الجنوب اللبناني .. حين لا تكفي إعادة الإعمار

الحديث عن جنوب لبنان يقود المخيّلة أوّلًا إلى سنين من الحرب والتهجير، والتصنيف كطرفٍ تمكّنت فكرة "الاعتياد على الحرب" من السيطرة على واقعه، ودفع فئاتٍ أخرى إلى عدم التهويل على قضيّته وفتح ملفّه كجزءٍ من أيّ حوارٍ يدور حول الملف اللبناني.

ويُعتبر الجنوب الباب الأوّل الذي يتكبّد آثار الحروب وتبعيّاتها، ممّا استنزف الوضع الاقتصادي، خاصّةً للشباب الجنوبي، ودفع معظمهم إلى الهجرة تفاديًا للواقع المرير وتشظّي آمالهم وطموحاتهم. وبالتالي، يشكّل الاقتصاد الجنوبي ركيزةً مهمّةً في معيشة آلاف العائلات التي هُجّرت، واستُبيحت أرضها، وتركت محاصيلها تحت الاعتداء الإسرائيلي. وبفعل هذا العدوان المستدام، لا يمكن ربط الجنوب اللبناني بأيّ صلةٍ بالاستقرار، ما ينفي وجود أيّ سبيلٍ للاستثمارات داخله، وتدور الدائرة على هذا النحو.

الصيغة الأهمّ اليوم هي عدم الاعتياد على أنّ الجنوب، بفعل حدوده الجغرافية، يلقى النصيب الأكبر من هذا الوضع المرير، والنظر إلى التمسّك بأرضٍ شهدت، وما زالت، أسوأ التعدّيات، وتعزيز الهوية الوطنية على الهويات الأخرى، خاصّةً عندما يرتبط الأمر بأرضٍ لبنانية قدّمت وأُعيدت إلى الحياة مرارًا.

إذًا، ما هي التحديات التي تواجه إعادة الإعمار وتنشيط الحياة الجنوبية؟

تواجه إعادة إعمار الجنوب اللبناني تحديات عديدة قد تؤخر عودة الحياة الطبيعية إلى المنطقة. ففي ظل الأزمة الاقتصادية، تعاني الدولة من محدودية الموارد اللازمة لتمويل مشاريع الإعمار، كما أن المساعدات الخارجية قد تتأخر أو ترتبط بشروط معيّنة. ويُعدّ الاستقرار الأمني عاملًا أساسيًا، إذ إن أيّ تصعيد قد يعرقل أعمال البناء ويحدّ من عودة السكان والاستثمارات. كذلك، فإن حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية، إلى جانب البيروقراطية والفساد ووجود مخلفات الحرب في بعض المناطق، يزيد من صعوبة وتسريع عملية إعادة الإعمار.

لذلك، بعد هذه الحرب وما خلّفته من آثار على الأراضي الجنوبية، لا يجب النظر فقط إلى عملية إعادة البناء، بل العمل على تغذية الاستثمار، والصحة، والتعليم، وفرص العمل، لتمسّك الشاب الجنوبي بأرضه، ليس فقط من الناحية الفطرية كأيّ شعبٍ متمسّكٍ بأرضه، وتعزيز الانتماء بوجود فعلٍ من الدولة يغذّي هذا الشعور، ويمنع بالتالي التمسّك بالتبعيات الأخرى التي من شأنها أن تُضعف عملية التّماسك والانصهار في بيئة وطنيّة تُحيي الأرض بدلاً من الولاءات.

فالدولة التي تعيد بناء الإنسان، قبل الحجر، هي وحدها القادرة على حماية الأرض وتعزيز الانتماء إليها، وبناء وطن لا تنتج فيه الحروب مزيدا من الولاءات، بل مزيدا من المواطنين.