يقف لبنان اليوم على مفترق طرق. بعد أكثر من 6 سنوات من الأزمة، بدأ الاقتصاد اللبناني بالتعافي والخروج من الركود الذي تبع الأزمة المالية، التي أدّت إلى انهيار سعر الصرف والقيم في المصارف اللبنانية. غير أنّ عودة النمو الكمّي وبعض التغيّرات البنيوية مثل زيادة الإنتاج المحلّي المستهلك لا يعني أنّنا انتهينا من مفاعيل الأزمة أو أنّ الطريق إلى الاقتصاد الجديد أصبحت واضحة. وهنا لا بدّ أيضاً من التراجع بضعة خطوات إلى الوراء لمعرفة تأثير الأزمة وأسبابها.
في هذا الإطار، كان للأزمة تأثيران: تمثّل التأثير الأول بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير بين عام 2019 وحتى الآن، على الرغم من كون هذا الانخفاض أقلّ من ما يتداول، وبدء عودة النمو، وتمثّل التأثير الثاني، وهو الأهم، بحصول إعادة توزيع كبيرة للدخل والثروة. وهذا أمر يحصل دائماً في حالات التضخّم العالي، وخير مثال على ذلك ما حصل في خلال التضخّم المفرط في ألمانيا في زمن جمهورية الفايمار، وما حصل أيضاً في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي وبداية التسعينيات، وعادة ما تلي هذه الأزمات تغيّرات سياسية كبرى أتت بالفاشية (بعد الكساد العظيم أيضاً) في ألمانيا، وأتت برأسمالية جديدة في لبنان بعد الحرب. ففي كلّ أزمة هناك خاسرون ورابحون. ويمكن تلخيص عملية إعادة التوزيع من الأزمة الحالية، التي لم تكن فقط أزمة تضخّم وتدهور عملة بل أزمة انهيار القيم في المصارف، في ما يلي: خسارة مُني بها الرأسمال الريعي والرأسمال المصرفي، وخسارة المودعين بالمصارف، وخسارة العمّال والموظّفين ذوي الدخل بالليرة اللبنانية كما المتقاعدين، وخسارة ظرفية للرأسمال التجاري الاحتكاري عبر خفض درجة احتكاره لفترة معيّنة، وربح الرأسمال الزراعي، وهناك إمكانية لربح الرأسمال الصناعي والتصديري، وفي الآونة الأخيرة بعض الرأسمال المستثمر في بعض القطاعات الخدماتية والرأسمال اللبناني-الخارجي، وبالطبع المدينين الذين يتراوحون بين فئات الدخل المحدود وبعض الرأسماليين.
إذاً، نحن نعيش في مرحلة ما بعد أزمة اقتصادية خفّضت الناتج المحلي الإجمالي، وفي خضم عاصفة توزيعية أعادت خلط أوراق المواقع الطبقية في المجتمع والاقتصاد اللبناني. ولكن أيضاً على المستوى الأعمق، أدّت الأزمة إلى انهيار النموذج الاقتصادي، الذي بُني بعد عام 1992. فإذا عدنا إلى عام 1992، كان من الواضح أن الدولة اللبنانية كانت بحاجة إلى إعادة بناء، وكانت الدولة اللبنانية الخارجة من الحرب تخضع لاتفاق الطائف، كما أن الاقتصاد كان بحاجة إلى إعادة إعمار وفي الوقت نفسه القضاء على التضخّم العالي الذي نتج عن انهيار سعر الصرف في الثمانينيات وأوائل التسعينيات. وتمحور الاقتصاد الجديد أو الرأسمالية الجديدة في تلك الفترة حول ثلاثة أعمدة: تثبيت سعر الصرف، والإنفاق الحكومي الكبير، وخفض الضرائب على الرأسمال والأجور. وأصبح بناء الدولة يعتمد من جهة على عجوزات الخزينة المستمرة التي تسبّب بها خفض الضرائب على الرأسمال، والفوائد العالية على سندات الخزينة التي ذهبت فوائدها بأكثريتها للرأسمال الريعي، وهكذا تم بناء التحالف الطائفي-الرأسمالي الريعي مشكلاً نموذجاً اقتصادياً سياسياً مختلفاً عن النظام الطائفي قبل الحرب، إذ أصبح نظام الطائف أكثر عدالة طائفياً، ولكن أسوأ اقتصادياً، من ما كان يُعرف بنظام المارونية السياسية. فبعد الطائف، بنيت رأسمالية ريعية موّلت هذه «العدالة الطائفية» من جهة، وبنت «الرأسمال الريعي» من جهة أخرى، وكان للرأسمال الريعي حصة الأسد من هذا التوزيع، وأصبحا وجهان لعملة واحدة لدولة تضخّمت إلى أن نتج عن هذه البنية دينامية مالية هشّة أفضت إلى أزمة 2019، والإطاحة بهذا النموذج الاقتصادي القديم. وتدفعنا هذه الإطاحة إلى التفكير في أي نموذج جديد نحن بحاجة إليه في لبنان، وهذا ليس بالأمر الفريد، فاليوم ترامب ينشأ نموذجاً اقتصادياً جديداً في الولايات المتّحدة، وكذلك فعلت الصين بعد عام 1978، وهذا ما تفعله اليوم أيضاً، والأمر نفسه يسرى على السعودية وألمانيا اليوم.
