لبنان في غرفة الطائفية أم في كنف الثورة؟

ما الذي انتهى؟ أين لبنان الآن؟ إلى أين هو ماض؟ هل الهاوية أمامه؟ ألها قعر ما؟ أما من سبيل للخلاص؟

وأسئلة سيزيفية أخرى عن مجهول حالك، تشير إلى أن لبنان الفائت انتهى، والنهاية لا تفضي إلى تشكيل "لبنان" جديد، في زمن قريب أبداً. خلاصه لم يلح في الأفق بعد.

موازين القوى الطائفية متحكّمة بالقرار ومفاصل الدولة، وهي ليست مستعدة للتنازل أو الاعتزال. لديها قوة استراتيجية مستفحلة. الطائفية أسوارها هذه الطغمة. ولا يبدو أن هذا السلاح سينكفئ. هكذا كان لبنان دائماً. وهكذا هو الآن، حتى بعد 17 تشرين. للتذكير فقط، هناك قاعدة ذهبية في السياسة اللبنانية، وهي أن الطائفية هي المشكلة، وهي "الحل" كذلك. تاريخ لبنان المأزوم، وليد ثنائية المشكلة والحل. دليلنا على ذلك أن الطائفية استحكمت بمفاصل الحرب الأهلية، ولمّا حضر زمن الحل، أوكل إلى هذه الطائفية، أن تتوزّع السلطة وتقدم الحل، وتقضي على الطائف ودستوره. والدليل الآخر، راهن جداً. هذه الطوائفيات الاستبدادية والمتهتكة واللصوصية، هي التي دفعت بلبنان، إلى هذه الهاوية، البلا قعر، وهي الآن ترفض التنحي قليلاً، ليصار إلى معالجة حقيقية وصعبة ومكلفة من دونها. الطبقة الاستبدادية التي اجترحت المآسي اللبنانية كلها، هي التي تتصدّر مشهد "الحلول" المستحيلة، وتتصرّف، بصفاقة وغش وعهر. وكأن شيئاً لم يكن، وكأن لبنان ليس مفلساً ومديناً وشعبه على جوع أو على حافته، وكأن مصيره مرتهن لمأساة سوف تدوم لسنوات شنيعة. دولة منهوبة، وناهبوها يسوسونها. كأن 17 تشرين تاريخ مضى وكابوس عبر.

في وقائع الأيام الفائتة، براهين على صلف الطائفية ومباهاتها.

لقد فازت "دولة سلعاتا"، بالحجة الطائفية. ما اقترحت علية بعض حناجر الحكومة في جلستها، بغياب الرئيس عون، عادت عنه بعد تدخل قوي، بحجة طائفية بغطاء الخطة الكهربائية. الحجة المضمرة، هي في أنه لا يجوز حرمان المنطقة المارونية - العونية، من محطة كهرباء، فيما تنعّم السنة في الشمال بدير عمار، والشيعة في الجنوب، بمحطة الزهراني. العدل، إما يكون طائفياً أو لا يكون. فالج لا تعالج.

وعلى النهج ذاته، اختلف نواب الطوائف المتحدة، على قانون عفو، لم يأخذ بعين الاعتبار المحاصصة الطائفية. فقانون العفو انهار بعد جدال صاخب. الموارنة عموماً، مع إعادة وإعفاء "العملاء - المعدون"، مقابل العفو عن تجار الحشيشة ومرتكبي التهريب، الذي تؤيده الطائفية الشيعية. وللسنة حصة. لأن معظم هؤلاء في السجن، بسبب ارتكابات طائفية... إنه ليومُ عار ذلك اليوم، اليوم، ألا ينظر إلى العفو عن السجناء، بميزان العدالة، وليس ميزان الكسب. لقد اعتاد لبنان الطائفي أن يعفو عن عملاء، كبار، عن قادة عملاء، عمن أمن للعدو احتلال من نصف لبنان في العام 1982... الطائفية تغفر لقاداتها وعن قاداتها. عفت عمن ارتكب المجازر في الحرب اللبنانية. وبوأتهم السلطة. ولا مرتكب من عدد من المجازر، قيل فيه كلام يدينه أو قرار يستحقه. زعماء الارتكاب من الميليشيات الطائفية استحصلوا على عفو. لقد عفوا عن أنفسهم. تم عفوا عن سمير جعجع، بسهولة طائفية، فيما تنكّروا لحبيب الشرتوني ونبيل العلم، كما يتنكّرون لجورج ابراهيم عبدالله.

