الحلقة 9: حكاية رصاصات الكرامة (4) - من أوراق المقاومة

حكاية رصاصات الكرامة (4)

(الحلقة 9)

من اوراق المقاومة - الجدران التي تتذكر

   كان المساء يزحف نحو بيروت بخطى بطيئة، حين خرجت سجى من المقهى. لم تعد خطواتها تحمل ذلك الإيقاع العفوي لفتيات في عمرها، بل صار فيها ثقلٌ جديد لا تدركه العيون العادية، لكن الأرض تحت قدميها كانت تشعر به جيدًا. لم يكن الفرح هو ما يملأ صدرها، بل شيء أشبه بتكريس غامض، كما لو أن الحياة ذاتها وضعت يدها على كتفها وقالت بصوت لا يُسمع لكنه يهز الأعماق: "لقد اخترتِ... أو ربما اُخترتِ".

   كان صدرها يضيق ويتسع في آنٍ واحد، ليطل منه نسمة الوطن الحادة، تلك النسمة التي تحمل رائحة التراب المنهمر تحت أولى حبات المطر، ورائحة الزيتون المرّ، ورائحة الدم الذي لم يُراق بعد لكنه يسري في شرايين الأرض. في تلك اللحظة بالذات، عبرت سجى عتبة هيكل جديد، هيكل اسمه الوطن، وطقوسه: الصمت المطبق، والترقب القاتل، والاستعداد للتضحية.

لم تكن لقاءاتنا التي تلت مجرد مواعيد عادية. ذلك المكان الصغير الذي كنا نلتقي فيه تحوّل بهدوء إلى مدرسة سرية، تعلّم في الظل والصمت. كانت سجى تجلس أمامي، وعيناها تلتقطان كل كلمة، كل إشارة، كل صمت طويل.

في تلك الأسابيع، تعلمت أشياء لا تُدرّس في أي جامعة. عيناها صارتا تراقبان الناس بطريقة مختلفة: كيف تقرأ حركاتهم، كيف تفرق بين نظرة عابرة وأخرى مرتابة، وبين وقوف عادي وآخر مريب. أصابعها الناعمة تعلّمت كيف تخبئ رسائل سرية داخل كلمات عادية، حروف تبدو للوهلة الأولى بريئة لكنها تحمل في طياتها ما قد يكلفها حياتها لو انكشف. أذناها صارتا كصياد ماهر، يعرف كيف يستدرج الأحاديث من الآخرين بهمس وأسئلة بسيطة لا تثير الشك

  وتجاوزنا ذلك إلى فنون أعمق: قراءة الخرائط الصامتة التي لا تحمل كلمة واحدة لكنها تتكلم بلغة من يعرف أسرارها، وأسرار التصوير دون أن تلتقط الكاميرا انتباه أحد، وطرق جمع المعلومات من أحاديث الناس العادية، والاستعداد النفسي لمواجهة أسوأ الاحتمالات: احتمالات الاعتقال، والتحقيق، وربما ما هو أبعد.

   كانت سجى تمتص هذه المعرفة كالأرض العطشى تمطرها السماء. وكنت أراقبها وأنا أشعر بأنني أساعدها على اكتشاف تلك القوة التي كانت نائمة في أعماقها.

   وفي أحد اللقاءات، فتحنا معًا نقاش تغطية نشاطها. "لماذا ستكررين زيارتك إلى بلدتك المحتلة؟ كيف ستبررين لفضول الأهل والجيران تكرار هذه الرحلات؟"

   كانت إجاباتها تنمو أمامي كشجرة وارفة تضرب بجذورها في أرض التفاصيل الحقيقية. تحدثت بهدوء عن امتحاناتها الجامعية، وعن حنينها المعلن إلى قريتها وعائلتها، وعن رغبتها في النجاح الذي ينتظره الجميع. كانت تروي القصة بإتقان، تضع التفاصيل الصغيرة في مكانها، حتى كادت هي نفسها تصدق ما تقول. وفي تلك اللحظة أدركت: هذه الفتاة لديها موهبة نادرة، موهبة التحول إلى دورها لدرجة النسيان التام.

