هل نحن أمام وجهات مؤتمرية؟ ما هي؟ كيف ننقدها؟

كان واضحاً، ومنذ المؤتمر الحادي عشر للحزب وقبله، أنّ العودة إلى لعب الدور الطليعي التغييري في اللحظة التاريخية الراهنة تحتاج إلى رؤية علمية للمرحلة التاريخية والجديد النوعي الذي تحمله، ففي هذا الجديد التاريخي تكمن نقاط القوة التي يستطيع فيها الحزب أن يمثّل الحركة التاريخية. وكان المؤتمر قد عبّر عن فكرة إطلاق ورشة ممتدة لإنتاج هذه الرؤية ولكن اليوم ولعدّة أسباب لم تنفتح تلك الورشة، وها نحن نحاول أن نقوم بتلك المهمة في وقت قصير يبدو أنه غير كافٍ ولكن لا مهرب من المحاولة للتقدّم، ولو بخطواتٍ تحمل خطوط عامة تؤسّس لتعميقها لاحقاً. وليس من الصعب القول أنّ هناك عدة طروحات أغلبها غير متبلّور تعبّر عن نفسها اليوم في سياق النقاش المؤتمري وضمن اللجان التحضيرية تحديداً.

بعض هذه الطروحات يتعارض ويتناقض كليّاً أو جزئيّاً وبعضها الآخر يلتقي كليّاً أو جزئيّاً أيضاً. وبسبب عدم التلاقي الموضوعي هذا فلا بدّ وأن صراع أفكارٍ يجري وإن لم يتحدّد بعدُ كوجهات واضحة متبلورة. ولأنّنا كنّا سابقاً، في النداء وفي غير مكان، قد قدّمنا الأفكار الأساسية لرؤية تحيط بالجديد التاريخي الذي قلنا أنّه ضروري تحديده، من المطلوب اليوم وفي سياق النقاش ضمن اللجان وخارجها وحتى يكون النقد ملموساً وغير عام من تحديد الطروحات الفعلية التي تجري وليس كما نريدها أن تكون. إن توضيح هذه الطروحات أساسي لكي نقيم خط التمايز الذي هو خط الفرز.

أفكار وليس وجهات متبلورة
من الضروري القول أن ما يُطرح اليوم في غالبه ليس رؤىّ متبلورة بل نقاشات حول قضايا منفصلة شكلاً. هذا الفصل المنهجي نراه في الفصل بين اللجان (الفكري- السياسي- التنظيمي) أوّلاً، وثانياً نرى هذا الفصل في عدم التسلسل المنهجي في تدرّج النقاش. ولكن هذا التفكّك الشّكلي يحمل في جوهره طرحاً ضمنياً لا بدّ من دفعه إلى الواجهة حتى نقدر على تحديد أي الوجهات العامة التي يمكن القول أنها تحكم الآراء إما العامة أو الجزئية حول القضايا المتفرّقة. ولذلك سنقوم أوّلاً بتعداد الأفكار المطروحة وتقديم نقدٍ لها، وسنقوم ثانياً بمحاولة لتوضيح الاتجاهات النظرية العامة التي تحكم هذه الأفكار والمنهج الذي يحكمها. ومن ثم تقديم تصوّر عام مكثّف حول ما نقترح أنّه أرضية لرؤية جديدة تحيط بهذه القضايا في رسمة أقرب إلى الشمول.

