الأزمة الأوكرانية... ماذا بعد خيرسون؟

قد يعتقد القارئ الكريم، للوهلة الأولى، أن الحديث عن الأوضاع ما بعد خيرسون سابق لأوانه، إلا أن المراقب والمتابع للأحداث الجارية في أوكرانيا، وطبيعة و آليات إدارة الصراع بين روسيا والناتو، يعلم جيداً أن هذه المعركة ستكون الفاصلة بين طورين أساسسين من أطوار الصراع؛ إذ سنشهد تحولات جذرية في بنيته، وهذه التحولات ستطال لاعبيه وداعميه وموضوعه ونماذجه الإعلامية أيضاً.

لذلك، لا عجب أن نسمع في بعض وسائل الإعلام الموالية للنظام الأوكراني عبارات غريبة، من قبيل: روسيا تقوم بإجلاء المدنيين من مدينة خيرسون تمهيداً لقصفها بالسلاح النووي! أو عبارة: ستتحول خيرسون إلى ستالينغراد! و غيرها من التخمينات والتكهنات والإيحاءات؛ التي تعكس، في الحقيقة، حالة قهرية من الهذيان؛ لأنهم يدركون جيداً جولة البلاء والمحنة التي ستعقب معركة خيرسون!
في مقاطعة خيرسون الآن، تُجري أوكرانيا تحضيرات كبيرة؛ إذ تؤكد العديد من المصادر بأن أوكرانيا حشدت الجزء الأكبر من قواتها لهذه المعركة، كما أن العديد من الوحدات العسكرية انسحبت من باقي الجبهات متجهة إلى خيرسون.
و وفقاً لما نشرته صحيفة الواشنطن البوست في الأسبوع الفائت، فإن الرئيس بايدن أخبر الرئيس الأوكراني زيلينسكي بأن الكونغرس قد لا يوافق على استمرارية الدعم العسكري إذا استمر الأخير بالتشكّي من عدم كفاية الدعم الغربي؛ لذلك يُرجح السيد فلاديمير روغوف، عضو مجلس إدارة مقاطعة زاباروجيا و ممثل حركة (نحن جميعاً مع روسيا)، أن يضغط زيلينسكي بشدة على القوات الأوكرانية لكي تتمكن من السيطرة على خيرسون قبل الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني القادم، وهو موعد انطلاق الانتخابات النصفية في الكونغرس الأمريكي، بهدف استجرار دعم أمريكي أكبر لأوكرانيا في المرحلة القادمة.
في الواقع، يشكل سد كاخوفكا نقطة الضعف الكبرى في مقاطعة خيرسون؛ فتدمير هذ السد سيشكل كارثة حقيقية في تلك المنطقة. إذ يحتجز هذا السد حوالي 18 مليون متر مكعب من المياه، و ستعقب عملية التفجير موجة مياه عارمة، ستؤدي إلى إغراق المناطق الواقعة على يسار النهر، وسيستمر غمر المياه لتلك المناطق ثلاثة أيام متواصلة؛ فهذه المناطق أقل ارتفاعاً مقارنة مع تلك الواقعة على يمينه. وبالنتيجة سيؤدي ذلك إلى إعاقة تحرك القوات والآليات العسكرية الروسية، المتمركزة بشكل أساسي على يسار النهر. علاوة على ذلك، ستضطر القوات الروسية إلى ترك معداتها وآلياتها بهدف إنقاذ المدنيين.
لذلك نلاحظ أن الجنرال سيرغي سورافيكين، قائد العملية العسكرية الروسية الخاصة، في مقابلته على قناة روسيا 24 بتاريخ 18 أكتوبر/تشرين أول الجاري، وصف الوضع في خيرسون بأنه متوتر، كما أنه أعلن أننا سنواجه هناك قرارات صعبة، كما أكّد أن القوات الروسية ستتصرف انطلاقاً من المبادئ والمرتكزات التي قامت عليها العملية العسكرية و المتمثلة بالمحافظة على حياة المدنيين قدر الإمكان.
بدوره، اتهم الرئيس الأوكراني روسيا بأنها قامت بتلغيم السد و محطة كاخوفكا الكهرمائية بهدف تفجيرهما ومن ثم اتهام أوكرانيا؛ إلا أن زيلينسكي لم يوضّح لماذا ستفعل روسيا ذلك، وهي تعلم حجم الكارثة التي ستنجم عن عملية التفجير هذه؛ لذلك فإننا نعتقد بأن الغرض من تصريح زيلينسكي تحضير الرأي العام لمثل هذا الحدث الخطير.
في ضوء ما تقدم، فإنه من المرجح أن تبدأ المنازلة الكبرى في الأيام القادمة، مع العلم أن القوات الأوكرانية تقوم بتحسس وجس نبض الدفاعات الروسية بهجومات محدودة بين الفينة والأخرى!
من نافلة القول، الولايات المتحدة حذرة جداً في إرسال أسلحة متطورة إلى أوكرانيا، إلا أن الواقع يؤكد أن ما لا يمكن حدوثه الآن قد يحدث في المستقبل؛ فصواريخ جافلين المضادة للدروع كانت ممنوعة الإدخال إلى أوكرانيا بعيد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، ولكن ما لبث أن بُدِئَ تقديمها إلى أوكرانيا بكميات ضئيلة في عام 2017، أما الآن فهي تتدفق إلى أوكرانيا بكميات كبيرة يومياً؛ و الأمر نفسه يمكن ملاحظته فيما يتعلق بصواريخ ستينغر المضادة للطيران وراجمات الصواريخ هيمارس، كما أن الحديث يجري عن تقديم المنظومات الأكثر تطوراً NASAMS المضادة للطيران منذ بداية تموز، إلا أنه حتى هذه اللحظة، وفق المعلومات المتوفرة، لم يتم تقديمها بعد، وإن تم ذلك فلن يتم تقديم سوى 2-4 منظومات؛ فهذا العدد، وفق حسابات عسكرية بحتة، سيساهم في تغيير توازن القوة لصالح أوكرانيا، ولكنه لا يشكل تهديداً استراتيجياً لروسيا.
إذاً، الموضوع يعتمد على سير المعارك وتطور الأحداث!
في هذا السياق، لا بد من طرح سؤال جوهري، تُعتبَر الإجابة عليه الهدف الرئيسي لهذه المقالة، وهو:
ما الذي سيحدث بعد اندحار القوات الأوكرانية في خيرسون؟
فنحن على يقين مطلق بأنه لا خيار أمام روسيا سوى صد هذه القوات وتكبيدها خسائر كبيرة جداً!
وللجواب على هذا السؤال لا بد من العودة إلى الميدان من جديد؛ لذلك و باختصار شديد، تعني خسارة أوكرانيا لمعركة خيرسون أن الطريق إلى نيكولاييف وأوديسا بات مفتوحاً، والإستيلاء على هاتين المقاطعتين لن يكون صعباً أمام القوات الروسية، وهذا يعني أيضاً عزل أوكرانيا كلها عن البحر الأسود!
ثمة ملاحظة ضرورية في هذا السياق، لا تشكل القطاعات الأخرى في الجبهة، كمنطقة قوس الدونباس التي تضم بعض المدن و البلدات في جمهوريتي لوغانسك ودانيتسك أو مدينة زاباروجيا تهديداً خطيراً على القوات الروسية، لأن المعارك مستمرة هناك و سقوط هذه المناطق مسألة وقت لا أكثر.
إذاً، يبدو جلياً أن الطريق إلى كييف، وإلى لفوف أيضاً، سيصبح مفتوحاً أمام القوات الروسية بعد عدة أسابيع فقط، أي أن القوات الروسية ستصبح على الحدود الجغرافية للناتو، لذلك نلاحظ أن الحديث بدأ يتصاعد عن تسخين جبهة بيلاروسيا وأن هناك تعبئة سرية تجري هناك، والحقيقة أن الغاية من تفعيل جبهة بيلاروسيا هو الهجوم على غرب أوكرانيا؛ فالموطن الحقيقي للنازية هو المنطقة المسماة تاريخياً بـ (غاليسيا) Galicia، و التي تضم مقاطعات: لفوف وإيفانو-فرانكيفسك وتيرنوبيل الأوكرانية وكذلك مقاطعة بودكارباتسكي البولونية؛ وروسيا أعلنت أن الهدف الحقيقي من عمليتها العسكرية هو اجتثاث النازية من أوكرانيا، وهذا الهدف لم يتحقق بضم أربع مناطق جديدة، كما أنه لن يتحقق إلا بالمضي غرباً نحو غاليسيا؛ وهذا سيشكل طوراً جديداً و خطيراً في الصراع كما أشرنا في مقدمة هذه المقالة.
على هذه الخلفية، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تبحث عن إجابة:
هل يريد الغرب فعلاً النصر لأوكرانيا في هذه المعركة؟
وهل أوكرانيا أصلاً قادرة على إنجاز هذا النصر؟
ولماذا لا يرسل الغرب كميات كبيرة من الأسلحة وبسرعة أكبر أو يرسل أسلحة نوعية إلى أوكرانيا؟
نعم، يتمنى الغرب أن تنتصر أوكرانيا في هذه الحرب، ولكنهم لا يعرفون كيف يحققون هذا النصر؛ لذلك نلاحظ أنهم يكتفون بعملية التسخين التدريجي للمعركة ورفع الروح المعنوية عند الأوكرانيين؛ كما أن المسؤلين الغربيين يهربون بمكر وخباثة من الإجابة على السؤال الأخير؛ ويقدمون إجابات لا تمت للواقع بصلة، من قبيل: الأفضلية في تقديم الأسلحة الضرورية والملحة الآن؛ لابد من تدريب الأوكرانيين على الأسلحة وطريقة صيانتها؛ لا بد من التأكد من قدرة الأوكرانيين على الإستخدام الفعال للأسلحة المقدمة ... وغيرها من الأضاليل والأكاذيب.
في الحقيقة، أدخلت الولايات المتحدة القيادة الأوكرانية و أوروبا كلها، بانقيادهما الجامح خلفها، في حومة ذلٍ وحلقة ضيقٍ؛ فهي تدرك جيداً أن تقديم أي سلاحٍ، من شأنه أن يشكل تهديداً إستراتيجياً لروسيا، سيستدعي تصعيداً روسيا كبيراً؛ أفقياً بضرب بلدان الناتو، أو عمودياً باستخدام الأسلحة غير التقليدية؛ لذلك نلاحظ أن أمين عام حلف الناتو بين الفينة والأخرى يطلق تصريحه المتكرر بأن الناتو ليس طرفاً في المعركة. أما الروح القتالية عند الأوكران فقد حطمتها روسيا بضربها للبنى التحتية الإستراتيجية والحساسة في الأيام الأخيرة، وإذا استمرت روسيا على هذا المنوال فهذا يعني توقف كلي للحياة في أوكرانيا!
لقد أدرك المسؤولون الغربيون منذ اللحظة الأولى لاندلاع العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا أن إحتمال الإصطدام المباشر بين روسيا والناتو أصبح كبيراً. كما أنهم أدركوا أيضاً، بعد أشهر من انطلاق هذه العملية، أن إمكانية استخدام أوكرانيا كمنطلق وموطئ قدم لزعزعة استقرار روسيا هو حلم من أحلام اليقظة فحسب. لذلك لاحظنا تبدلاً في المصطلحات الجيوسياسية التي يستخدمها مسؤولو الناتو؛ إذ باتوا يتحدثون عن (شريط دعم وأمان) لحماية حدود الناتو بدلاً (موطئ قدم في أوكرانيا)؛ لذلك توافقوا على ضرورة استنزاف روسيا وإنهاكها قبل أن تبلغ تلك الحدود؛ فبدأوا بالنفخ في أنف زيلينسكي وتشجيعه على القيام بهجومات معاكسة ضد القوات الروسية، فاعتقد الأخير أنه يحقق الانتصارات، وهو لا يعلم أنه اشترى غروراً و حصد ثبوراً.
من هنا يبرز سؤال هام، قد يبدو غريباً: أين ستكون حدود الناتو عند وصول القوات الروسية إليها؟
من المؤكد أن روسيا، بعد خيرسون، ستمضي غرباً، والحقيقة من الصعب جداً التكهن بمآلات الأوضاع لاحقاً، لذلك سنورد بعض القرائن المتفق عليها، و التي قد تساعدنا في رسم ملامح المرحلة المقبلة:
-باتت معظم الدول الغربية الرئيسية على قناعة بعدم جدوى الدعم العسكري لأوكرانيا وعدم جدوى العقوبات الإقتصادية ضد روسيا؛ وما لجوء أوكرانيا إلى إسرائيل للحصول على أنظمة دفاع جوي، وامتناع الأخيرة عن تقديمها، سوى دليل على أن الدول الغربية قد تتوقف نهائياً عن تقديم الدعم لأوكرانيا. والأخبار الواردة من الميدان تؤكد أن العديد من القوات الأوكرانية تحاول الاستسلام، وهي لا تريد القتال، ولكن نظام كييف قام بزرع وحدات أمنية متخصصة، مهمتها إطلاق النار على الهاربين وعلى كل من يخالف الأوامر العسكرية.
-بدأت بعض دول أوروبا الشرقية، وخاصة بولونيا وسلوفاكيا وهنغاريا، ترفع الصوت في الحديث عن حقوق تاريخية لها في الغرب الأوكراني. والحقيقة أن بعض الأجزاء الغربية من أوكرانيا كانت ضمن سيادة هذه الدول في فترة ماضية من التاريخ. هذا الموقف يعني أن هذه الدول سلمت بالأمر الواقع، وتحاول تحقيق مكاسب سياسية معينة على خلفية الواقع الجيوسياسي الجديد، ولكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب التنسيق والتعاون مع روسيا في كل الأحوال.
-قد تسحب الولايات المتحدة يدها من القضية نهائياً وتترك الساحة للمجهول، فهي تدرك أن الصدام المباشر مع روسيا سيقود إلى حرب مدمرة للجميع، كما أنها منشغلة بالصين الآن ولديها الكثير من المشاكل الإقتصادية الداخلية. لذلك نلاحظ أن التواصل الروسي-الأمريكي لم ينقطع بالرغم من اللهجة العدائية بين الطرفين، وكان آخرها الاتصال الهاتفي الذي جرى بين وزيري دفاع البلدين بتاريخ 21 أكتوبر/ تشرين أول الجاري.
-فشل الآلة الإعلامية الغربية في تكوين رأي عام معادٍ لروسيا؛ فروسيا ما زالت تقدم رواية متوازنة للأحداث في أوكرانيا وخطاباً عقلانياً عن رؤيتها للعالم، مقارنة مع ضخ وتضليل إعلاميين غربيين غير مسبوقين أصبحت أهدافهما مكشوفة للكبير والصغير والقريب والبعيد.
-هناك تبدل ملحوظ في مزاج الشارع الأوروبي خصوصاً والعالمي عموماً على خلفية المشاكل الإقتصادية-الإجتماعية التي أنتجتها الأزمة الأوكرانية، و يشهد على ذلك سقوط بعض الحكومات الأوروبية، و صعود بعض الأحزاب اليمينية في بعض الدول؛ وهذا، في الحقيقة، يأتي في سياق الإستجابة (اللاعقلانية) على واقع (لاعقلاني ومعقد).
استناداً إلى ما تقدم، فإننا قد نشهد تشظٍّ أوروبي في المواقف من الأزمة الأوكرانية، وخاصة بين دول أوروبا الشرقية ودول البلطيق؛ فبالرغم من أن هذه الدول هي الأكثر حماساً لمواجهة روسيا، ولكن هذا الحماس هو ردة فعل غير ناضجة وغير رشيدة على الحقبة السوفيتية؛ إلا أن هذه الحقبة اختفت من الواقع السياسي، وليس لها وجود الآن إلا في أذهان بعض النخب الحاكمة في تلك الدول. كما أننا قد نشهد خلافات حادة بين الدول السابقة من جهة و دول أوروبا الغربية من جهة أخرى.
ثمة ملاحظة هامة، يجدر توضيحها، ترتبط بالتصريحات التي أطلقها أردوغان حول تحسسه لـ (مرونة و انفتاح) أكثر للمفاوضات مع كييف عند بوتين. الحقيقة أن موسكو لم تتردد لحظةً عن الدخول في مفاوضات مع كييف، كما أن المفاوضات بين الطرفين رافقت العملية العسكرية منذ بدايتها تقريباً، وقد جرت عدة جولات تفاوضية في بيلاروسيا و تركيا، إلا أن نظام كييف أنصت للوعود الغربية و توهم أنه قادر على تحقيق نصر ساحق على روسيا، الأمر الذي أدى إلى توقف المفاوضات.
ختاماً، لقد لجأت روسيا إلى الخيار العسكري، لأنه في الحقيقة انعدمت جميع الخيارات السلمية الأخرى، وهي تدير المعركة بصبر و حكمة، كما أنها لم تغلق باب المفاوضات. لذلك، الكرة الآن في الملعب الأوروبي؛ فإما أن تدخل الدول الأوروبية في مواجهة مباشرة مع روسيا، وهذا خيار مدمر للجميع؛ أو نشهد صحوة أوروبية تقود إلى التخلي عن التفكير بكون أوروبا مجرد (كيان اقتصادي)، وبالتالي السعي إلى تعزيز (السيادة الدفاعية الأوروبية)، وهو المشروع الذي سعت إليه ميركل ودعمته فرنسا؛ فالتعاون بين جناحي الناتو أدّى إلى تعقيدات كثيرة، كان المستفيد الوحيد منها الولايات المتحدة الأمريكية (دماغ الناتو وعضلاته)؛ و عملية الاستقلال الدفاعي في أوروبا ستؤدي إلى دفن حلف الناتو و إنهاء الهيمنة الأمريكية على القرار الأوروبي.

باحث في مركز الأوضاع الاستراتيجية (موسكو).

  • العدد رقم: 409
`


آصف ملحم