ثلاث دقات.. نبض الباب ينذر بأمرٍ ما.
فتحت الباب، فإذا بعيني الرفيق "ع" تحملان همساً ثقيلاً من الأخبار. لم ينتظر حتى أسأل، فالكلمات انسكبت منه موجعة: "لقد اعتقلوا الرفيقة "ل"."
أمسكت بها مليشيات العملاء أثناء قيامها بمهمة استطلاعية في المناطق المحتلة، والآن هي رهن الاعتقال في ثكنة جزين العسكرية.
لم تكن "ل" مجرد اسمٍ بين الأسماء؛ كانت أمّاً لطفلين، تنحدر من بيروت بقلبٍ جنوبيٍ يعرف معنى الانتماء. بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، انضمّت إلى جبهة المقاومة رغم كلّ المحاولات لثنيها لأنّها أم. كانت ترى أن مقاومة الاحتلال هي أعظم هدية تقدمها لأطفالها.
التقينا لأول مرة في مكانٍ منعزل. تحدثت عن طفليها بحنان الأمهات، وعن حياتها البسيطة. حذّرتها من المخاطر التي تنتظرها، لكنّ تحذيراتي زادتها إصراراً. تدربت على الاستطلاع والتخفي وكشف المراقبة، بل وتعلمت كيف تواجه التحقيق لو وقعت في الأسر.
بعدها، حصلت على تصريح دخول المناطق المحتلة تحت ذريعة زيارة جدتها المريضة. بقيت هناك أسبوعين، عادت بعدهما بمعلومات ثمينة عن تحركات العدو وعملائه، بل ونسجت علاقات مع مسؤولين محليين لتسهيل مهماتها.
لكنّ الحظ خانها في إحدى المرات، حيث قبضت عليها دورية متعاونة مع الاحتلال واقتادتها إلى ثكنة جزين. هناك، عذّبوها واعتدوا عليها بوحشية حتى أُصيبت بنزيف حادّ، وأصبحت حياتها على المحك.
لكنّ للقدر خطوطاً خفية؛ كان بين حراس الثكنة من يحمل قلباً ينبض بالوطنية. أرسل إلينا بخبر اعتقالها وحالتها الخطيرة. اتّصل الرفاق وبطريقة غير مباشرة " كي لا ينفضح ارتباطها بالمقاومة "بالصليب الأحمر الدولي، وعرّفناهم بوحشية ما تتعرض له، فقاموا بدورهم بالضغط على قادة الاحتلال للإفراج عنها، خاصة وأنها صامدة لم تعترف بشيء.
أُدخلت المستشفى واقفة على حافة الموت، وخرجت بعد ثلاثة أشهر تحمل في جسدها آثار التعذيب، وفي روحها جراحاً لا تندمل. قابلتها في مقهى ببيروت، وطلبت العودة إلى العمل بشكل كامل. حين سألتها عن أطفالها، قالت: "هم بأمان مع والدهم.. لكن أي مستقبل ينتظرهم تحت الاحتلال؟".
انضمّت إلى مجموعة من المقاومة، حيث أصبحت نسمة محببة بين الرفاق، تضفي البهجة وتشاركهم المشاقّ بكلّ تفانٍ. لكنّها تغيّرت فجأة عندما وصلها خبر "سمير". صارمةٌ أصبحت، قاسية النظرات، تكثر من التدخين والانعزال.
ذات يوم، بعد عودة من مهمة، طلبت لقائي. نظرت إليّ بعينين تحملان ألماً قديماً، وطلبت المشاركة في عملية نوعية ضد العدو. حاولت تهدئتها، لكن إصرارها كان أقوى من كلّ كلمة.
اخترنا هدفاً محدّداً: دورية معادية تمرّ داخل بلدة دير سريان. كانت الخطة أن نزرع عبوة داخل بركة ماء جافة، وأن تبقى هي في مبنى قريب لتفجيرها عند مرور الدورية.
لكنّ قوات الطوارئ الدولية (الفنلندية) التي لا يبعد مركزها أكثر من ٥٠ متراً عن مكان العملية كانت تراقب. في الصباح، طوقوا الموقع وأمسكوا بها. لم يعتقلوها، بل انبهروا بشجاعتها. قالوا لها: "أنتِ فتاة شابة جميلة تقاومين من أجل وطنك.. هذا يذكرنا بنضالنا ضد النازي".
أعادوها إلى حدود المنطقة المحررة في "القعقعية"، وسلموها لرفاقها مع تحية إجلالٍ واحترام.
عَادَتْ إلينا بجسدها، لكنّ روحها بقيت هناك..