تحرير/ تحرّر/ تغيير
يعود إلى الواجهة اليوم نقاش أيّهما أسبق: التحرير أم التغيير. هذا النقاش مستغرَبٌ اليوم، خصوصاً أن الحزب عبر وثائقه ومفكّريه وتحديداً الشهيد مهدي عامل كان قد حسم المسألة نظريّاً أن التحرّر الوطني هو نفسه التحرّر الاقتصادي من بنية التبعية. فلا تحرّر دون الانفكاك عن بنية التبعية للامبريالية. ولكن يبدو أن البعض اختلطت عليه المسألة ما بين التحرير كفعل مقاوم عسكري وبين التحرّر كعملية بنيوية اقتصادية اجتماعية. نعتقد أن هذا الخلط بين التحرير والتحرّر هو أساس محاولة الفصل بين فكرة التحرّر والتغيير ووضع أحد المسائل قبل الأخرى. فالتحرير وفعل المقاومة المواجه للاعتداء أو الاحتلال الإمبريالي الصهيوني الإرهابي الفاشي المباشر العسكري يختلف عن فكرة التحرّر التي قلنا أنّها عملية انفكاك بنيوية اقتصادية عن آليات النهب الامبريالية والذهاب نحو اقتصاد وطني يؤسّس للاشتراكية كنمط انتاج. لهذا فالتحرّر يتضمّن فيه التحرير والمقاومة، ولكن التحرّر لا يمكن أن يكون إلّا عملية التغيير. والقول بأنّ الأولوية اليوم هي مواجهة الامبريالية وليس التغيير هو طرح مبالغ فيه وغير مفهوم، فما هو المقصود بمواجهة الامبرالية؟ هل هو الفعل العسكري؟ أم كون الامبريالية اليوم في هجومها المالي والاقتصادي والحصار تفترض مواجهة تغييرية اقتصادية وسياسية؟ يمكن القول أن هذه الثنائية المفتعلة هي ثنائية وهمية.

إصلاح/ تغيير
ثنائية أخرى تطغى على النقاش هي: الإصلاح أم التغيير الجذري؟ في حين أن الثنائية الأولى (تحرّر/ تغيير) والتي ترقى لكي تكون ثلاثية (تحرير/ تحرّر/ تغيير) هي ثنائية وهمية بالمعنى السياسي النظري، إلّا أن ثنائية إصلاح - تغيير هي ثنائية حقيقية، فالمنطق الإصلاحي يتعارض في الجوهر مع المنطق التغييري. ولكن، هل هذا النقاش جديد على الأحزاب الماركسية؟ كلّا ليس جديداً. فكل تراثنا الفكري والسياسي التاريخي والمنطلقات الفكرية الماركسية والتجارب التاريخية تطرح كهدف أساس التغيير الجذري لبناء الاشتراكية. ولا شك أنّ الحزب في تصوّره لم يقدّم برنامجاً يطرح أسس البديل الجذري التغييري في تفاصيله، وبسبب غياب هذا البرنامج فإن ما يملأ الممارسة السياسية هو في أقصى أشكاله مواجهة النمط الاقتصادي القائم (مع طروحات مطلبية متنوعة) ولكن دون تصوّر واضح عن النمط الاقتصادي البديل وتحقيقه العملي. وإذا ربطنا هذه الثنائية بالثنائية الأولى، فإن تقديم هكذا برنامج من أجل اقتصاد بديل متحرّر من آليات النهب المالية الامبريالية مؤسّساً لإنتاج وطني، هو نفسه التحقيق العملي لمقولة التحرّر والتغيير. وكيف إذا قلنا أن الأزمة العميقة للرأسمالية هي منطلق أساس في ضرورة هذا الانتقال من اقتصاد رأسمالي تابع هو أصل كلّ المآسي الفردية والجماعية، نحو اقتصاد يفتح أفق وحدة المجتمع وتقدّمه وعدالته الشاملة ملبيّاً حاجات البشر الماديّة والمعنويّة.

إسقاط شمولية الطرح
إن المثلين أعلاه ليسا الوحيدين على أين وكيف يدور النقاش، ولكن هذا دليل على الإحداثيات التي تحكم النقاش، التي هي من جهة دليل على أن هناك تراجعاً عن منصة معرفية منتجة سابقاً في التاريخ، ومن جهة أخرى دليل على أن النقاش لا زال يفتقد لعمقه التاريخي. فأغلب الأوراق التي تقدّم هي تثبيت أم نقض لصالح إحدى الاتجاهات ولكن في الجوهر هناك تغييب واضح للجانب التاريخي وجديده. لهذا حتى إذا حسمنا أن التحرّر والتغيير لا ينفصلان، وبأن التغيير الجذري لا الإصلاح هو مبتغى الطرح السياسي لمشروع التغيير، فهذا ضروري من الناحية النظرية المبدئية، ولكنه سيكون فاقداً للوزن التاريخي دون مهمة أخرى جوهرية لا زالت خارج المقاربة الصريحة، مع أنها موجودة لدى كل الآراء (المتواجهة ضمناً) وتوجّه تفكيرهم، لهذا إن المطلوب هو رفع مستوى النقاش لكي يقارب المسائل في شموليّتها وتحديد الوجهات المختلفة، ولكي نرى أيّ الوجهات قادرة على أن تدعم نفسها. إنّ تحديد وتوصيف المرحلة التاريخية بدقة ضروري، لأنّ أيّ خلل في ذلك يعني أن الاستنتاجات الفكرية والتاريخية والسياسية العامة والخاصة ستؤسّس لأخطاء سياسية قد تكون مقتل موقف الحزب في هذه اللحظة التاريخية، لأن هذا الفضاء العالمي التاريخي (الذي يتضمّن بالضرورة البنية اللبنانية) هو مجال ممارسة الحزب، وهو العمود الفقري الذي عليه تتراكب كلّ القضايا في تفاعلها الجدلي البنيوي. لهذا، إن التخلي عن هذا المستوى هو الأساس المنهجي لمنطق تفكيك القضايا وطرحها مستقلّة شكلاً عن بعضها البعض دون حاملها المادي العالمي.