   ثم جاء مجدداً دور التقرير الأول. وضعنا الأوراق على الطاولة، وجلسنا نحلل كل سطر وكل كلمة، كل وجه قابلته، كل اسم دوّنته في ذاكرتها، كل هدف حددته. كان حوارنا خاليًا من المشاعر الزائدة. كنت أسأل وهي تجيب، وكانت هي تسأل فأجيب، وكأننا لا نصنع تاريخًا، بل ندرس مسألة رياضية معقدة.

   لكن في أعماقي، كنت أتأمل هذا التحول الذي يحدث أمامي وكأنه معجزة صامتة. فتاة مرهفة الإحساس، مفعمة بالحيوية، كيف تتحول رويدًا رويدًا إلى شخصية أخرى: هادئة ويقظة، صلبة كالصخر، سريعة التعلّم. كان هذا التحول يجري في هدوء، دون ضجيج أو جلبة

   وعندما حان وقت الوداع، وقفت سجى أمامي، وكانت غير تلك التي دخلت المقهى قبل أسابيع. حملت عيناها نظرة ثاقبة بعيدة، نظرة من يعرف أن العالم ليس كما يبدو، وأن خلف كل وجه قصة، وخلف كل جدار سر. مشت في الشارع المهجور، وتركت خلفها شعورًا بأن شيئًا كبيرًا قد ولد في هذه المدينة التي تلد الآلام كل يوم.

   كانت قد غادرت شاطئ الأمان بكل أمانيه الزائفة، وبدأت سباحتها في بحر الظل. هناك، حيث الأمواج عاتية والقاع مجهول، لكن الشاطئ الوحيد الذي يستحق العناء هو الوطن.

   خلال الأسابيع التالية، عاشت سجى صراعًا خفيًا لم تبوح به لأحد. كانت حياتها الطلابية تستمر كالمعتاد: المحاضرات، الصديقات، أحاديث القهوة، ضحكات السكن. لكن في داخلها، كانت تعيش عالمًا آخر. كانت تسأل نفسها في الليل حين تخلو بنفسها: كيف ستتعامل مع أسئلة زميلاتها الفضوليات عن غياباتها المتكررة؟ كيف ستوازن بين دراستها وواجبها الجديد دون أن ينهار أحد الجانبين؟

في صمت الليل، كانت تعد العدة للقاء المقبل. تُراجع في خلدها كل ما تعلمته، تتخيل السيناريوهات الممكنة، وتُعدّ ردود الأفعال. الأيام تمر ثقيلة عليها أيضًا، لكنها تملؤها بالتحضير والصبر.

حتى إذا كان حزيران من عام 1987، وكانت بيروت تعج بالحياة رغم كل الجراح، غادرت مبكرًا نحو المدينة. كنت أتحسّب لمفاجآت الطريق، فاخترت مكانًا قريبًا من نقطة اللقاء، أستطيع من خلاله مراقبة المقتربين دون أن يُكشف أمري. هناك، حيث يبدأ الترقب، كانت الدقائق تمر ثقيلة، بطيئة كأنها لا تريد أن تمضي.

   وفي الوقت المحدد تمامًا، كعادتها، ظهرت سجى. كانت تمشي بخطى واثقة، لكنها ليست الخطى الواثقة نفسها التي كانت تمشي بها قبل شهر. كان هناك شيء جديد في طريقة رفع رأسها، في التفاتاتها السريعة حولها، في الطريقة التي اختارت بها الجلوس وظهرها إلى الجدار.

   بعد أن تبادلنا التحية، بادرتني بالحديث والابتسامة تعلو وجهها المتألق. كانت تبتسم كمن يحمل بشرى، لكن عينيها كانتا جادتين: "لقد أنهيت الامتحان، كانت النتيجة جيدة جدًا. طلبت من أهلي أن آخذ قسطًا من الراحة، وأخبرتهم أنني بحاجة للصعود إلى البلدة. في البداية لم يتفهموا، قالوا إن البقاء في بيروت أفضل للمذاكرة. لكنني أوضحت أنني هناك أستطيع المذاكرة والراحة في نفس الوقت، وأن الهواء النقي سيساعدني على التركيز. وفي النهاية وافقوا".

كان الخبر ممتازًا، بل أكثر من ممتاز. شرعنا فورًا في تحديد مهام الزيارة بدقة.

