الإنكار ومحاولة الإفلات من العقاب والمحاسبة والمساءلة إزّاء من يتحمّل المسؤولية عن انهيار عام 2019، طغى وما يزال على سلوك أطراف السلطة، بينما الخطوة الأولى المفترضة كانت تقتضي من السلطة إخضاع مصرف لبنان والمصارف التجارية لتحقيق جنائي، وإلزامها بفتح كل الوثائق والملفات التي تسهّل هذا التحقيق (الهندسات المالية، التثبيت النقدي، اوبتيموم، فيوري، صيرفة، أموال الدعم، تصفية القروض المصرفية على سعر 1500 ل.ل. للدولار). وفي ضوء النتائج المستخلصة، وكان ينبغي محاكمة المرتكبين والمقصّرين وصولا الى زجّهم في السجون ومصادرة ما يملكونه (مع أسرهم) من أموال سائلةً واصول داخل لبنان وخارجه، وتخييرهم بين اعادة أموالهم من الخارج او إخضاعها لعقوبات وضرائب استثنائية.
هذا النوع من التدابير والإجراءات هو تماما ما حصل في تجارب العديد من البلدان الاخرى التي استنفرت الى أبعد الحدود عامل الوقت ومنذ اللحظة الأولى لإنفجار أزماتها المالية وأسرعت بالتالي في بلورة وتنفيذ خطط التعافي المطلوبة. اما في لبنان فان عدم حسم الامور انتهى بإنقضاء ستّ سنوات خسر البلد خلالها معظم ما تبقّى له من نقاط قوة كان يفترض استخدامها للحدّ من تداعيات الانهيار (انخفاض احتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية راهنا الى ربع ما كان عليه عام 2019، وانخفاض محفظة القروض المصرفية بالعملة الاجنبية الممنوحة الى المؤسسات والأفراد الى 15% من قيمتها الأصلية).
الأجور ونظام العمل المأجور عموما: نظرة تاريخية
كان مقدّرا أن تكون أزمة الأجور في القطاعين العام والخاص اقل حدة لو كانت معالجة الفجوة المالية قد بدأت فعلا قبل ست سنوات. ولنعترف أن نظرة دونية قد غلبت تاريخيا على نمط تعاطي الاوليغارشية والسلطة العميقة والمؤسسات العامة ذات الصلة مع مسألة الأجور ونظام العمل بأجر عموما: فلا وجود لضمانات فعلية كافية لجهة شروط العمل والحماية الاجتماعية والتقاعد، ولا مسارات وظيفية مستقبلية مرسومة بشكل واضح وشفّاف للعاملين، ولا تصريحا كاملا عن الاجر لصندوق الضمان في حال كان العمل نظاميا، هذا الى جانب إمعان السلطة في تجاهل تعاظم ظاهرة العمل غير النظامي (الذي تقدّر نسبته بنحو60% من مجموع الأجراء في لبنان)، والتأجيل المتمادي لقيام فرع لضمان البطالة، والتقصير كذلك في تسديد متوجبات الدولة للضمان بما فيها الاشتراكات عن متعاقديها من موظفين وأجراء في المؤسسات والادارات العامة، والتفنّن في تبديد تعويضات فرع نهاية الخدمة، وطغيان اللاجدية واللا إستدامة في عمل لجنة المؤشر تاريخيا، فضلا عن اللامبالاة المفجعة حيال توقف إدارة الاحصاء المركزي عن متابعة احتساب مؤشر الاسعار خلال نحو ربع قرن (1975-1999)،.....