توصيف المرحلة التاريخية: التناقضات التحتية المحرّكة
بالرغم من أن توصيف المرحلة لم يُطرح لحدّ الآن كموضوع بذاته (مع أنه تمّ تضمينه كمحور في عناوين الوثيقة الفكرية)، إلّا أنه يحكم بشكل ضمن المواقف (السياسية) المختلفة مما يحدث في العالم ومن المرحلة التاريخية. ويخلط البعض بين توصيف المرحلة بمعنى التناقضات (في البنية التحتية) الراهنة التي تحكم الرأسمالية كعلاقات إنتاج وبين "الصراع الدولي" الفوقي الذي هو بالضرورة نتاج لهذه التناقضات التحتية. ولحدّ الآن أغلب من يعطي موقفاً من المرحلة لا يقدّم لنا أيّ التناقضات التحتية يستند إليها في تحليله ذاك. ولهذا وللتكثيف: إن التناقض المحرّك التاريخي الذي هو بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج وصل إلى مستوى من الحدّة أصبحت معه العلاقات الرأسمالية مدمّرة للقوى المنتجة، وليس فقط كابحة لتطورها. التدمير للطبيعة، التدمير لقوة العمل البشرية، بالإضافة إلى الموقف المعادي من التطور التكنولوجي الحديث المتمثّل بالذكاء الاصطناعي. هذا التناقض المدمّر أصبح مهدِّداً للوجود البشري اليوم قبل الغد. إضافة إلى أن شكل سيطرة رأس المال المالي على النظام الرأسمالي العالمي بما هو علاقات النهب والأدوات المالية بيد الامبريالية في المركز (الغربي) أطلق قوى الساحر (الرأسمالي) التي لم يعد من الممكن السيطرة عليها كما يقول ماركس. أي جعل من القرار السياسي مرهوناً بهذا النوع من الربح المرتهن لشبكات الجريمة والمخدرات والنهب المالي، وهو المحدّد لسياسات الامبريالية في العقود الماضية. وجعل من الاقتصاد الامبريالي مفصولاً بشكلٍ واضح عن الاقتصاد المنتج الحقيقي (الصناعي والزراعي) الذي انتقل بشكل كبير إلى الدول الطرفية التي صعدت (تحديداً الصين على المستوى الصناعي).
وإن كنا نكثّف فإن هذا الأساس الريعي الفاقد لأيّ أساس اقتصادي حقيقي وسّع الهوّة على مستوى توزيع الثروة وهدّد آليات السوق نفسها التي انفجرت بشكل أوّلي على شكل أزمة مالية في 2008. وأتى على إثرها موجة الحروب والفاشية في العالم والتي وضعت هدفاً واضحاً لها هو تدمير وتفتيت وتذرير كلّ البنى التي تكبح طرق وضع اليد بشكل مباشر من قبل قوى رأس المال المالي الإجرامي على الثروة العالمية حيث لم تعُد تنفع آليات النهب "الكلاسيكية" من خلال الديون والدولار ونهب القيمة الزائدة من دول الأطراف من جهة، ومن مجتمعات دول المركز نفسها من جهة أخرى. هذا التناقض على المستوى التحتي هو المحرّك للمرحلة التاريخية وهو الذي يرسم ضرورتها مركزاً وأطرافاً.

