الحلقة 3: رسالة إلى الرفيقة "ل" - من أوراق المقاومة

رسالة إلى الرفيقة "ل"

(الحلقة 3)

من أوراق المقاومة - الجدران التي تتذكر

 

في زوايا الغرفة.. عثرنا على رسالة كتب فيها إلى "ل"…

أحببتكِ كما أحببتُ حرية أرضي، بصمتٍ خوفاً من أن يلهينا الحب عن الواجب. لكنّي اليوم، تحت ظلال الخطر، أقرُّ بأن مشاعري كانت دوماً وقوداً لشجاعتي، لا ضعفاً فيها. إذا لم أعد، فاعلمي أنني تحت التراب سأبقى أسمع دقات قلبك، وأن نضالك هو أعظم تكريم لذكراي.

رفيقك الذي يحبك، سمير.

 

أخذتني الذاكرة إلى سنوات مضت، حين تلقّيتُ تعليمات من القيادة لأرتّب لقاءً مع أحد النقابيين القادمين من المناطق المحتلة، الراغب في الالتحاق بالمقاومة. كانت المعلومات عنه شحيحة: شابٌّ وطني، منتسب إلى الحركة النقابية، من جنوب لبنان، درس وعمل في الهندسة الكهربائية. قرّر ترك عمله في السعودية رغم كونه المعيل الوحيد لأسرته الفقيرة، ليعود ويُلتحق بصفوف المقاومة.

تقدّم لشغل وظيفة "مسؤول الصيانة الكهربائية" في مشروع جامعة كفرفالوس شرق مدينة صيدا، حيث كان المقر الرئيسي لقيادة الاحتلال، وفي داخله مكتب رئيس الإدارة المدنية "لوبراني".

رتّبنا الموعد في أحد شوارع بيروت المحررة. كانت هناك إشارة تعارف وكلمة سر بيننا. من نقطة كاشفة، أردت التعرّف إليه من بعيد. رأيت شاباً هادئاً، نحيلاً، متوسط القامة، تعلو وجهه ابتسامة دافئة. يلبس نظارات طبية، ويحمل علبة دخان. ارتدى تيشيرتاً أبيضَ كإشارة التعارف. وقف ينتظر دون أن يلفت الانتباه، أشعل سيجارة، ثم تقدمت منه وتبادلنا كلمات السر، وانتقلنا إلى أحد المنازل الآمنة.

في ذلك اللقاء، استمعت بانتباه إلى قصته: أهله، دراسته، عمله في الخليج، وعودته رغبة منه في مقاومة الاحتلال. شرح لي كيف أنه من نافذة مكتبه يشاهد قادة الاحتلال يدخلون ويخرجون، ومن بينهم "لوبراني" نفسه. اقترح أن يتسلل ليلاً لزرع عبوة على جانب الممر الذي يسلكونه، حيث يسهل عليه مراقبة المكان من مكتبه.

بعد تدريبه المكثف على العمل السري وأساليب التمويه والاستطلاع، اتفقنا على موعد آخر في الأسبوع التالي، حيث كان لديه تبرير قانوني للعودة إلى بيروت لشراء مواد كهربائية.

في الموعد الثاني، قدّم خطة دقيقة، وتم تزويده بخريطة توضح مكان المواد المخبأة قرب الهدف. وُدّعَ متمنين له النجاح.

تسلل سمير ليلاً وزرع العبوة، ثم انسحب. في اليوم التالي، ذهب إلى عمله كالمعتاد، وخضع للتفتيش المعتاد عند مدخل المجمع. في مكتبه، جهّز جهاز التحكم وانتظر عند النافذة. كان الجنود يمرون كالعادة عبر الممر، لكن مفاجأةً غير متوقعة حدثت: قوة من العدو بدأت تفتش الممرات روتينياً قبيل مرور القيادة، فاكتشفت العبوة.

أخفى سمير الجهاز وتابع عمله بهدوء. أوقف الجميع للتحقيق، ثم أُطلق سراحهم لعدم وجود أدلة. (لاحقاً اعترف العدو بأن العملية كانت معدة لاستهداف قيادته).

بعد فترة، طلبنا منه المجيء إلى بيروت والبقاء فيها، خوفاً من أن يكون تحت المراقبة. كانت تلك فرصة لإخضاعه لدورات متقدمة في العمل السري، والتقنيات القتاليّة، مما زاد من مهاراته ومعرفته.

ومع تحرير صيدا، انضم سمير إلى مجموعة مقاتلة في الجنوب، حيث عمل في الاستطلاع والتأمين القتالي. اعتُقل أثناء مهمة استطلاعية في بنت جبيل، من قبل قوات العميل لحد (الجلبوط) حيث كان يتنكر كـ "تقني صيانة لمستوصف المدينة". أُفرج عنه بعد أسبوعين لعدم تمكن العدو من إثبات أي شيء ضده.

عاد إلى مجموعته، حيث كانت قد التحقت بها رفيقه جديده تدعى "ل “.

في تلك الأيام، لاحظنا تغيُّراً فيه: أصبح أكثر سعادة، يهتم بها، بل ويقدّم نفسه لأداء المهام بدلاً منها.

وفي إحدى المهمات، مع اشتداد العمليات العسكرية، استطاع عملاء العدو من خطفه بعد ملاحقة طويلة له. ولم تستطع كل جهود رفاقه في المقاومة من انقاذه.. وهكذا انتهت قصة مقاتل.. لكن رسالته بقيت تقرأ في كل غرفة تختبئ فيها حرية، وتهمس في كل زاوية تحمل ذكرى من رحلوا.

هل علمت الرفيقة "ل" بالخبر؟

لقد تم إبلاغ الرفيقة "ل" بالخبر.

تذكرت ذلك اليوم الذي دخل فيه الشقة بعد عودته من الاعتقال. كان واقفاً خلف الباب، يعد القهوة كعادته للرفاق، بتركيز شديد نظر إلى "ل" من فوق نظارته، فابتسمت له بخجل.  الآن فهمت لماذا كان يطلب دائماً أن يحل مكانها في المهام الخطرة..

بكت بصمت. دموع لم تذرفها حتى تحت التعذيب، انهمرت الان كأنها تغسل جرحا قديما ظل ينزف في سرها. ثم ضمّت الورقة إلى صدرها، وكأنها تحتضن آخر ما تبقى من دفء جسده تحت التراب.

همست باسمه: " سمير، أتعرف أنني كلما فجرت غضبي في وجه العدو، كنت ارى عينيك خلف نظارتك تبتسم لي؟"

(حتى اليوم تحتفظ الرفيقة "ل" بتلك الرسالة)