تعاقبت منذ الثمانينيات وصولا بشكل خاص الى التسعينيات مجموعة "صدمات" عزّزت استقطاب الثروة والدخل في البلاد: فكانت أزمة التضخم الفالت في الثمانينيات (معدل تضخم وسطي يناهز 110% سنويا) ؛ ثم الارتفاعات المتعاقبة في الريوع العقارية وأسعار الأراضي والمساكن في النصف الثاني من العقد الأول للألفية (ما بين 350% و450%)، مما جعل كلفة المسكن للمواطن تزيد من نحو 100 ضعف عن الأجر الشهري الوسطي الى نحو 400 ضعف؛ وكانت أيضا الآثار الرجعية regressive التي نتجت عن نمط إدارة الدولة للسياسة الضريبية والعجز المالي والدين العام، مما أدّى الى نقل جزء كبير من الثروة من جيوب الطبقة الوسطى والفقيرة الى جيوب القلّة من أصحاب المصارف والمال؛ كما كان ايضا إنخفاض وزن القطاعين الصناعي والزراعي في النشاط الاقتصادي وفي مجموع القوى العاملة (تراجعت نسبة العمال والعاملين فيهما من 38% من اجمالي القوى العاملة عام1970الى 18% فقط عام 2009)، بالترافق مع الارتفاع الملحوظ في نسبة العاملين لحسابهم. وهذه كلها ساهمت في إبقاء نسبة الأجراء من مجموع القوى العاملة عند العتبة التي بلغتها في أوائل السبعينيات، بخلاف ما تحقّق في التجارب الراسمالية الكلاسيكية. والخطير أن هذه التطورات قد تزامنت بعد نهاية الحرب الأهلية مع سطو التحالف الحاكم على إستقلالية الحركة النقابية، وبخاصة خلال حقبة "التحالف السوري- اللبناني" التي شهدت ارتفاع عدد الاتحادات النقابية بما يزيد عن أربعة أضعاف تحت ضغط القوى الوافدة الى الحكم، مما حوّل هذه الحركة النقابية الى جهاز في يد الحكم، وأفرغ الوظيفة العامة من مضمونها التاريخي المتصل بمفهوم الدولة الحديثة. فتحالف البورجوازية والزعامات الطائفية أضفى على الدولة اللبنانية صورة متخلّفة وزبائنية، الى جانب تغاضيه المطلق عن الفساد الممأسس وانهيار انتاجية العمل وتعاظم الشغور في ملاك الدولة الإداري مقابل تعميم التعاقد الوظيفي على أوسع نطاق.
ساهمت هذه العوامل كلها (سواء عن وعي أو عن قلّة إدراك؟) في تشجيع ظاهرة هجرة الشباب، التي كانت تعزّزت في الأصل خلال سنوات الحرب الأهلية وصدمتي اسعار النفط، وواصلت تصاعدها – وسط تقلبات – بعد إنتهاء هذه الحرب. وبالنسبة للاوليغارشية اللبنانية شكّلت هذه الظاهرة رافعة أساسية في استدامة نموذجها الاقتصادي الريعي. فتفضيلها تصدير الموارد البشرية للحصول على عائدات مباشرة وأموال بدلا من إنتاج وتصدير السلع والخدمات ذات القيمة المضافة العالية، ترك آثارا سلبية على بنية منظومة الأجور. ويشهد على ذلك سياق عمليات تصحيح الأجور منذ عام 1996، الذي يبرز مدى الخفّة التي تعاطت بها السلطة مع موضوع الأجور وآليات تصحيحها: آخر تصحيح نظامي (يعتمد ليس فقط على تصحيح الحدّ الأدنى للأجر بل أيضا على تصحيح الشطور مع حدّ أدنى وحدّ أعلى للزيادة) يعود الى عام ١٩٩٦ وشمل الأجراء النظامييتن في القطاعين العام والخاص، وتلاه تصحيح همايوني بمبلغ ٢٠٠ الف ل.ل مقطوع عام ٢٠٠٨ شمل هو أيضا مجموع أجراء القطاعين، ثم أعقبه تصحيح لأجراء القطاع الخاص حصرا عام ٢٠١٢، الى أن أتت السلسلة عام 2017 المخصّصة لأجراء القطاع العام بعد سيل من النضالات والتظاهرات. ولكن نعمة السلسلة لم تدم أكثر من سنتين، وبالرغم من تضخيم أرقامها من قبل أطراف السلطة، فان هؤلاء لم يتردّدوا لحظة في توظيف المزيد من العاملين في مؤسسات الدولة بغية شراء الولاءات عشية الانتخابات النيابية لعام 2018. ومع ذلك، فإن كلفة السلسلة لم تتجاوز 3% من كلفة الفجوة المالية التي انفجرت عام 2019. وبحسب تقدير أوّلي، بلغ متوسط الزيادة الإسمية في أجر العاملين في القطاع العام كنتيجة للتصحيحات ما بين 85% و100% منذ عام 1996 ولغاية عام 2018 (مع تفاوت هذه النسبة بحسب السلك والرتبة ونوع الصيغة التعاقدية)، بينما لم يتجاوز هذا المتوسّط 50% الى 60% لأجراء وموظّفي القطاع الخاص الذين لم يستفيدوا إلا من تصحيحين للأجور، في وقت تجاوز فيه الإرتفاع التراكمي للأسعار منذ عام 1996 ولغاية عام 2017 عتبة 130%.