هذا هو لبنانكم في عدالة العار.

المضحك المبكي، هو في سلوك الطوائفيات في تقديم الاعانات لمن جوّعوهم وشرّدوهم، (هم لا غيرهم) ولوّثوهم بالتبعية. لقد استنفرت الزعامات الطائفية قواها، من أجل توزيع علب الكرتون المذلة لفقراء الطائفة. ولقد التزمت كل طائفة "بعدالة" التوزيع، فكان هناك، كراتين مسيحية وأخرى شيعية وأخرى درزية وأخرى استتباع من لا يملك القدرة على تحمّل الجوع والعوز والحرمان. اسمحوا لنا أن نقول كلمة بليغة جداً: "تفوه". إنهم يتاجرون بالفقراء، كما يتاجرون بالمخدرات والذمم.

بالفعل. كأن شيئاً لم يكن. كأنه بلد معافى وطبيعي وليس مصاباً بنكبة الإفلاس والدخول إلى نادي الدول الفاشلة. زعماء ممّا تصبهم مآلات الديون والمليارات المنهوبة وانعدام السيولة، وذوبان ودائع الكادحين وتهريب ودائع النافذين من أهل السياسة كلهم واصحاب المصارف كلهم ومن لفّ لفّهم. بالفعل، كأن شيئاً من هذا لم يحصل. أو كأن المعامل شغالة، والكهرباء 24 على 24. والعطالة عن العمل ليست مرتفعة الخ... ومع ذلك يتدخلون بقرارات مجلس وزراء، يشكل معظمه واجهة بَلقاء لزعامات الطوائف، فيملون إرادتهم على قرارات لها علاقة بصندوق النقد الدولي، وعلى تعيينات يتم تجميدها لأنها تخص هذه الطائفة لا تلك، فتثور ثائرة الأورثوذكس فتلتم حول مطرانها، من أجل إبقاء محافظ ثبت أنه غير "مستقيم الرأي واليد". كما تتدّخل في ملف تعيينات مجلس القضاء الأعلى.

تبّاً عن جد. ليس في العالم كله، وقاحة تبرّر لهؤلاء الذين يدين لهم اتباعهم، بالطاعة على العمياني.

لم يعد مجدياً جلد هذه الطبقة بموبقاتها. إن قيل فيهم شيء من هذا القبيل، اعتبروه مدحاً. لقد اسمعتهم الانتفاضة من الأقوال، ما يجعل المعني عارياً من أي فضيلة. ومع ذلك، يقولون: "الدني عم تشتي".

السؤال، بعد انسحاب الكورونا الجزئي، هو حول موعد الثورة المستعادة. الثورة الأولى، اسقطت الحكومة. خانت القيادات الطائفيةٍ. نزلت بقواها البلطجية إلى الساحات السلمية. لم يخَفْ أحد من الثوار. ظلّوا في الساحات حتى تأليف الحكومة المرآة، للطبقة السياسية. الكلام الجميل لا يطمئن ولا يقنع أحداً. ما تزال الأمور من سيء إلى أسوأ. الفاسدون كلهم بيننا. من كان "بلا ظهر"، تم إعلامه بضرورة الهرب. تمّ تهريب مجرمي المال والمؤسسات المالية. تمّ الإفراج عن مرتكبين من الدرجة الرابعة. لا مساس بمجرمي الدرجات العليا. فقط لأنهم الحاكمون والمتحكّمون.

يظهر أن الثورة المقبلة بحاجة إلى أهداف واقعية وواضحة وممكنة، وتؤمّن التفافاً جماهيرياً حولها. لسنا في وارد اعطاء النصح. الثورة تنصحنا، عندما نتقدّم باتجاه تغيير المعادلة. هؤلاء الاقوياء المتحكّمون، هم "حكماء أرذال جداً." انهم يجيدون الكرّ والفرّ والعنف.

الثورة، إن جاءت هذه المرة، يلزم أن تحقّق أهدافا محدّدة. ولا يمكن تحقيق أي مطلب، إلا إذا تغيّرت موازين القوى. ملزم أن يحصل ذلك، بوحدة الصفوف ووضوح الأهداف وواقعيتها. وانتقاء الوسائل غير المجانية. الشتائم لا تنفع. القبضات وما يشتق منها أفضل بكثير... فإلى غدٍ قريب، كما نتمنى.

 

  • العدد رقم: 378
`


نصري الصايغ