رفلة أبو جمرة عقدة كل مستبد إلى الآن

رفلة أبو جمرة ليس مجرد اسم عابر في ذاكرة مدينة صور، بل هو واحد من الوجوه التي التصقت بتاريخها الشعبي والنقابي منذ أربعينيات القرن الماضي. رجل عاش بين الناس، وانشغل بقضاياهم أكثر مما انشغل بنفسه، حتى بات حضوره جزءًا من الحياة اليومية في الجنوب اللبناني.


منذ سنوات النضال ضد الانتداب الفرنسي، كان أبو جمرة حاضرًا في التحركات الوطنية التي طالبت باستقلال لبنان وإجلاء القوات الفرنسية عنه. وكان من مؤسسي بدايات تشكّل الحركة اليسارية في الجنوب، إذ كان من بين مؤسسي تنظيمات الحزب الشيوعي اللبناني في صور، كما ساهم في تأسيس اللجان والنقابات العمالية التي دافعت عن حقوق العمال والحرفيين والفئات المهمّشة في مواجهة الاستبداد الإقطاعي والبرجوازية السياسية آنذاك.

امتهن الخياطة، وبرع فيها إلى درجة أن البعض لقّبه بـ«خياط الأمراء والملوك»، لكن قربه الحقيقي بقي من الناس البسطاء. كان معلّمًا وداعمًا للخياطين المبتدئين الذين لم تسمح لهم ظروفهم الاقتصادية بامتلاك أبسط سبل العيش، ووجد فيه عمّال المنطقة نصيرًا لهم. فكان لسان شكواهم في الصحف اللبنانية، وفضح المسيئين إليهم، كما كان قدوة في تأسيس نقاباتهم وأطرهم النقابية. كما وقف إلى جانب صيادي البحر في صور، وساند عمّال ومزارعي التبغ في الجنوب في معاركهم المطلبية لتحسين ظروفهم المعيشية.

ولم يقتصر دوره على السياسة والنقابات فقط، بل امتد إلى العمل الاجتماعي والصحي. فمن خلال نشاطه في النجدة الشعبية اللبنانية، ساهم في إطلاق مبادرات وخدمات استهدفت الفقراء والعائلات المحتاجة. وكان من بين الذين خاضوا نضالات شعبية ساهمت في دفع الدولة إلى افتتاح مستشفى حكومي، ومدرسة رسمية، وفرع للدفاع المدني في مدينة صور، كما ساهم في تأسيس أول مستوصف ميداني في المدينة لتأمين الرعاية الصحية للناس في زمن كانت فيه الخدمات الأساسية شبه غائبة.

وفي الجنوب، ارتبط اسمه أيضًا بدعم المقاومة الوطنية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، من خلال حضوره السياسي والشعبي، وتعبئة الأوساط الوطنية والنقابية دفاعًا عن القرى الجنوبية وأهلها.
دفع رفلة أبو جمرة ثمن مواقفه أكثر من مرة، إذ تعرّض للاعتقال بسبب نشاطه السياسي والنقابي، شأنه شأن كثير من ناشطي الحركة الوطنية واليسارية في تلك المرحلة.

ورغم هذا التاريخ الطويل، بقي رفلة أبو جمرة بعيدًا عن الأضواء. كان متواضعًا إلى حد النفور من الإعلام والصور، حتى إن المقرّبين منه يقولون إن العثور على صورة شخصية له ليس أمرًا سهلًا. فضّل أن يبقى بين الناس لا أمام الكاميرات، وأن يُعرَف بأفعاله لا بخطاباته. وربما لهذا السبب ظل حضوره حيًا في ذاكرة أبناء صور، كواحد من الرجال الذين أعطوا حياتهم بالكامل للنضال، حتى أهملوا حياتهم الشخصية والعائلية في سبيل القضايا التي آمنوا بها.

وتكريمًا لمسيرته، أُطلق اسمه على أحد فروع “النجدة الشعبية اللبنانية” في مدينة صور، وهو الفرع الذي تعرّض مؤخرًا للقصف، في مشهد أعاد استحضار سيرة رجل ارتبط اسمه بالخدمة العامة والعمل الوطني والاجتماعي، وبقي حاضرًا في ذاكرة المدينة وأهلها.

فادي زراقط.