تداعيات زلزال انهيار عام 2019 على الاجور والتقديمات
ما شهدناه بعد انهيار عام 2019 في موضوع الرواتب والاجور - التي انخفضت ذات يوم الى نحو 15% من قوتها الشرائية - كان أقرب الى الارتجال والترقيع وإحلال التسوًل كبديل للممارسة المؤسسية المسؤولة والمستدامة. ففي القطاع الحكومي بالذات، حلّت المساعدات الاجتماعية والحوافز ونفخ بدلات النقل وإستنباط سردية "مضاعف الأجر" (التي لا تدخل في صلب الراتب) كبديل للمعالجة النظامية لفجوة الرواتب، مع العلم أن فروقات استنسابية حصلت في تطبيق هذه المسكّنات بحسب الأدارات والأسلاك العامة المختلفة (مثلا القضاة، أساتذة الجامعة اللبنانية، مقارنة بغيرهم من موظفين). وفي فترة معيّنة، أصبحت الحوافز وبدلات النقل تشكّل اكثر من 85% من اجمالي تعويضات العمل في القطاع العام. وتعاقبت موازنات عدّة منذ عام 2020 – ناهيك عن أطنان من الوعود المتكررة – من دون ان يلحظ فيها أيّ أثر لتصحيح نظامي للرواتب والأجور او لمعاشات التقاعد. أما في القطاع الخاص، فلم تجر أيّ معالجة تأطيرية منظّمة من قبل الدولة لمواجهة تداعيات الانهيار المالي على الأجور والتقديمات وتعويضات نهاية الخدمة، باستثناء مراسيم تعديل الحدّ الأدنى للأجور ثلاث مرّات ( 3 مرّات بشكل نظامي وقبلها عدّة مرّات من دون صدورها بمراسيم عن مجلس الوزراء) ويضاف اليها إدخال تصحيحات محدودة في تعريفات الخدمات الاستشفائية التي يتولى تغطيتها فرع المرض والأمومة التابع لصندوق الضمان.
في المحصّلة العامة، وبالرغم من عدم توفّر قواعد احصائية حديثة وموثوقة، يمكن القول ان كل ما قدّم من مساعدات وحوافز للأجر في القطاع العام (حتى تاريخه) لم يحل دون بقاء القوة الشرائية للأجر الرسمي وسطيا ادنى من ثلث ما كانت عليه قبل عام 2019، باستثناء بعض الحالات المحدودة ذات الصلة بصيرورة عمل النظام الرسمي. ويكاد هذا ينطبق على أجور القطاع الخاص، مع اتجاه نسبي لتجاوز هذا الحدّ – صعودا وهبوطا – تبعا لطبيعة النشاط الاقتصادي والوظيفي للاجراء والعاملين في مؤسسات هذا القطاع التي تتميّز أوضاعها بقدر كبير من التباين والتشتّت. ففي المؤسسات الخاصة التي بقيت معدلات ربحيتها مقبولة أو مرتفعة بعد انهيار عام 2019، اتجهت الاجور بسرعة أكبر نحو التعويض ولو جزئيا عمّا تعرضّت له من خسائر، بينما كان الاتجاه التعويضي أبطأ بكثير في المؤسسات التي تنتج سلعا وخدمات ضعيفة القيمة المضافة وغير قابلة للتصدير. ومع اختلال آليات سوق العمل، سجّل لبنان عامي 2023 و2024 بحسب منظمة الاسكوا أعلى معدّلات بطالة في قائمة البلدان العربية العشرة المشمولة بالدراسة، إذ بلغ 27.6% من مجمل القوى العاملة، أي أعلى بنحو 2.4 مرات عن المتوسّط العام لمعدّلات البطالة في المنطقة. ولو لم ترتفع هجرة اللبنانيين في هذه الفترة (هاجر نحو 250 ألف لبناني عام 2024؟) لكانت نسبة البطالة أعلى بكثير.