الضرورة التاريخية على أساس التناقض التاريخي
إن هذا التناقض المدمّر للمجتمع البشري، وانهيار الوعد الليبرالي بأن الفردانية والاستهلاك ستجلب السعادة للبشرية، لا يحكم فقط العلاقات البينية بين دول المركز ودول الأطراف. ولكنّه يحكم أيضاً هذه الدول في بناها الداخلية نفسها، كون تعفُّن نمط الحياة الرأسمالي لا يحصل في "فضاء دولي" كما يحاول البعض أن يقدّمه، بل هو حاصل في المجتمعات نفسها. فتدمير الطبيعة عام وشامل (تدمير توازن الكوكب ككل)، وتدمير قوة العمل البشرية أيضاً عام وشامل، وهو ما نراه في الأمراض التي وصلت إلى حد الأوبئة. وهنا من الضروري الإشارة إلى عامل ذُكر مراراً، وهو أنّ جديداً على مستوى الحاجات الإنسانية ظهر خلال العقود الماضية، أي توسُّع بارز للحاجات المعنوية وتعمّق الاغتراب الروحي (النفسي)، محمولاً على التنازلات النسبية التي قدّمتها الرأسمالية في النصف الثاني من القرن الماضي، والذي أخذ شكل الليبرالية الحياتية التي سمحت للذات الإنسانية المهمّشة أن تطل في التاريخ البشري. فأتى اصطدام حاجات الذات تلك بالواقع الرأسمالي المغرِّب والتهميشي مدمّراً لتوازن المستوى المعنوي للفرد، وما الأمراض العقلية والنفسية والنفس - جسدية إلّا تعبيراً عن هذا التدمير الموضوع لقوى العمل "المتجسّدة في لحم الإنسان ودمه" (وعقله بالضرورة) كما يقول ماركس، خصوصاً وأن نسبة العمل الذهني توسّعت نسبة للعمل الجسدي في التاريخ.
هذا كلّه يولّد ضرورة تاريخية موضوعية لدى البنى المتضرّرة لكي تندار في وجه هذا الأساس التدميري، وهذا ما يحرّك اليوم المجتمعات (مراكز وأطراف) التي وإن كان تأخذ منحىً صاعداً، إلّا أنها اليوم مأزومة بسبب علاقات الامبريالية نفسها. لذلك الضرورة هي مصالح وجودية بالأساس. والدول البارزة اليوم كونها تحمل قوّة موروثة تاريخية هي المهدّد الأكبر، وحركتها ليست توسّعاً ولا سعياً للسيطرة. وهذا التناقض يحكم هذه الدول نفسها داخليّاً، لهذا وعلى حدِّ تعبير لينين، فإن الصراع ضدّ الامبريالية هو بالضرورة صراع ضدّ الرأسمالية كمنط إنتاج. فالانهيار الذي تدفع به الامبريالية المجتمع البشري هو المحدَّد المركزي لكي نرى أفق أي مشروع سياسي قابل للحياة.


استنتاجات أساسية على ضوء التناقضات
من الاستنتاجات الأساسية أن الرأسمالية في العالم وصلت إلى حدودها التاريخية وتعيش أزمة وجودية، وبالتالي فإن مسألة استبدالها مطروحة على جدول الأعمال، هذا أوّلاً. ثانياً، إن التداخل الشديد الذي حصل خلال العقود الماضية من خلال الترابط على مستوى الاقتصاد وتعقيد تقسيم العمل الدولي هو يشدّ ويربط المجتمعات بشكل كبير إلى بعضها البعض، إضافة إلى عمق التناقض وحدّته (كتدمير للمجتمع البشري) يجعل من أي ملف مهما كان بسيطاً اليوم مؤثّراً على كلّ مسار الصراع في العالم. هذه الاستنتاجات هي أساس لاستنتاجات أخرى.

