نتواصل ونعمل ونتسوق بها. ومع أن أعمال جديدة نشأت اعتماداً على هذه التكنولوجيات، فإنها لا تميل لتوظيف عدد كبير من الناس، بالمقارنة بالتكنولوجيات المفصلية التي سبقتها (كالأتمتة). وكما كتب تايلر كوين في "الركود العظيم":
معظم الأنشطة الشبكية لا تخلق وظائف وعوائد بنفس معدل التطورات التكنولوجية السابقة. فحين كانت شركات فورد وجينيرال موتورز تنمو في بدايات القرن العشرين، خلقت ملايين الوظائف وساعدت في تحويل ديترويت إلى مدينة أمريكية من طراز رفيع. اليوم، يخلق فيسبوك الكثير من السعادة المتلصصة، لكن الشركة لا توظف الكثير من الناس وكذلك لم تفعل بالو-ألتو، حيث الكثير من العمل يتم إنجازه أوتوماتيكياً بالسوفت وير والخوادم. يمكنك القول أن العمل الحقيقي يؤديه المستخدمون في وقت فراغهم وكوقت للتسلية.

في 2013 كان لدى شركة أبل حوالي 80000 موظف حول العالم، بينما امتلكت جوجل (كيانها المستقل الذي لا يتضمن موتورولا وغيرها من الشركات التابعة) حوالي 40000، في حين كان 4600 يعملون لدى فيسبوك. في بدايات 2014، اشترت شركة فيسبوك واتساب، شركة مراسلة تليفونية لديها 55 موظف، مقابل 19 مليار دولار. في الحقيقة يبدو أن الكمبيوتر والتليفونات الذكية والأنظمة الآلية المتقدمة تقضي على الكثير من الوظائف (باستبدال البشر مباشرة أو بنقل النشاطات إلى الخارج حيث الأجور أقل) بينما العديد من الوظائف المرتبطة مباشرة بإنتاج هذه الأجهزة قائمة في بلاد أخرى. كما يساهم تجار تجزئة الأجهزة الإليكترونية في صافي الوظائف المفقودة. "فطبقاً لدراسة حديثة حول بيانات التعداد في الولايات المتحدة أجراها معهد الاعتماد المحلي على الذات، في واشنطن، يوظف تجار تجزئة الطوب والأسمنت 47 موظف لكل عشرة ملايين دولار من الأرباح مقابل 14 توظفهم أمازون". وقد قدرت دراسة صادرة من جامعة أكسفورد أن الجمع بين التقدم في الذكاء الاصطناعي والروبوتات السيارة قد يؤدي إلى فقدان نحو نصف المجموع الكلي للوظائف في الولايات المتحدة خلال العقود القادم. وأياً كان تأثيرها النهائي على الوظائف – وفي هذه اللحظة يبدو هذا التأثير سلبياً بشكل متزايد – فإن هذه الابتكارات التكنولوجية ليست كافية ولا من الطراز الذي يضع الاقتصاد على طريق نمو سريع جديد.
إن نجاح ألمانيا في أن تكون مُصدراً نهائياً مثَّل جزءاً من تفسير القوة النسبية للاقتصاد الألماني، لكن ليست كل دولة بقادرة على أن تصبح مُصدِّر نهائياَ – بالطبع هذا غير ممكن منطقياً وحسابياً، باستثناء فترة قصيرة في بداية التسعينيات (تصادفت مع فترة ركود)، وقد أصبحت الولايات المتحدة مستورداً صافياً للسلع والخدمات منذ بدايات الثمانينيات.
