الحلقة 7: حكاية رصاصات المقاومة (2) - من أوراق المقاومة

"حكاية رصاصات الكرامة" (2)


(الحلقة 7)


من أوراق المقاومة - الجدران التي تتذكر

لم يكن ما حمله مازن في جعبته تلك الليلة مجرد خبرٍ عابر، بل مشروعاً كاملاً، نضج في صمت الليالي وتهاطل أيام الانتظار.
سألته: "ما الخبر الذي تحمله يا رفيقي؟"
أشعل سيجارته بتمهّل، ثم جاء صوته الهادئ العميق كالنبع المتدفق من تحت الصخر:
"اتصل بي رفيقٌ من اتحاد الشباب. يخبرني عن طالبة جامعية تصرّ على الانضمام إلى صفوف الجبهة."
توقّف قليلاً، ثم أضاف وكأنه ينحت الكلمات:
"وهي قريبة... قريبة لرفيقة استشهدت في صفوف الجبهة، وقريبة أيضاً لشهيد من حزبنا. لكن التأثّر الحقيقي جاء من استشهاد قريبتها."

رشف قهوته السوداء ونظر عبر النافذة كأنه يرى ما لا يُرى.
"هي من الجنوب. من تلك القرى التي تلامس فيها الأرض حدود السماء المغتصبة. عرفت التشريد والرعب في لحمها ودمها. إنها ابنة أرضنا التي لا تكلّ عن التوق إلى الحرية."
"بمَ تفكّر يا مازن؟"
أجاب دون تلعثم وكأن الإجابة كانت ناضجة في صدره منذ الأزل:
"في المقابلة. لا بد أن ألقاها. سأنظر في أعماق عينيها لأعرف عمق صلابتها. هل إصرارها حماس عابر أم قناعة راسخة؟ يجب أن نعرف."
فاتفقنا.
كانت مهمته أن يكتشف إن كانت هذه النبتة الجنوبية قادرة على التجذر في تربة النضال الوعرة، ثم نرى أي مهمة نسلّمها لتلك الرفيقة التي تحمل في صدرها نار الجنوب وذكرى الشهداء.

---

بعد أيام، دعاني إلى بيته المتواضع في بيروت، الذي حوله إلى ورشة لحياكة السجاد وإصلاحه - المهنة التي ورثها عن والده. كانت الخيوط الملونة تنتشر في كل زاوية كأوراق خريف متشبثة بالحياة، ويغطي الأرض سجاد عجمي بلّاه الزمن.
بعد أن قدّم لي القهوة، قال بابتسامته الدافئة:
"سأعقد قراني قريباً."
(كان مازن قد انفصل عن رفيقته الأولى في الحزب والمسيرة). فتمنيت له حياة جديدة سعيدة.
رد "سأعرّفك بها إمرأة من بلدتي في الجنوب، تحلم ببناء عائلة، وهذا ما يدفعني للعمل بجد."
توقف فجأة، أشعل سيجارته من الطرف الذي كاد يحرق أصابعه، ثم همس:
"لقد قابلتُ 'صاحبنا'..."
ورأى سؤالي في عينيّ فأوضح:
"التقيت بالرفيق ع.م. بعد استفساري عن الطالبة، رتّب لي لقاءً خاصاً معها."
غيّر جلسته ونظر إلى نقطة بعيدة:
"التقيتها هنا. حكت عن قريتها تحت الاحتلال، وعن قريبتها الشهيدة. تحدثت عن ضرورة الانخراط في المقاومة واستعدادها التام."
قال إنه وجد نفسه أمام إنسانة حساسة وقوية، تفيض إنسانية وكرامة. تلمّس فيها ذكاء حاداً ووعياً نادراً، كندى الصباح على زهرة في أرض قاحلة.
سألها عن أهلها المشتتين، عن والدها النقابي النزيه، وعمّن بقي في القرية. فأخبرته أن أمها تزور القرية في موسم القطاف، وأن هناك تواصلاً محدوداً مع بعض الأقارب. وعندما سألها إن كانت تستطيع زيارة بلدتها، أجابت أنها ستمضي عطلتها الدراسية هناك تحت ذريعة زيارة الأقارب.
اتفق معها على موعد آخر لتعليمها أساسيات العمل السري، وأعطاها كتاباً عن المقاومة السوفياتية.
ثم حدثني عن موقف طريف:
"دقّ جرس الباب فجأة، فإذا بوالدة زوجتي المقبلة! أسرعت وأحضرت كيس العدس الذي طلبت مني زوجتي تنقيته. وضعته أمام الرفيقة وطلبت منها التظاهر بالعمل. بعد أن غادرت الضيفة، طلبت من الرفيقة مواصلة تنقية العدس كـ'تدريب عملي على الصبر'!"
ظلت هذه الحكاية نرويها كلما مزحنا، ضاحكين من كيف تخلّص من المهمة الشاقة وأعطى الرفيقة درسها الأول.
سألته: "وما المهمة التي ستكلّفها بها؟"
نظر بعيداً وقال: "سأدرّبها أولاً. سأطلب منها زيارة قريتها مع بدء العطلة، لتتعرف على الوضع هناك وتعيد وصل صداقاتها القديمة، وإذا أمكن، تجلب معلومات أولية عن العدو."
وقبل أن أغادر، سألته: "ما الاسم السري الذي سنختاره لها؟"
فكّر قليلاً، ثم نظر إلى الزاوية التي جلسا فيها معاً وقال: "سَجى."
ومنذ ذلك الحين، كلما تحدثنا عن رفيقتنا الجديدة القادمة من الجنوب، حاملةً في قلبها نار الذكرى وصلابة الأرض، نناديها بهذا الاسم: سَجى... كشعلة لا تعرف الانكسار.
لم يكد يمضي شهر على ذلك اللقاء، حتى استدعاني مازن.
كانت رسالته قصيرةً قطعية: "عادت سَجى."
يتبع…