استنتاجات سياسية
إن الصراع في العالم اليوم ليس كما يحاول البعض أن يقدّمه هو صراع على توزيع الحصص في العالم، بل هو صراع ضدّ آليات النهب الامبريالية وسياسة التدمير الوجودية الشاملة المتبعة. فهذه الآليات الامبريالية تهدّد بقاء الدول والمجتمعات نفسها. ولا معنى لأيّ "مشاريع" توسّعية اليوم إذا ما كان العالم الذي سيحصل فيه هذا التوسّع ينهار، ليس فقط بسبب أزمة مرحلية في السوق، بل في التفكّك الداخلي الناتج عن علاقات رأس المال نفسها. إذاً، إن بقاء علاقات رأس المال نفسها في المجتمعات هي المؤسّس والحاضن لكلّ أدوات التدمير الامبريالية المباشر كالحروب والعقوبات والحصار وغيرها. إذاً، لا معنى لأيِّ قولٍ اليوم أنّ الصين مثلاً تسعى للسيطرة والنهب مكان الولايات المتحدة، أوّلاً، لأنّ الصين تتاجر وتبيع، وهذه التجارة مهدّدة نفسها في سياق الأزمة العالمية نفسها، ولهذا فهي مدفوعة بالضرورة كما روسيا بدعم الاستقرار العالمي ضدّ الحروب ومنطق التدمير. فلا معنى لمشاريع اقتصادية في دول منهارة. فما الذي ستنهبه الصين أم روسيا اليوم من دول لم تعُد لديها ما تقدّمه أساساً نتيجة عقود من النهب الامبريالي؟ أليس هناك من يرى أنّ الصين اليوم مهدِّدة نفسها بسبب العقوبات والحظر؟ وهي لذلك تتّجه بالضرورة لتعزيز آليات الانفكاك عن الامبريالية ومواجهة أدوات هيمنتها كالدولار ومحاولة الاعتماد على الذات أكثر (المجال الزراعي بدل الاستيراد)؟ أليست روسيا من شهدت تدميراً ممنهجاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بسبب من تغوّل الليبرالية المتوحّشة فيها، وعادت إلى توازنها في صراع داخلي كبح النهب الخارجي الذي هدّد بقاءَها ولا تزال مدفوعة بصراع ضدّ العقوبات والحصار؟ وللتكثيف يمكن القول أنّ الصين وروسيا تشكلتا تاريخيّاً على أساس القطع مع الامبريالية من خلال الثورات الاشتراكية، وهذا ما مكّن كلّ منهما أن يكون دولةً مستقلة قادرة محمية، وهذا التوصيف يعني أن الرأسمالية في الصين وروسيا تتعارض مع تشكّلهما التاريخي، وكلّ تعمّق للرأسمالية يعني تهديداً لوجود هذه البلدان أي تفكّكها نفسه. وهذا ما يجعل الصين وروسيا اليوم من الدول التي تخوض مواجهات مباشرة مع التدمير الامبريالي، ويهمّها دعم الحلول السياسية السلمية في العالم، ويهمّها تطوير اقتصادات الدول الأخرى من أجل الحفاظ على هذه الدول نفسها. وإذا ما قلنا أنّ تطوير الاقتصادات والحفاظ على المجتمعات لا يمكن له أن يكون إلّا بتخطّي علاقات رأس المال نفسها. فسوريا اليوم لا أفق حتى لبقائها كما هي دون تخطّي البنية الرأسمالية التبعية.