واحدة من الحلول المؤقتة لمسألة "الركود" هي كما رأينا، توسع النظام المأمول مرة أخرى لكن آثار الأزمة لازالت قائمة. إن وجهة النظر السائدة حول المشكلة المالية في البلدان الرأسمالية المتقدمة هي أن فترة من "التقشف" ضرورية حيث يتم توجيه التدفقات النقدية من "الاقتصاد الحقيقي" بشكل منهجي إلى النظام المالي، ما يؤدي لزيادة السيولة في الأخير، بينما تبدأ فترة من التقليص البطئ للمديونية التمويلية، ما يؤدي لارتفاع أكبر في نسبة الأصول إلى الديون. ويعد تخفيض الدين الحكومي جزء رئيسي من هذه الاستراتيجية، بما يعزز قدرة الدولة على أداء الدور الذي تعتبره النخب المالية دور الدولة الأساسي: الملاذ الأخير لإقراض المؤسسات التي يعتقد أنها "أكبر بكثير من أن تفشل". من المحتمل أن تؤدي هذه التغيرات في النسبة الكلية للأصول مقابل الديون إلى إعداد الاقتصاد لفترة جديدة من التوسع المالي. ومع ذلك، تعد إعادة الهيكلة المالية عملية بطيئة ولها أثر سلبي يفاقم ميول النظام للتراكم الزائد – بينما من المرجح أن تكون الفقاعات المستقبلية أكبر وأكثر خطورة من ذي قبل.
يميل التقدميون للتأكيد على أن الحل الفوري لهذه المشاكل هو الإصلاح المالي، من خلال تنظيم أكبر للنظام المالي بناءً على الافتراض الخاطئ بأن الركود الاقتصادي الحالي ينشأ من الإفراط في المضاربة وليس في ضعف عملية التراكم الرأسمالي نفسها. هذا الافتراض يفشل في تحديد الدور الذي لعبه اندفاع الأمولة في دفع الاقتصاد من الثمانينيات حتى 2007. لم تكن القوى المالية في تلك الفترة نابعة تحديداً من الطمع والفساد، كما يُفترض أحياناً، كما لم تكن قائمة ببساطة على مبادئ اقتصادية خاطئة، بالأحرى كان هدفها المزيد من التوسع في الفقاعات المالية الموجودة. لم يرغب المنظمون الماليون في أن يشهدوا انفجاراً كبيراً لإحدى الفقاعات المالية – لذا حين طلبت المؤسسات المالية المزيد من الحرية بما يسمح لها بالتمدد إلى أسواق كانت محظورة من قبل، تم منحها ما أرادت، وأحياناً ما هو أكثر.
هذا ما يسميه توماس بالي في كتابه "من الأزمة المالية إلى الركود" بـ"المفارقة في الإصلاح المالي"، لأن إصلاحاً من النوع الذي "يؤدي بالفعل لاستقرار النظام المالي يقوم أيضاً بتعميق الميل الركودي...بالحد من احتمالات الوفرة المالية". وكما يقولها كروجمان بصراحة: "حتى التشريعات المالية المحسنة ليست بالضرورة شيئاً جيداً" لأنها "من الممكن أن تثبط الإقراض والاقتراض غير المسؤول في الوقت الذي يكون فيه أي نوع من الإنفاق مفيد للاقتصاد". كل هذا يمثل انحيازاً مؤسسياً قوياً تجاه التحرير المالي بدلاً من التنظيم ما يقف بوجه أي إصلاح ذا معنى.

هل نقول أنه لايوجد على الإطلاق ما يمكن فعله؟ نحن أبعد ما نكون عن هذا. إن ما نناقشه هنا هو أنه لا توجد خيارات سهلة متوافقة مع النظام، فيما تتفاقم الأزمة الهيكلية العامة بما يقلص فاعلية الحلول الإصلاحية. ومع أن البعض يتبنى مسار النمو الكينزي، حيث تأخذ الدولة المبادرة في تعزيز التوظيف بزيادة الطلب الفعال- النسخة الأكثر شعبية اليوم هي الإنفاق الحكومي على الوظائف الخضراء وتكنولوجيا الطاقة البديلة – لم تعد تلك استجابة سياسية مقبولة في عصر الطبقة الرأسمالية عالية الأمولة والأسواق المالية العالمية.

