هل المواجهة العسكرية التركية الإسرائيلية حتمية؟

بعد طرح مسألة التهديدات الإسرائيلية لتركيا للنقاش العلني من خلال الإعلام، مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل أيام، ورَدِّه باستعداد بلاده لمواجهتها، يمكننا القول إن تركيا قد باتت تعترف رسمياً بهذه التهديدات، وباحتمال نشوب حرب بينها وبين الكيان الإسرائيلي في أي لحظة. ويأتي كلامه هذا بعدما أصبحت قيادة الكيان وإعلامه يجاهران بالعداء لتركيا ويتحدثان علانية عن خطرها على دولة الاحتلال، وكلام إعلامها صراحة إن تركيا باتت على قائمة الاستهداف بعد إيران، بعدما صنفوها "إيران أخرى". وبسبب هذا الخطاب الإسرائيلي العدائي تجاه تركيا، والذي يَلْهَجْ به قادة الاحتلال وإعلامه طوال الوقت، ربما لا يكون السؤال الذي يجب طرحه والبحث فيه هو: "هل ستستهدف دولة الاحتلال تركيا؟"، بل: "متى ستستهدفها؟"، وهي التي تستشعر أي خطر يحدق بها، مهما كان حجمه ومصدره، وتستعد لمواجهته.


وكان الرئيس أردوغان قد سُؤِل في لقاء تلفزيوني، في 16 آب/ أغسطس الجاري، عن رأيه في الكلام الذي يتداوله الإعلام والقادة الإسرائيليون، من أن المعركة المقبلة ستكون مع تركيا، وأن تركيا هي الخصم الكبير والعدو المقبل لهم. فردَّ أردوغان بالقول: "إن تركيا تسعى إلى السلام، ولكن، إن كان هنالك من سيهاجم تركيا ويشن عليها الحرب، فإن تركيا لن تتردد في خوض هذه الحرب، ولن تهرب منها، وأقول ذلك بكل وضوح وصراحة". ثم تلت هذه المقابلة مجموعة من الحوادث كان أخطرها مهاجمة الإسرائيليين مطار أبو الضهور في إدلب، في 18 آب/ أغسطس الجاري، ومقتل جنود أتراك وتدمير عتاد تركي فيه، فازداد التوتر بين الطرفين، ما دفع المبعوث الأميركي إلى المنطقة، توم برَّاك، للحديث عن "آلية أميركية لمنع الاشتباك التركي الإسرائيلي"، وهو ما يشي بأن ثمَّة معركة مقبلة بين الطرفين.
إذا افترضنا أن العلاقة بين تركيا ودولة الاحتلال الإسرائيلي، قد تخطّت مرحلة التنافس الإقليمي ووصلت إلى مرحلة الصراع البارد، كما هو ظاهر، فيمكننا الحديث عن عدة محاور أججت هذا الصراع ويمكن لها أن توصله إلى مرحلة المواجهة. من أهم هذه المحاور، قضية غزة والانتقادات التركية الدائمة للإبادة فيها، والقضية السورية ورفض تركيا احتلال الإسرائيليين مناطق جديدة منها وضرب مقدراتها، علاوة على تَقَدُّم الملف اللبناني إلى الواجهة ليلقي بظلاله على العلاقة بين الفريقين، بعد تعليق الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان، وقوله إن أمن بلاده يبدأ من هذين البلدين. وفي تصعيد لافت، هاجم أردوغان دولة الاحتلال، خلال لقاء مع كتلة نيابة تابعة لحزبه، حزب العدالة والتنمية، في 10 حزيران/ يونيو الماضي، قائلاً: "إن إسرائيل ومنذ تأسيسها هددت السلام والازدهار والأمن في المنطقة". وهو ما يظهر التصنيف التركي لدولة الكيان واضحاً، ويلخص الموقف الرسمي والشعبي الرافض سياساتها العدوانية. ومن المؤكد أن الإسرائيليين ينظرون إلى هذه المواقف، وغيرها كثير، فيرونها بعين المراقب الذي ينوء تحت ثقل التوجسات والهواجس، ويدركون أنها تصدر عن موقف قوة فيتمعنون بها وبأبعادها وتبعاتها عليهم.