استنتاجات على مستوى العودة للجماهير
إن توصيف المرحلة التاريخية لا يقدّم لنا فقط الضرورة التاريخية بالمعنى الشامل، بل يقدّم لنا مفاتيح العودة إلى الجماهير. فالانهيار الذي قلنا أنه حاصل في نمط الحياة ككل، الذي أخذ الشكل الليبرالي، هو المحدّد لأيّ علاقة مع القوى الاجتماعية المقهورة. فوصول التناقض إلى حدّته على المستوى المادي والمعنوي، وتعطّل المشروع الحياتي في وعي الناس، الذي هو مشروع الفردانية المروّج إليه بشكل أساس، هو الحامل لطرح شامل آخر، يتخطّى في طروحاته القضايا المعزولة المستقلة، بل يتطلّب ما يُسمّى بالحلم البديل عن تحطّم أهداف ومعاني الحياة التي انهارت مع تعطّل نمط الحياة الرأسمالي المُعاش. وهذا الطرح البديل عليه أن يخاطب هذا المستوى من عقول وقلوب الجماهير بهذا العمق وبهذا الشمول. وإذا ما عدنا إلى ما ذكرناه أعلاه، فإن العقود الماضية شكّلت بروزاً لحاجات الذات الإنسانية، وهي التي قال عنها ماركس أنّها تسعى لكي يكون لها أهمية بالنسبة لواقعها، وهو تعبير آخر عن مقولة هيغل أنّ الذات تسعى للاعتراف. وفي ذات الوقت، فإن الواقع الرأسمالي التغريبي للذات ولّد كلّ التناقضات التي تشهدها اليوم القوى الاجتماعية على مستوى الوعي والمعاناة النفسية. هذه المعاناة الاغترابية مع كلّ تمايزاتها لا زالت اليوم غائبة عن طرح وخطاب الحزب. لا بل إنّها غير مطروحة في أيّ من مفاتيح العودة إلى الجماهير، والتي نسمع كثيراً أنّنا نريد لها أنْ تنفكّ عن القوى "الطائفية" وأنْ تندار من أجل مصالحها المباشرة. وما نذكره عن عمق المعاناة الوجودية هو مركزي في مصالحها، لا بل هو أيضاً سلاح ذو حدّين. فالفراغ المعنوي الروحي الذي تعيشه هذه الجماهير هو نفسه داعم لأيّ خيارات إمّا محافظة أو متطرّفة تجاه التمسّك بالهويات المتاحة، إما الطائفية أو المناطقية، وإمّا الجنوح بشكل هستيري نحو الليبرالية وكلّ ممارستها (انظروا إلى مأساة الفايسبوك وكيف تحوّل إلى ساحة عرض للبضاعة الفردية سترون حجم المعاناة التي تغذّي كلّ التدمير الثقافي والتفكّك والابتعاد عن الممارسة السياسية النضالية الحقيقية). لهذا، فإنّ معالجة هذا المستوى محمولاً على كلّ المعاناة المادية، سيُعطي خطاب الحزب موثوقية تاريخية وعلمية جديّة تخاطب أعمق الأماكن المظلمة من وجود الأفراد. وفي ذات الوقت ستكون أساس جذب للقوى الطليعيّة الحيّة في المجتمع، لا بل ستثبت أيضاً القوى الموجودة اليوم في الحزب قاعدة مادية واعية لمعاناتها الفردية. هذه المعاناة التي تحاول الجماهير اليوم أن تجد لها حلّاً ضمن أُطر الشكل السائد من الممارسة وثقافتها. هذا هو الجديد التاريخي الرئيسي على مستوى حاجات الجماهير الذي على رؤيتنا أن تمسك به، مبنيّاً على عمق وحدة التناقض في نمط الحياة الرأسمالي نفسه والفراغ والبرودة الروحية التي أوصلت إليها الملايين من البشر. كيف يمكن شدّ القوى الطليعية دون خطاب يطال أرقى معاناتها؟ وكيف يمكن أن نطال القوى الاجتماعية الواسعة دون توسّع جسمنا الحي عبر عناصر واعية قادرة منتمية إلى المشروع التغييري كمشروع حياتي شامل؟ أليس هذا كلاماً في التنظيم أيضاً وكيفية تطويره؟

استنتاجات على مستوى القضايا المطروحة للنقاش
إنّ القضايا المطروحة للنقاش كثنائيات، بشقّيها الحقيقي والوهمي، ستكون معالجتها ممكنة فقط من خلال المرور بالتوصيف التاريخي للمرحلة نفسها. فلا قضية التحرّر الوطني، ولا قضية التلاقي أم التباعد مع القوى الأخرى في العالم، ولا أفق لحلِّ أيّ قضية إقليمية، شكلاً ومضموناً، سيكون فهمه ممكناً دون فهم القانون المعقّد الذي يحكم كلّ هذه الظواهر. فما مشروعية ومعقولية وحدود التحرّر الوطني والمشروع التغييري إذا كان الواقع العالمي معادٍ لهذا المشروع؟ فإذا سرنا مع الطرح الذي يقول أنّ كلّ القوى في العالم تسعى لكي تأخذ حصة من العالم، وهو قول مجافٍ لقوانين المرحلة، يعني ذلك أنّ مشروع التحرّر الوطني سيكون مُحارباً من قبل هذه القوى (ما يقصد به هنا هو الصين وروسيا). أما إذا كانت الصين وروسيا والقوى المتقاربة معها عالميّاً لا يمكن لها إلّا أن تدعم مشاريع التحرّر الوطني لأنّ بقاء نماذج الأزمات الحاليّة في دول الأطراف يعني انهياراً لا بدّ منه، فيعني ذلك أنّ الصين وروسيا مثالٌ داعمٌ لأيّ مشروع تحرِري تغييري. لهذا مثلاً فإن تعقيد اللوحة لا يمكن تبسيطه من خلال مقولات هي في المضمون مضلّلة كمقولة "قوى الممانعة". كون هذه القوى تتمايز في ما بينها، كما أنّه لا يمكن فهمها إلّا في حركتها. فالقوى المهيمنة في سوريا هي اليوم مثلاً ضدّ التغيير السياسي في هذه اللحظة التاريخية الذي يفتح الأفق على التغيير الشامل، ومع ذلك يحاول البعض حشرها ضمن ما يسمى بـ"الممانعة". وإذا ما عدنا إلى أنّ الأزمة المترابطة الحادّة لم تعُد تسمح بهوامش للمواجهة دون الانفكاك عن الامبريالية والرأسمالية، فإنّ أي مشروع لا يمكن له البقاء دون تغيير جذري في البنى الداخلية لكلّ بلد على حِدة. فما بالك مثلاً من قضية الموقف من أيّ طرف داخلي. فالقوى الداخلية لا يمكن لها أن تعاند الضرورات التاريخية التي تصل توازناتها كما عبرنا إلى روسيا والصين في ملفات شديدة الترابط. هذا التوازن الذي لا يمكن له أن يتخطّى الضرورة التاريخية التي تفترض تغييرات جذرية اجتماعية.
كلُّ هذا التعقيد في المشهد التاريخي يفترض عقلية معالجة شاملة له أوّلاً. وثانياً يُبنى عليها الموقف من القضايا المختلفة. أمّا اليوم، البعض يريد لنا أن نأخذ موقفاً حتى دون أن نناقش كلّ ما ورد أعلاه، بل يعتبر أن الأحكام التي يقدّمها بديهيات.