في نظام عصرنا البلوتوقراطي، انتصر من يعيشون على الريع (بدلاً من الموت الرحيم الذي اقترحه كينز)، وهم يسيطرون الآن على الاقتصاد والدولة. وهو أيضاً نظام تقوم فيه الشركات متعددة الجنسيات بإزاحة الصناعات إلى تلك المناطق حيث تكون تكلفة العمل هي الأقل، ما يؤدي لاستحواذ حفنة من المؤسسات العملاقة على الريع الإمبريالي والتحكم في الإنتاج العالمي. في هذه الظروف، تمتلك نظرية كينز قديمة الطراز حول إدارة الطلب – التي يقوم فيها اقتصاد التوظيف الكامل على زيادة الطلب الإجمالي وزيادة الأرباح الكلية الناتجة عن ارتفاع التوظيف –فرصة ضئيلة للنجاح.

علاوة على هذا، فإن الطبقة الرأسمالية تنظر إلى اقتصاد التوظيف الكامل باعتباره تهديداً لأنه يعزز قوة العمال. هذا ما يعكس الحقيقة المشؤومة من وجهة نظر رأسمالية، وهو ما سجله في اقتصادي كامبريدج يوهان روبنسون الذي يعد أحد أصغر زملاء كينز ملاحظة مشهورة: "أي حكومة لديها القوة والإرادة لعلاج الاختلالات الرئيسية في النظام الرأسمالي (كالبطالة الدائمة) لابد أن تتوفر لديها الإرادة والقوة لإزالة النظام كله".

إن سياسات الدولة التي تستهدف تقليص عدم المساواة في الدخل تمثل هي الأخرى استراتيجية تقدمية يتم عادة تبريرها في ضوء المفاهيم الكينزية حول تعزيز الطلب الفعال والنمو الاقتصادي، لكنها تقع أيضاً ضحية للعديد من التناقضات السابقة. بصفة عامة تنفق الأسر منخفضة الدخل نسبة أكبر من مداخيلها مقارنة بشديدي الثراء. لذا فإنه يمكن تنشيط الاقتصاد نظرياً إذا تم نقل الأموال من الأغنياء للعمال منخفضي الدخل – من خلال الضرائب وبرامج الرعاية الاجتماعية أو من خلال زيادة الأجور (التي سوف تؤدي لتقليص حصة الأغنياء من الأرباح لكن ليس إجمالي الربح في حالة التوسع الاقتصادي). ومع أن رفع الحد الأدنى للأجور يعد ممكناً من الناحية السياسية – وهو ما سوف يساعد في تحسين ظروف 16 مليون عامل – فإن مثل هذه الزيادة إن تم تطبيقها سوف تكون شديدة الضآلة بالنسبة للاقتصاد ككل بالقدر الذي لن يُحدث أثراً ملموساً على توزيع الدخل، وبقدرة أقل على تنشيط الطلب الكلي. إن العلاجات التي تحاول العمل في ظل النظام القائم – على سبيل المثال فرض ضرائب أكبر على ذوي الدخول الأعلى وتخصيص هذه الأموال لأغراض اجتماعية – إنما تستهدف إدخال إصلاحات محسنة وطفيفة جداً على النظام، متجنبة تماماً المشكلة المركزية للتراكم الطبقي الرأسمالي. وبالتالي حتى لو تم تبني هذه الإصلاحات فإنها تنتهي بلا نتيجة فيما يخص مشكلة امتصاص الفائض. لسنا بحاجة لأن نقول أن أي مقاربة لمسألة المساواة في الدخل لا يمكنها أن تتوافق مع نظام الأجور-الأرباح.