أولاً: الاقتراب أكثر من صديقتها التي تعمل سكرتيرة للضابط المسؤول عن الإدارة المحلية للشريط المحتل التابعة للعدو في ثكنة مرجعيون. محاولة كسب ثقتها، وسماع أحاديثها عن العمل، ومعرفة إن كان يمكن استدراجها للحديث عن وثائق تمر بين يديها. بحذر، بحذر شديد، كمن يداعب ثعبانًا.

 

ثانيًا: تعميق العلاقة مع المسؤول العسكري للبلدة.

 

ثالثًا: استطلاع الوضع العام لبلدتها والمنطقة المحيطة بها. تحركات جيش العدو، نقاط التفتيش، الأوقات التي يخفف فيها الحراس انتباههم، الطرق البديلة، البيوت المهجورة التي يمكن أن تكون ملاذًا آمنًا.

وقبل أن نفترق، أخرجت كتابًا قديمًا كان معي. مددته إليها قائلًا: "هذا الكتاب يحكي قصصًا عن تجارب الشعوب في المقاومة. اقرئيه جيدًا، ستجدين فيه الكثير مما نحتاج إليه".

واتفقنا على طريقة بسيطة للتواصل بعد عودتها، تكون آمنة ولا تلفت الانتباه. كانت الطريقة تعتمد على رفيقه "مراسله فيما بيننا "التي لا تعرف شيئًا؛ ثم يكون اللقاء في المكان الذي حددناه مسبقاً.

ودعتها متمنيًا النجاح، لكنني شددت مرة أخرى على أهمية سلامتها الشخصية.

نظرت إليّ، ثم قالت بصوت هادئ: "أعرف. الوطن يحتاج أبناءه أحياء، لا شهداء فقط". ثم ابتسمت وانصرفت.

في طريق العودة، مررت على الرفيق مازن تلبية لدعوة مضت. وجدته غارقًا في ترتيب منزله الصغير، حيث كانت صناديق الكتب لا تزال مغلقة، والستائر تنتظر من يعلقها، ورائحة الدهان الجديد تفوح في أرجاء المكان.

قضينا سهرة جميلة برفقة زوجته، نتجاذب أطراف الحديث عن أيام مضت، عن رفاق سقطوا، وآخرين هاجروا، ومنهم من بقي صامدًا. كانت زوجته تغتنم فرصة انشغالنا بالحديث، فتغادر لتعود إلينا بالقهوة والشاي، ومعها أطباق بسيطة لكنها شهية، وحلويات تتفنن في إعدادها. وحين جاء وقت الرحيل في ساعة متأخرة، غادرت وقد امتلأت نفسي بعنفوان لا يوصف؛ ففي زمن المقاومة، يظل الأصدقاء القدامى وقودًا يذكي النار ويبقيها··

بعد ثلاثة أسابيع من هذا اللقاء، تلقيت الإشارة المنتظرة. كانت عبر الرفيقة المراسلة فيما بيننا، كلمة عابرة في اتصال هاتفي عادي: "سجى سلمت عليك". تلك كانت الإشارة.

كنا قد حددنا مكان اللقاء مسبقًا، مكانًا مغلقًا وآمنًا. كنت قد وصلت قبلها، وتأكدت من نظافة المكان: لا عيون ولا آذان. حضرت كوبين من الشاي الساخن، مشروب سجى المفضل، وأنا أنتظر.

دخلت سجى، وكانت مختلفة. نعم، كانت مختلفة تمامًا. كان وجهها متعبًا، لكن عينيها كانتا تشعان بضوء داخلي غريب. بعد السلام والاطمئنان على صحتها، أخذت كوب الشاي بكلتي يديها كمن يحتاج إلى الدفء، ثم أخذت الكلام.

بدأت تحكي.

كان هذا اللقاء مختلفًا جدًا عما سبقه. كان كل شيء مختلفًا: نبرة صوتها، طريقة سردها، التفاصيل التي كانت تذكرها. كانت تحكي، وأنا أستمع، وشيء في داخلي كان يقول إن خطتنا ستتغير، إن كل ما بنيناه سيُعاد رسمه من جديد، بناءً على التطور الذي حدث مع سجى خلال تواجدها في بلدتها المحتلة.

الشاي يبرد في الكوب، وسجى تحكي.

وتحكي.

*يتبع