ولا يمكن فصل هذه المُسلَّمة عن مسار طويل من العداء الإسرائيلي والأميركي لتركيا، والذي تَوضَّحَ وتعزز، حين باتت سياسة تركيا الإقليمية، شاغلاً لصناع القرار في الولايات المتحدة ودولة الاحتلال. فمن الأيام الأولى لوصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا، سنة 2002، بعد فوزه بالانتخابات البرلمانية، واتخاذه قرار تحويل تركيا من بلدٍ منعزل عن محيطه، إلى دولة ذات وزن وتأثير إقليمي ودولي، يتبنى سياسة تصفير المشكلات مع الجوار أسلوباً للوصول إلى هذا الموقع، نظر المحافظون الجدد في واشنطن، وعلى رأسهم الرئيس الأسبق جورج بوش، بعين الريبة إلى هذا البلد، ربما مدفوعاً بضغط إسرائيلي. كما بدأ الهوس بنشاط القيادة التركية الجديدة الساعي لإظهار تعايش الإسلام مع العصرنة، ولبناء علاقات تضامنية من نوعٍ جديد مع الدول الإسلامية، ولتخفيض التوترات مع الجيران، وبين دول المنطقة عبر التوسط لحل نزاعات إقليمية مزمنة. وتعاظَمَ ذلك الهوس مع رفض أنقرة توجه المحافظين الجدد يومها للتحضير لضرب إيران، وهم الذين ساورهم القلق من التقارب بين أنقرة وطهران، وإبداء القادة الأتراك استعدادهم للعب دور الوسيط بين إيران وأميركا ودول الغرب، خصوصاً ما يتعلق بملف برنامجها النووي. وقد صُدِمَ أولئك المحافظون بالموقف التركي، بعدما كانوا يعولون على عضويتها في حلف شمال الأطلسي، لإعطائها دوراً لوجيستياً ما في أي حربٍ على إيران.
وامتد قلق المحافظين الجدد من تركيا ليصيب، مع تعاقب السنوات وزيادة قوة الاقتصاد التركي ومرونته، قادة دولة الاحتلال، بسبب انفتاح تركيا واستغلال تعدد هوياتها الإقليمية وعمقها التاريخي، وتطويره ليصبح عمقاً استراتيجياً في الدول الآسيوية التي تسكنها أقليات تركية، وفي وسط أوروبا وأفريقيا، الانفتاح الي أثمر سريعاً، سنة 2008، عن إعلان الاتحاد الأفريقي تركيا شريكاً استراتيجياً يأتي بدرجة الأهمية بعد الصين والهند واليابان. هذا الواقع هو أكثر ما يقلق دولة الاحتلال التي رأى قادتها في ازدياد نفوذ تركيا، وزيادة تطورها العسكري والصناعي، وبروز دورها في مجال الطاقة وصناعتها وتوزيعها، تهديداً للدور الإقليمي التي تطمح دولة الاحتلال أن تشغله، علاوة على الخوف العميق من صعود أي دولة إسلامية، والهواجس من احتمالية تبنيها أيديولوجية مناقضة للأيديولوجية والمشروع الصهيونيين.