لكن الحقيقة المجردة هي أنه لا يوجد مخرج من تناقضات الرأسمالية يقبله النظام نفسه، أو في توافق مع منطقه، هذا لا يعني أن تغيير جذري حقيقي، يخرج من ثورة من أسفل، لا يستطيع تغيير الأمور مادياً إلى الأفضل. بالفعل، كما يلاحظ استيفان ميزاروس في "ما بعد رأس المال" "إن طريق بناء مؤسسات التحكم الاجتماعي الجديدة" التي يحتاجها المجتمع اليوم "لابد أن يمر عبر الانعتاق الجذري للسياسة من سيطرة رأس المال". هذا يعني أنه لابد من النظر في بدائل سياسية اقتصادية أخرى غير متوافقة مع النظام. وبعد، ما هو شكل هذه الإجراءات الراديكالية التي تعكس الاقتصاد السياسي للطبقة العاملة بدلاً من الاقتصاد السياسي لرأس المال؟

في كتابه المهم الصادر في نيويورك "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" يؤكد توماس بيكيتي على أن التناقض الرئيسي في الاقتصاد المعاصر هو ما يسميه (استناداً لماركس) "مبدأ التراكم اللانهائي". إن هذا الدافع نحو تراكم بلا نهاية في الرأسمالية هو ما قاد إلى ما نشهده اليوم من "الثروة شديدة التمركز" وكل اللاعقلانية التي جاءت معها. كما يؤكد بيكيتي أنه في ظل هذه الظروف تتمثل "اليوتوبيا الفعالة" في تصور "ضريبة عالمية على رأس المال"، أو بشكل أكثر تحديداً "ضريبة سنوية تصاعدية على الثروة الفردية". كان مايكل كاليكي هو أول من قدم حجة شاملة حول ضريبة الثروة كوسيلة لمواجهة التراكم الاحتكاري في 1937. اليوم يرى بيكيتي أن استراتيجية الضريبة الرأسمالية هي البديل الحقيقي الوحيد لثورة فعلية على الرأسمالية. إنه يناقش أن مثل هذه الضريبة على رأس المال – أو فرض ضرائب مشابهة على المستوى الوطني – لن تؤدي فقط لكبح هذا الميل المختل لمراكمة المزيد والمزيد من الثروة على قمة الهرم الاقتصادي، لكنه أيضاً سوف يسمح بخلق "دولة اجتماعية" تلبي الحاجات الاجتماعية. مقاربة أكثر وضوحاً لنفس الهدف تركز ببساطة على الأهداف الاجتماعية الأولية، وتضع الاحتياجات الأكثر ضرورية للناس والبيئة قبل الأرباح. "بديل الركود" هو "توفير الوظائف...للعاطلين، الطعام للجوعى، المنازل للمشردين، الرعاية الصحية الكافية والدخل الآمن والبيئة اللطيفة لنا جميعاً. يمكن اعتبار هذه وغيرها من الأهداف الإنسانية الجماعية "الأولوية القصوى" التي تخضع لها كل المصالح الخاصة.

تاريخياً، ارتفعت هذه المطالب في الفترة الراديكالية الأخيرة من عهد الإتفاق الجديد، حيث اقتُرحت "فاتورة اقتصادية للحقوق" وفق هذه الخطوط، كما ارتفعت في حركة الحقوق المدنية في الستينيات حيث طُرحت "ميزانية الحرية" في 1965 التي بدأت من مسيرة 1963 نحو واشنطن. مؤخراً سعى بول لو بلان ومايكل ياتس لإحياء هذه الفكرة في "ميزانية الحرية لكل الأمريكيين" تأسيساً على ميزانية الحرية الأصلية. وهم يقدمون اثني عشر "مطلباً رئيسياً" تشكل "ميزانية الحرية الجديدة" لعصرنا: (1) التوظيف الكامل، (2) دخل كافي لكل العاملين، (3) ضمان حد أدنى كافي من الدخل لكل من لا يستطيع ولا يجب أن يعمل، (4) سكن ملائم وآمن للجميع، (5) رعاية صحية للجميع، (6) فرصة تعليم للجميع، (7) شبكة مواصلات ممتدة وآمنة، (8) تأمين اجتماعي شامل وآمن، (9) أمن غذائي للجميع، (10) بيئة مستدامة، (11) حرية وثراء ثقافي للجميع، (12) تقليص عدم المساواة في الدخل والثروة لضمان تحقيق هذه الأهداف. سوف يتطلب هذا بوضوح إيقاف عسكرة المجتمع وتفكيك المؤسسات الإمبريالية.
يؤكد لو بلان وياتس على أنه لا توجد قيود ذات طبيعة مالية على البدء في مثل هذا البرنامج الاجتماعي الهائل في السياق الأمريكي. وهما يشيران إلى تقديرات الاقتصاديين ليندا بيلمز وجوزيف شتيجليتز التي أوضحت أن حروب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان قد كلفت 3 تريليونات من الدولارات، وأنفقت الحكومة الفيدرالية مئات المليارات من الدولارات كتحفيز مالي للاقتصاد استجابة للركود العظيم، بينما ضخ مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيولة تقدر بتريليونات الدولارات لإنقاذ القطاع المالي في أعقاب الأزمة المالية الكبيرة – عبر طباعة النقود بشكل ضخم. يمكن أيضاً التراجع عن سياسة تقليص الضرائب على الشركات والدخل التي استمرت لعقود.