بالتالي، عندما نتكلّم عن استحداث سياسة اقتصادية جديدة (أو بناء الدولة أو بناء النموذج الاقتصادي الجديد) لا بدّ من البحث عن أي طبقة (أو تحالف طبقي) ستحمل لواء قيادتها، وعن أي نظام سياسي نتكلّم، وعن أية أشكال من الاستهلاك أو الاستثمار أو البنية الاقتصادية ستؤدي إليها. اليوم وفي ظل موازين القوى الطبقية والطائفية لن تستطيع الطبقة العاملة لوحدها القيام بذلك. إذاً، ينحصر السؤال اليوم عن أي تحالف طبقي وسياسي سيقود هذا المسار، خصوصاً في ظل تبعات أزمة إعادة خلط الأوراق الطبقية لنموذج بعد الحرب؟
حتى الآن لا يبدو أن هناك طبقة رأسمالية جديدة واعدة تسعى إلى نموذج اقتصادي جديد. قد يكون هناك بعض التغيير بالشكل، وبداية ظهور نواة فكر اقتصادي ليبرالي، بعضه متمثّل في الحكومة الحالية، ولسان حاله أن الاقتصاد اللبناني سابقاً لم يكن رأسمالياً أو حراً بالمعنى الحقيقي بسبب التدخّلات السياسية والدولتية والفساد وخنق القطاع الخاص، أو ربّما بالأحرى تكبيله. وبالتالي، كلّ ما نحن بحاجة إليه في لبنان هو إطلاق الاقتصاد الحرّ من قفص «السياسيين»، بما يؤدّي إلى نمو كبير للاقتصاد اللبناني، ودخولنا هذه المرّة بالفعل في الجنة الليبرالية الحقيقية بعد تفكيك سلطة هؤلاء «السياسيين» على الاقتصاد، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإبعاد «المصرفيين السيئين» عنه. لكن حتى الآن لم تتجسّد هذه الأفكار في طبقة كما حدث بعد الحرب. كما أن هذه الأفكار تحمل الكثير من الماضي وترسبات النيوليبرالية البائدة بدءاً من الإصرار على الاعتماد على «المساعدات الخارجية» و«الاستثمارات الخارجية» في البحث عن الموارد لإعادة بناء الاقتصاد أو إعادة الإعمار، واتباع سياسات التقشّف المالية، وتخيّل أن الأسواق الحرّة والخصخصة ومحاربة الفساد وحكم القانون، وغيرها من الأفكار النيوليبرالية غير مجدية والتي لم يعد الكثيرون في العالم يؤمنون بها، هي كفيلة بإطلاق النهوض الاقتصادي. فالعالم فعلياً إمّا يذهب يميناً (لوبن، ترامب، ماسك، ميلي، بوكيلي، وغيرهم) أو يساراً (ساندرز، صعود الصين الشيوعية، الجبهة الشعبية الجديدة في فرنسا، اليسار في التشيلي، حتى الأمس القريب، وكولومبيا والبرازيل، وغيرها). في هذا الإطار، لا يبدو أن الرأسماليين الصاعدين، وممثّلهيم الفكريين، يتصرفون كرأسماليين جُدد، بل كنسخة مُجدّدة عن الرأسمالية الريعية التي انتهت في أتون أزمة 2019. وفي الإطار الفكري، يحاول البعض بث خطاب «الجيّد» ضدّ «السيء»، وأنّ الأزمة ما هي إلا نتاج «السيئين والفاسدين»، بينما كان القطاع الخاص مغلوب على أمره. كلا لم يكن الواقع كذلك. فكما رأينا، لم تسقط عجوزات الخزينة والدين العام من السماء، ولا من الفساد، ولا من مؤامرة «المصرفيين السيئين» لإثراء أنفسهم على حساب المودعين، بل كانت جزءاً من التراكم الرأسمالي لبناء دولة الطائف وسيطرة الرأسمال الريعي كطبقة قائدة بعد الحرب، كما أن الأزمة كانت نتاج هذا النموذج التراكمي، وبالتالي هي «أزمة رأسمالية» وليست «عملية احتيال» أو «سرقة وفساد»، وحتى البونزي لم تكن احتيالية بل جزءاً من هذا النظام المالي على طريقة هايمان مينسكي. وأخيراً، لم يكن القطاع الخاص بريئاً، فهو عاش بأمان في الفقاعة الريعية لاقتصاد ما بعد الحرب، وشكّل تجميد الأجور بين عامي 1996 و2008 جزءاً من هذا الاقتصاد السياسي. إذاً هذه كلّها فانتازيات مختلفة، إن لم نتخلَ عنها، فإننا سنبقى في فترة «خلو العرش» الغرامشية، حيث مات القديم ولم يولد الجديد لم يولد، ونحن نرى يومياً في هذه الفترة الظواهر البشعة التي تحدّث عنها غرامشي.
في هذا الإطار، يتبيّن أن الحكومة اللبنانية، حتّى الآن، تمثّل الماضي، وربّما بعضاً من الحاضر، ولكنها بالتأكيد لا تمثّل المستقبل الذي أرادت له انتفاضة 17 تشرين أن يكون جديداً. لقد طرح اليسار الحالي، ممثلاً بالحزب الشيوعي اللبناني في برنامجه لانتخابات 2018، رافعات ثلاثة تحرّر الدولة من تراث الطائفية التوافقية، ومن الرأسمال الريعي، ومن الظلم الاجتماعي وهي: الديمقراطية الحقيقية، وتطوير القوى المنتجة، والعدالة الاجتماعية. ما زالت هذه الأسس الثلاثة صالحة، ولكن كان ولا يزال هناك عقبات كبيرة سياسية ومادية لتحقيق ذلك اليوم. ولكن في الوقت نفسه، هذا هو تحدّي بناء الدولة الحقيقي، وهذا هو تحدّي الجمهورية الثالثة. فلا بدّ من المحاولة.
وفي إطار هذه المحاولة، هناك أمران لا مفرّ منهما للبحث بين قوى التغيير واليسار والتقدّم، وهما:
أولاً، في مداخلة في الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي، قدّم الناشط بول اشقر طرحاً عن أهمّية تمرحل تغيير النظام الطائفي قائلاً: «إننا لن نقفز بسحر ساحر من الدولة الطائفية، إلى اللادولة، إلى الدولة اللاطائفية. إنه مسار ستتضمّن كل مرحلة منه عناصر من المرحلة السابقة وعناصر من المرحلة اللاحقة». إذا أخذنا هذا الواقع، يمكننا البدء بالتفكير في هذا «المسار»، وأول خطوة في ذلك يجب أن تبدأ بنزع العلاقة بين التحاصص الطائفي والعدالة الاقتصادية وحلّ «مسألة الطائفية» حقوقياً، وهو ربّما ما طمح إليه نظام الطائف، لكن التقاسم والصراع على الموارد طبع تطبيق نظام الطائف في نظام رأسمالي غير مكتمل، يغلب فيه التوزيع على الإنتاج، فأدّى التوزيع وإعادة التوزيع دور القاعدة المادية للعدالة الطائفية منذ عام 1992 وحتى عام 2019. كل هذا انتهى الآن، وبالتالي يجب أن تتمثّل الخطوة الانتقالية بالتوافق على مبادئ دستورية لا تتعلّق بالسلطة المباشرة والتوزيع الاقتصادي والوظائف، وقد يكون البدء بتطبيق اتفاق الطائف فعلياً خطوة أساسية في هذا المجال، والتوجّه إلى بناء رأسمالية جديدة، حيث تتهالك العلاقات القديمة و«كل شيء صلب يذوب فى الهواء» كما أعلن «البيان الشيوعي»، وسمّاها مارشال بيرمان «أساس الحداثة». ولكن هذه الحداثة والذوبان لا يحصلان تلقائياً، كما برهنت التجارب المأسوية، بل ببناء القاعدة المادية لهما.
ثانياً، كما تجذّرت الرأسمالية في لبنان منذ زمن حيث، إذ يقول المؤرّخ الاقتصادي شارل عيساوي، «جُذب لبنان إلى الرأسمالية كما يُجذب البط إلى الماء»، على الرأسمالية اللبنانية اليوم أن تنتقل من رأسمالية التوزيع والريع إلى رأسمالية الإنتاج، وبذلك تنتفي القاعدة الاقتصادية للعدالة الطائفية التي أرستها الرأسمالية التوزيعية لنظام ما بعد الطائف. لكن بناء الرأسمالية الجديدة لن يحصل بتكرار الماضي فيما يتعلّق بالمبادرة الفردية والفرادة اللبنانية والجسر بين الشرق والغرب إلخ، ولا بالنسخة المحلية لـ«شيكاغو بويز» والليبرالية المتجدّدة. هذان الأمران تخطّاهما الزمن والعصر. نحن الآن على المستوى العالمي في عصر الصدمات في الرأسمالية: صدمة الذكاء الاصطناعي، وصدمة ترامب، وصدمة الصين، وصدمة عكس العولمة وصدمة التغير المناخي، وهذا يتطلّب فكراً خلاقاً، وليس ترداداً للقديم، سواء بقدمه أو بشكله الجديد. نحن بحاجة إلى إعادة «بناء دولة» تؤدّي دوراً في إنتاج رأسمالية أكثر إنتاجية، تنهي إلى الأبد إمكانية عودة سيطرة الرأسمال الريعي وتستثمر في البنى التحتية وفي سياسية صناعية من أجل التقدّم الاقتصادي والتكنولوجي. ومثال على ذلك، أن الحديث المتكرّر عن الذكاء الاصطناعي سيبقى كذلك (كما اقتصاد المعرفة سابقاً) ما لم تؤدِّ الدولة دوراً في ذلك، وما لم يتم التخلي عن الاكتفاء بالاعتماد على الشركات الناشئة (startups) ورأسمالها الضئيل ودرجة فشلها العالية. وهذا الأمر واضح في الصين والولايات المتّحدة، وأيضاً في الدول العربية التي حقّقت تقدّماً في هذا المجال كالسعودية والإمارات. وفي الإطار الأوسع، قد تكون المملكة العربية السعودية متجهة إلى «رأسمالية الدولة». فليعتبر، من بحاجة في لبنان أن يعتبر، من هذا التطوّر، ويلقي جانباً فانتازيا «الاقتصاد الحرّ» و«المبادرة الفردية»، كمفاهيم مطلقة أبدية، إذ قد تنجح في مرحلة، وتفشل في أخرى، ليس في لبنان فقط، بل أيضاً، أو بالتحديد في الدول الرأسمالية المتقدّمة. كتب بول كروغمان عام 1998 «ماذا يبدو أن الأسواق الحرة، التي بدا أنها فشلت بشكل كبير في ثلاثينيات القرن العشرين، تعمل بشكل جيّد في أيامنا هذه؟ لماذا انهار الاقتصاد المختلط، الذي بدا وكأنه يعمل بشكل جيّد في الخمسينيات والستينيات، في السبعينيات والثمانينيات؟ والسؤال الكبير هو: هل نحن على نوع من البندول: هل ستنهض الدولة مرة أخرى؟».
الآن بعد حوالي ثلاثين عاماً بدأ البندول بالتحرّك والانتقال إلى الدولة، وهذا نراه بعودة الوهج نظرياً إلى السياسات الصناعية، وإلى دور الدولة في الاقتصاد، ليس في الصين الشيوعية فقط، بل حتى في الولايات المتّحدة، قائدة الرأسمالية العالمية، من خلال سياسات بايدن، ومن ثمّ سياسات ترامب التي فاجأت الليبراليين والنيوليبراليين. لذا، آن الأوان في لبنان لأنّ يتحركّ البندول إلى الدولة، لا لإعادة إنتاج الدولة الطائفية بل للبدء بتغييرها، ولا لإعادة استعمال الدولة لإثراء الطبقات الريعية بل لإقامة اقتصاد إنتاجي. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى قانون الفجوة المالية الحالي كبداية لأفضل الممكن حالياً، لكنه بحاجة إلى تعديلات أساسية لصالح الدولة والاقتصاد والودائع المتوسطة والصغيرة، على أن يترافق مع سيناريوهات كمية لقيم الودائع، وعائدات الدولة ودينها، ولمدة نفاذ القانون لمعرفة ماهية استدامة وكلفة المشروع الحقيقية وتأثيراته الماكرواقتصادية والتوزيعية. إن التقدّم في هذا الاتجاه يجب أن يكون في وجه اعتراضات اليمين الاقتصادي، سواء في الحكومة أو في جمعية المصارف أو كما يقال حتى في مصرف لبنان، وكلّهم يحاولون عبر القانون، تحت شعارات شعبوية مثل «قدسية الودائع» و«الملكية الخاصة» وغيرها، تحويل «الفجوة المالية» إلى «قنبلة ريعية موقوتة»، وتحميل الدولة المسؤولية وإعادة استعمال خزينة الدولة وأصولها لإثراء الطبقات الريعية كما حصل بعد عام 1992، بما يشكّل season 2 من مسلسل انتهى بسقوط النموذج الاقتصادي القديم في عام 2019 من دون عودة. والغريب أن بعض دعاة الاقتصاد الحرّ يريدون استعمال الدولة كأداة لتراكم الرأسمال المالي، ليس مرة واحدة بل مرّتين: المرّة الأولى عبر «رأسمالية الأغنياء» والمرة الثانية عبر «اشتراكية الأغنياء». المرة الأولى انتهت إلى كارثة، والثانية ستحوّل لبنان إلى عبودية الديون وإلى خنق الاقتصاد الحقيقي.
البديل عن هذا السجن والقدر والتاريخ الدوري هو الدولة، التي تُدخل لبنان فعلياً إلى الحداثة الحقيقية والتقدّم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وفعلياً إلى التاريخ. ويتطلّب الوصول إليها طريقاً صعباً بكل متطلباته الفكرية والسياسية والدستورية والاقتصادية، والتي لا يمكن القفز فوقها. هذا هو رهان هذه السنوات الحاسمة من المئوية الثانية للبنان. فإمّا أن تُبنى رأسمالية إنتاجية وتكنولوجية متقدّمة ترفع من عوائد العمل والمهارة والتعليم، أو نبقى أسرى أوهام ومحاولات إعادة الساعة إلى الوراء لإعادة بناء رأسمالية متخلّفة تنقل الثروة من المنتجين إلى القلة الريعية، وفي النهاية ستكون هذه بالتأكيد مهمة يائسة ومستحيلة، بينما يمضي العالم قدماً اقتصادياً وتكنولوجياً.
نسخة منقّحة لمداخلة ألقيت في ندوة نظّمها الحزب الشيوعي اللبناني في مسرح المدينة في بيروت بتاريخ 10/02/2026، تحت عنوان «نحو سياسة اقتصادية اجتماعية بديلة: إعادة الإعمار. الفجوة المالية. الرواتب والأجور والضمانات»، أدارتها يانا السمراني، وتحدّث فيها كمال حمدان، وغسان ديبة، ومحمد زبيب. تنشر بالتزامن مع موقع صفر.