وبصورة عامة، اتسعت شريحة الذين يتقاضون الحدّ الأدنى للأجور من 18% من عدد الأجراء المسجّلين قبل الأزمة، إلى 30% عام 2024. وتشير احصاءات الضمان الاجتماعي (الفصل الأول من 2024) الى أن 88% من الأجراء (287 ألف أجير) يتقاضون ضعفَي الحد الأدنى للأجور مقارنة مع 60.4% (181 ألف أجير) عام 2018. أما من يتقاضون أكثر من خمسة أضعاف الحد الأدنى فان نسبتهم انخفضت الى1.4% من الأجراء المسجلين مقابل 12.5% عام 2018. ويشير التمرين الحسابي المبني على تقديرات (وليس على قواعد احصائية محكمة) الى أن كتلة الأجور التي كانت تزيد عن 40% من الناتج المحلي الاجمالي اواسط السبعينيات (كان ألأجراء يشكّلون اكثر من 60% من مجموع العاملين)، تراجعت الى نحو 35% عام ١٩٩٧ (مع ناتج محلي اقلّ بكثير بسبب تداعيات الحرب الأهلية) ثم الى 25% عشية إقرار السلسلة لترتفع الى حوالي 30% عشية الانهيار المالي. وقد يكون انخفاض هذه النسبة محدودا في الوقت الحاضر بسبب التراجع الكبير الذي طال القيمة الفعلية للناتج المحلي.
في ظل الظروف السائدة، باتت العلاقة بين مستوى الاجر وخطوط الفقر حاضرة بقوّة (لا سيما خطّ الفقر المدقع). تتحدّد هذه العلاقة وفقا للمنهجية المعتمدة من قبل المنظمات الدولية المختصّة بالمعادلة التالية: تقدير الحد الادنى للسعرات الحرارية اللازمة لعيش الأسرة عند خط الكفاف، إنطلاقا من خصائص البنية الديموغرافية للأسرة (توزّع أفرادها بحسب النوع الاجتماعي والعمر)؛ تقدير قيمة السلة الغذائية (والاستهلاكية؟) التي تؤمّن هذه السعرات لكلّ من أفرادها ومن ثمّ لمجموع الأسرة؛ في المقابل تقدير متوسط عدد الناشطين في الأسرة ومتوسط دخلهم من عملهم الرئيسي (وعملهم الثانوي إن وجد)؛ ويأتي يعد ذلك التثبّت مما اذا كان الدخل المحصّل من قبل الأسرة يغطّي قيمة السلة الغذائية. وما هو متاح من معطيات احصائية حول مختلف هذه العوامل والمتغيرات يفيد أن تأمين الدخل اللازم لعيش الاسرة عند مستوى الكفاف يجب أن يكون مبنيا على حدّ أدنى للأجر لا يقلّ عن 800 دولار اميركي شهريا. وقد يكون هذا الوضع منطبقا على ثلث الأسر بحسب العديد من المنظمات الدولية، مع العلم أن هذا المبلغ يبقى مرشّحا للزيادة كلما ارتفعت اأسعار الاستهلاك بالدولار (كما هو حاصل للأسف منذ ثبات سعر صرف الدولار تجاه الليرة اللبنانية في أواسط عام 2023، حيث بلغت نسبة الزيادة الوسطية المتراكمة نحو 46% بين عام 2023 وعام 2025 في حين بلغت 21% بين كانون الاول 2023 وكانون الأول 2025).
إن أيّ مقاربة كلّية للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لا يمكنها المضيّ في ممارسة سياسة التجاهل والترقيع حيال هذا الاستقطاب الاجتماعي المتفاقم. وتقتضي أولويات المعالجة إلتزام السياسات العامة بإجراء تصحيحات دورية للأجور في القطاعين العام والخاص، وإجبار أصحاب العمل على التصريح عن كامل الأجر، وتمكين الأجراء من الاستفادة من تحسّن انتاجية العمل، والحدّ من نطاق عمل الأجراء غير النظامي في القطاع الخاص، وتحصين الأجر بشبكة فعلية من التقديمات ليصبح الأجر أجرا إجتماعيا، وإقرار نظام للتقاعد في القطاع الخاص يحمي - بطابعه التوزيعي - الفئات الفقيرة والمتوسطة من الطبقة العاملة، فضلا عن استحداث نظام لضمان البطالة.