ومع ذلك فإن علاقات القوى اليوم – حيث الدولة هي دولة الطبقة الرأسمالية الآن أكثر من أي وقت مضى – تشير إلى أنه من غير المحتمل حدوث أي مبادرة مفاجئة لتحقيق هذه الأهداف. إن التغيير الجذري في هذا الاتجاه سوف يأتي من أسفل وسوف يتطلب نضالاً يجب أن يكون اليوم ذا نزعة ثورية.
بالفعل، يمكن من خلال نظرة تاريخية أكثر اتساعاً من تلك التي يقدمها الاقتصاد الرأسمالي نفسه – نظرة ترى بزوغ البشرية كقوة تاريخية عالمية – من الممكن استشراف تحولات اجتماعية ثورية مدفوعة بالجهد الجماعي الذي تحركه الضرورات المشتركة. مثل هذه الثورات الراديكالية ضد النظام سوف تنطلق على الأغلب من الجنوب العالمي (البروليتاريا الخارجية بحسب توينبي). لكن التمردات الشعبية في المركز (البروليتاريا الداخلية) ضرورية أيضاً. وإذا تغيرت قواعد اللعبة بهذه الوسائل النضالية – أو أن تتغير اللعبة نفسها – فإن عالماً جديداً تماماً سوف يبزغ باحتمالات اجتماعية لم يجر تصورها من قبل.

مع ذلك لابد أن نضيف أن مثل هذه التحولات الاجتماعية الكبيرة تعطلها اليوم جزئياً حقيقة أنها لابد أن تبقى في إطار النمو الذي تفرضه البيئة الكوكبية. في ظل قانون نظام الرأسمالية "تنمو أو تموت" لابد أن يتوسع التراكم بمعدل سريع كي يخلق طلباً كافياً على العمل يصل إلى أقرب نقطة للتوظيف الكامل. لكن النمو الاقتصادي يضع ضغوطاً إضافية على نظام الأرض ولهذا السبب فإن النمو المستدام مستحيل. إن التناقض بين معدل النمو الذي يعد شديد الانخفاض بالنسبة لاقتصاد "سليم" وفي نفس الوقت شديد الارتفاع بما يخرب العلاقة مع الكوكب، ليس تناقضاً أنتجه تحليلنا بل هو تناقض الرأسمالية نفسها. إنه يشير إلى حقيقة أنه عبر التغيير الراديكالي للنظام يمر الطريق الوحيد للخروج من المأزق العالمي الحالي.

إن حقبة جديدة من التحولات التاريخية العالمية صارت ضرورية بالنظر للمصادر المختلطة لأزمة عصرنا، واضعين في عين الاعتبار ليس فقط أثر الركود الاقتصادي على العمال ولكن أيضاً المسألة الأكثر إلحاحاً: التدمير السريع للكوكب كمجال عيش البشرية وأنواع أخرى لا تُحصى. وتحت هذه الظروف، لابد أن يزول مبدأ التراكم اللانهائي لحساب قلة محدودة من أجل أن يسود بالضرورة مبدأ الكفاية للجميع ليمتد عبر كل الأجيال البشرية.

 

  • العدد رقم: 416
`


راجي مهدي