وقد احتاجت هذه الهواجس إلى نقطة محورية من أجل تكريسها، بعد سنوات من العلاقة الجيدة الذي وصلت سنة 1990 حد التحالف بين تركيا ودولة الاحتلال، فكان الموقف التركي، والرئيس رجب طيب أردوغان، في إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة، والمعروف بعملية الرصاص المصبوب سنة 2008 - 2009. ثم أتت مناسبة انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سنة 2009، لتكون بمثابة نقطة تحول في العلاقة بين الطرفين، حين واجه أردوغان الرئيس الإسرائيلي، شمعون بيريز، خلال المؤتمر، متهماً إياه بقتل الأطفال في غزة في ذلك العدوان، مستنكراً تباهي ضباطه وجنوده باقتحام الضفة الغربية بالدبابات. وتكللت هذه التوترات، سنة 2010، مع قرصنة البحرية الإسرائيلية سفينة "مافي مرمرة" التركية في المياه الإقليمية، والتي كانت تنقل مساعدات لأهالي غزة ضمن اسطول الحرية، الذي نظمته "حركة غزة الحرة" العالمية، والذي كان متوجها لكسر الحصار على غزة. ثم جاء الغزو الإسرائيلي لقطاع غزة، بعد عملية طوفان الأقصى، سنة 2023، وسحب تركيا سفيرها من تل أبيب احتجاجاً، ودعم تركيا الملف الذي تقدمت به جنوب أفريقيا أمام المحاكمة الجنائية الدولية لإدانة إسرائيل بسبب ارتكابها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في غزة. وهذا ما جعل العلاقة بين الطرفين تدخل طوراً جديداً من التوتر والاتهامات المتبادلة، إلى أن وصل الأمر بدولة الاحتلال بالاعتراف بالإبادة الجماعية بحق الأرمن في الحرب العالمية الأولى، لتكون رسالة إسرائيلية واضحة لتركيا، تقول إن العلاقة دخلت في طور جديد يتجاوز التوتر ربما للمواجهة. وهنا يحضر السؤال إن كان لدى دولة الاحتلال سيناريو متكامل لمواجهة تركيا أو حتى استهدافها؟
تُعدُّ الحربان اللتان شنَّتهما دولة الاحتلال الإسرائيلي، بالتعاون مع الولايات المتحدة على إيران، نقلةً نوعيةً في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، وفي المشروع الإسرائيلي للمنطقة. وفي ضوء النتائج المحققة، من الطبيعي أن يصنف قادة الكيان الإسرائيلي أنفسهم منتصرين في الحربين. وهذا الانتصار يتجاوز أي انتصار عسكري تقليدي؛ إذ إن الحرب وقعت على بعد أكثر من 1500 كيلومتر عن حدود كيانهم، لكن ذلك لم يمنعهم من أن يحققوا فيها نجاحات عسكرية واستخباراتية لافتة، ربما لم يكونوا يتوقعونها، وهم الذين استمروا على مدى أكثر من عقدين بالتحضير السياسي والعسكري واللوجيستي لها من أجل القضاء على البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين. وفور انتهاء الحرب، بدأت التصريحات الإسرائيلية حول تركيا تظهر، وأخذ قادة الاحتلال يتحدثون عن تركيا بوصفها "إيران الجديدة"، وإن أردوغان يريد تدمير إسرائيل عبر إقامة حلقة نار حولها من خلال "المحور السني" المنافس للمحور الشيعي، وما إلى هنالك من اتهامات وادعاءات.
ولكن هل يمكن القول إن هذه الاتهامات والادعاءات تخفي خططاً تُبيِّتها دولة الاحتلال للنيل من تركيا، أم أنها تنطلق من خطط موضوعة سلفاً، ويجري صياغة سيناريو متكامل من أجل بدء المواجهة؟ إذا انطلقنا من حقيقة أن الإسرائيليين قد بدؤوا التحضير للحربين الأخيرتين على إيران قبل أكثر من عشرين سنة، يمكننا حينها التخمين أن ثمة خطط موضوعة لاستهداف تركيا، كما بقية دول الإقليم، أو أي دولة أو مجموعة بشرية أو حتى شخص، تجد فيهم دولة الاحتلال تهديداً لها، وهو تهديد عادة ما ترفعه إلى درجة التهديد الوجودي، لأنها تُصنِّف كل انتفاد لها، دعوة لتدميرها وإزالتها من الوجود. وليس معروفاً إن كان هذا التهديد هو ما شجع تركيا على الدخول في محور دفاعي جديد، تمثل في اتفاقية "مكة للدفاع المشترك" مع المملكة العربية السعودية وباكستان، والتي وقعتها الدول الثلاث قبل أيام. ولكن لا ريب أن قادة تركيا قد راقبوا تفاصيل الحربين الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتخيلوا سيناريو مشابه يحصل في بلادهم، ويقتضي منهم التحسب له كما لم يفعلوا من قبل.