عناوين سريعة حول تحرك رابطة أساتذة الجامعة اللبنانية

الجامعة اللبنانية هي مؤسسة وطنية وصرح علمي، لعبت دوراً بارزاً منذ تأسيسها في إعداد الكفاءات والقدرات التي تميّزت في الداخل كما في الخارج اللبناني على امتداد العقود الأخيرة.
منذ بداية الحرب الأهلية حاولت أركان السلطة السياسية تحجيم دورها بدءاً من تفريعها في العام 1977، حيث ازداد هذا التآمر في العام 1997عندما "صودِرَتْ" استقلاليتها وانتُزِعت منها صلاحيات مجلس الجامعة في تسويةٍ تمّت بين الرئيسين نبيه بري ورفيق الحريري، على قاعدة أن تكون رئاسة الجامعة للأول وإلحاق صلاحيات مجلس الجامعة إلى مجلس الوزراء.

مذ ذاك الحين، استباحت أحزاب السلطة السياسية جميع مرافق الجامعة في التعيينات وفي ملفات التفرّغ والعمادات والصيانة والمناقصات، إضافة إلى الإمعان في التحاصص ضمن رابطة الأساتذة المتفرّغين.
ومؤخراً شهدت الجامعة اللبنانية إضراباً "مفتوحاً" هو بمثابة انتفاضة على تسلّط القوى السياسية الحزبية على الإدارة النقابية.
أما وقد أسفر تصويت جلسة المندوبين لرابطة الأساتذة المتفرّغين في الجامعة اللبنانية في اجتماعهم الأخير (22 حزيران 2019) على الاستمرار بالاضراب حتى تحقيق المطالب، فقد أدّى هذا الاستفتاء الديمقراطي إلى توجيه صفعة كبيرة لأحزاب وقوى السلطة التي صادرت العمل النقابي وأمسكت بهيئاته، بدءاً من الامساك بقرار الاتحاد العمالي العام، وبعدها بهيئة التنسيق النقابية، استعاد النقابيون المستقلون في الجامعة الأملَ في إعادة الاعتبار للقرار النقابي المستقل في ظلّ احتدام التحرّكات والنقاشات حول الموازنة التقشفية، تنفيذاً لمقررات مؤتمر سيدر (باريس 4)، وهي الموازنة التي ستزيد من صعوبات المرحلة المقبلة، وصولاً إلى الانهيارات المرتقبة على الصعد الاقتصادية والمالية والنقدية وحتى الأمنية.
يمكن اعتبار أن المرحلة الأولى من إضراب الأساتذة، الذي تجاوز الخمسين يوماً، لم تتمكن من تحقيق فعلي لأيٍّ من المطالب المرفوعة، بدءاً من موازنة الجامعة التي تطاول الأساتذة والطلاب والجامعة، وصولاً إلى الحفاظ على التقديمات والمكتسبات المشروعة، إنما من البديهي الحديث عن إيجابيات حقّقها التحرّك وهي كالآتي:
أولاً: إعادة الاعتبار إلى مبدأ الجمعيات العمومية في الأقسام والفروع والكليات والمعاهد، ليُصار بعدها إلى اتخاذ قرار في الهيئة العامة كمرجعية عليا مخوّلة باتخاذ القرارات في القضايا كافة (المادة 6 من النظام الداخلي). وهذا المبدأ كان قد تكرّس في العام 1987، أثناء الاضراب الشهير الذي أعلنه مكتب المعلمين في لبنان والذي استمر لمدة شهرين على التوالي في مواجهة الميليشيات وقوى الأمر الواقع التي أمعنت في اعتداءاتها على الجسم التعليمي في لبنان في المناطق كافة، حيث خطفت واغتالت العشرات من الأساتذة والمعلمين والأطباء والنقابيين، كما استباحت المؤسسات التعليمية كافة، وهذه "الميليشيات" مستمرة في ممارساتها من خلال مواقعها السلطوية.
ثانياً: إعادة الاعتبار لشركاء الأساتذة في هذا التحرك، وهم الطلاب المستقلون، الذين واكبوا وبادروا في الدفاع عن جامعتهم الوطنية، وهم مطالبون، اليوم وقبل الغد، بتعزيز جبهتهم العريضة، تحضيراً للانتخابات الطلابية المزمع إجراؤها في مطلع العام الدراسي المقبل، وتحسين شروطها ولا سيّما التمثيل النسبي بعيداً عن الفئوية والتوازنات الطائفية والسياسية.
ثالثاً: ما نتج حتى الآن عن تحرك أساتذة الجامعة، قد ينسحب إلى باقي الهيئات النقابية. فمكوّنات هيئة التنسيق النقابية لا تحرك ساكناً، والهيئة التعليمية كما سائر الموظفين في الإدارات العامة، جميعهم معنيون في استعادة القرار النقابي المستقل من خلال المدارس والثانويات والإدارات الرسمية، عبر الأشكال الديمقراطية والمستندة إلى الهيئات العامة (لجان نقابية في المدارس والإدارات).
رابعاً: تحويل الروابط إلى نقابات فعلية من دون "توسّل" الموافقة أو استجابة السلطة السياسية، التي لن توافق على أمر مماثل.
خامساً: ليعلم النقابيون وجميع الناشطين، أنه لا يمكن تحقيق المطالب في الجامعة وسواها إلا من خلال الانفتاح على جميع القوى الاجتماعية والمهنية المتضرّرة من هذه السياسات الرسمية، بغية تغييرها، لا بل تغيير السلطة برمتها كمقدّمة للتغيير الشامل.

*أستاذ العلوم التربوية في الجامعة اللبنانية.

 

  • العدد رقم: 361
`


عماد سماحة