محاولة للخلاصة...
التناقض التاريخي في البنية التحتية يؤزّم علاقات رأس المال كلّها في كلّ المجتمعات. والضرورة تقول بأنه بالنقيض يكون النقيض، لهذا فإن مواجهة هذا التناقض المدمّر تعني التوجّه أكثر فأكثر نحو النقيض البديل أيّ الاشتراكية. وعكس ذلك يعني الخضوع لآليات الهيمنة الامبريالية أوّلاً، والموافقة على تدمير الكوكب ثانياً. هذا الأساس الذي لا يمكن فهم أيّ ظاهرة سياسية دولية دونه. أمّا من جهة أخرى، فإن وصول التناقض في المجتمع الرأسمالي كنمط حياة إلى ذروته التاريخية بحيث أصبح مدمّراً للفرد في كيانه المادي والمعنوي، فذلك يعني أنّ جديداً تاريخيّاً على مستوى المشروع الحياتي الشامل على القوى الثورية أنْ تحمله. فالاشتراكية ليست فقط وعداً يشبع المعدة والمسكن الآن والأجر العادل. الاشتراكية كانت طريقاً لمجتمعٍ إنساني جديد، نرى تباشيره في تعفُّن بنى القديم وتأزّمه. إلّا إذا كان هناك قناعة ضمنية لدى البعض أنّ الاشتراكية انهزمت وتخلّينا عنها ضمناً لصالح طروحات إصلاحية! إنّ التخلّي عن هذه المَهمّة في تحديد هذه الرؤية لن يكون نافعاً لأيّ تحضير جدّي لمؤتمر حزب ثوري على قدر المرحلة التاريخية ومهماتها. لا بل إنّه سيجعل من النقاش متخبّطاً غير مستوٍ على أساسه الضروري الذي هو الوقوف على التناقضات المادية التي على أي رؤية جدلية أن تنطلق منها.
في ما سبق حاولنا أوّلاً أن نضع الخطوط العامة لما اعتبرناه خللاً منهجياً في بناء الرؤية فلا أفق لأيّ نقاش دون المستوى المحدِّد (التحتي) الذي هو في حالة حركة تاريخيّة حملت جديداً في العقود الماضية. وثانياً حاولنا تقديم تكثيف لوجهة عامة مؤسّسة لقراءة مختلف القضايا والبرنامج. فعلى حدّ تعبير مهدي عامل، لا يمكن لفكرٍ يعالج الحدث وحده دون الالتفات إلى البنية الشاملة أن يقبضَ على قوانين الحركة. وهو تخلٍّ عن الماركسية اللينينية نفسها كتحليل لواقع موحّد وشامل، معقّد ومتحرّك جدليّاً.

 

 

  • العدد رقم: 363
`


محمد المعوش

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل