الحلقة ٨: حكاية رصاصات الكرامة (3) - من أوراق المقاومة

(الحلقة ٨)

من اوراق المقاومة - الجدران التي تتذكر

 

    بناءً على رسالته المُقتصِرة على "عودة سجى"، شققتُ طريقي إلى بيروت تحت جنح الظلام، وتوجهتُ فوراً إلى منزل مازن. وجدته في عُمق بيته الهادئ، وحيداً بين جدرانه. تبادلنا أطراف الحديث عن أحواله وعمله، وعن موعد انضمام زوجته إليه، ثم انسابَ الحوار برقة نحو الهدف الحقيقي من زيارتي.

سألته: "هل رأيتَ سجى؟"

 

نهض من كرسيه في صمت، واختفى لحظةً في غرفة مجاورة، ليعود وفي يده ورقة. وضعها على الطاولة أمامي، ثم رفع نظره وقال: "أظن أننا امام  رفيقةٍ تمتلك ذكاءً لامعاً، وإرادةً صلبة، وروحاً مُبدعة."

 

ثم واصل حديثه، وعيناه تثبتان في وجهي: "قبل توجهها إلى قريتها في الداخل المحتل، جلسنا معاً. درّبتُها على أصول العمل السري، وفنون التخفي، وكيفية الاقتراب من الأهداف. أوصيتها بما اتفقنا عليه: أن ترصد وتستمع وتدرس محيطها بدقة، وأن تتريث كي لا تثير الشكوك. زوّدتها بكل ما يلزم لنجاح مهمتها. والآن، انظر إلى هذا التقرير الذي كتبته بخطّها، بعد عودتها مباشرة إلى بيروت وسلمتني إياه."

 

حملتُ الأوراق وبدأت القراءة. السطور مكتوبة بخطٍ واضح وإن كان غير منتظم، يحمل تفاصيل دقيقة وحاسمة: تحركات العدو حول قريتها، لقاء مع صديق قديم "المسؤول العسكري للبلده "اقترح عليها زيارة موقع للمتعاملين مع العدو، معاناة الناس تحت نير الاحتلال وصمتهم المقاوم، رسومات تُوضّح نقاط تمركز الآليات العسكرية، رسم دقيق لموقع مدفعية مع إشارات إلى المعالم المحيطة، وأخيراً، اقتراحات عملية، منها ترشيح أسماء لأشخاص يمكن الاقتراب منهم والاستفادة من مواقعهم واهمها صديقه لها تعمل كسكرتيرة للظابط المسؤول عن الإدارة المحلية للشريط داخل ثكنة مرجعيون .

 

رفعتُ عينيّ من فوق الصفحات، فوجدت نظرات مازن تلتقط كل تغيير في تعابير وجهي وأنا أقرأ. وقبل أن أنطق، سألني: "ما رأيك؟"

 

أجبته: "حقاً، إنها رفيقة تمتلك قدرات استثنائية وحماسة نادرة. علينا أن نفكر، رفيق مازن، في صقل مواهبها أكثر."

 

أعدتُ التقرير إلى الطاولة وسألته: "هل تحدثتَ مع سجى عن الخطوة التالية؟"

 

أجاب بأنه، بعد قراءة التقرير معها ومناقشة بعض النقاط، وعدها بلقاء قريب لتحديد المسار المقبل. وأضاف أنها أيضاً بحاجة إلى متابعة دراستها الجامعية، خاصة مع اقتراب امتحانات فصلية هامة.

 

ثم أفضى إليّ مازن بشأن وضعه الشخصي. فقال إن زوجته ستنتقل من منزل أهلها إلى منزله الأسبوع المقبل، وكان لديه ظروف خاصة، ولذلك اقترح نقل مسؤولية الاتصال بسجى منه إلى رفيق آخر يتولى متابعتها.

 

لم يكن قرار مازن مفاجئاً لي، فقد كان حقاً بحاجة إلى الراحة ، وكذلك إلى ترتيب شؤون زواجه. وبعد مناقشة الأمر، قررنا أن أتولى أنا متابعة سجى، حيث سيسلمني مازن خيط الاتصال بها.

 

طلبتُ منه أن يحدد لها موعداً في إحدى مقاهي بيروت، وأن يزوّدها بإشارة التعارف وكلمة السر.

 

في الموعد المحدد، دخلت المقهى قبل الوقت بدقائق معدودة . تفحصتُ الرواد القلائل، وكان معظمهم من الشباب الذين يلتقون لنسج علاقات عاطفية. اخترتُ مكاناً مناسباً للجلوس، أستطيع منه رؤية الداخلين ومراقبة الجالسين. أردتُ أن أراقب سجى وكيف تتصرف عندما تدخل دون أن تعرفني.

 

عند الوقت المحدد تماماً، دخلت فتاة في مقتبل العمر، رشيقة، ذات عيون ثاقبة وشعر أسود كثيف، ترتدي جينزاً وقميصاً أبيض. توجهت مباشرة إلى طاولة فارغة، وضعت حقيبتها جانباً، ثم أخرجت إشارة التعارف المتفق عليها - مجلة نسائية فصلية - ووضعتها أمامها على الطاولة. رفعت لائحة المشروبات، وعندما جاءها النادل طلبت عصير ليمون.

 

لم تلتفت نحو الجالسين، ولم يصدر عنها أي سلوك يجذب الانتباه. رفعت المجلة وبدأت تقلب صفحاتها بهدوء، كقارئة عادية تنتظر صديقاً.

 

انتهزت فرصة خروج بعض رواد المقهى، وتقدمت نحو طاولتها، ومع ابتسامة خفيفة وكأننا نعرف بعضنا منذ فترة طويلة، نطقتُ بكلمة السر، وجلستُ فوراً. تصرفت سجى بوداعة طبيعية، وكانّها تعرفني منذ زمن.

 

لم تكن منفعلة، ومارست دورها بشكل طبيعي وبساطة مطلقة.

 

بعد بضع جُمَل اعتيادية للتعارف، سألتها عن دراستها، ثم دخلت في صلب الموضوع. شرحت لها باقتضاب وضع الرفيق مازن، وأخبرتها أنني على اطلاع كامل على كل ما قامت به والتقرير الذي قدمته.

 

سألتها: "هل واجهتك صعوبات لم تذكريها في التقرير؟"

 

توقفت قليلاً، ثم همست: "كنت أرى الناس تتألم، وفي قرارة نفسي أريد مساعدتهم، لكنني لم أستطع لأن إنجاح مهمتي كان يجب أن يأتي أولاً."

ركزت على بعض النقاط الواردة في التقرير، واستفسرت عن أخرى. سألتها عن أقاربها وأوضاعهم، وعن ميولهم السياسية. وقلت لها إننا في الجلسة القادمة سنناقش معا خطة العمل، وأخيراً، اقترحت أن نخرج مترافقين كي لا نلفت الأنظار.

 

في الخارج افترقنا، بعد أن كنا قد حددنا موعداً آخر للقاء في مكان مختلف.

 

وبينما ابتعدت في الاتجاه المعاكس، تساءلتُ في سري: إلى أي مدى تستطيع هذه الفتاة التي تجمع بين حدّة الذكاء وهدوء الأعماق أن تتحمل ثقل الطريق الذي بدأت تسلكه؟ كانت عيناها تلمعان بإصرار يخفي وراءه قصة لم أعرفها بعد.

 

ثم واصلتُ سيري، وأنا أعلم أن اللقاء القادم لن يكون مجرد مناقشة خطة. سيكون الخطوة الأولى في رقصة المصير بين سطوة الاحتلال، وإرادة الأرض التي تنتفض من تحت الأقدام.

  • يتبع