سياسات الفساد والتهديد تطيح بحقوق الأساتذة "المستعان بهم"...!!

 

"أنا اللي برسم السما اللي بدي عيش تحتها متل ما أنا بشوفها... حياتي إلي مش إلهن... وكرامتي قبل أي شي"... بهذه الكلمات دافعت "سلوى" اسم مستعار لإحدى المعلمات في صفوف الحضانة عن حقّها في خوض الإضراب العام يوم الاثنين 14 كانون الأول الجاري، معلنة بغصة التزامها به منفردة في مدرستها بعدما نجح تهديد المنسق الميداني بزعزعة قرار زميلاتها وزملائها وتراجعهم عن التقيد به خوفاً من استبدالهم، بقوله "ألف أستاذ بنجيب بدال الأستاذ/ة اللي غايب/ة" مع العلم أن مدير المدرسة أكّد لهم دعم الإدارة في ممارسة حقهم الديمقراطي دفاعاً عن مطالبهم.


سياسات الترهيب والتهديد هذه الممارسة سواء من المنسقين أو من عدد من المدراء أو بعض المتحدّثين باسم الروابط غير المعنية أصلاً بحقوق ومطالب "المستعان بهم" في الدوام المسائي ما زالت تؤثر بقرار العديد من الأساتذة اليوم، وحتى بعد مرور أكثر من عام على انتفاضة 17 أكتوبر. إضافة إلى ذلك لقد اعتاد البعض من المواطنين ومنهم أساتذة الرضوخ لما يسمونه "الأمر الواقع" الذي رسمته سياسات الهدر والفساد والمحسوبيات في السلطة، ولكن صفة الخذلان لا تنطبق عليهم جميعاً، حيث أن تفاقم الوضع الاقتصادي يجبر العديد منهم القبول بالفُتات الذي يُعطى لهم من حقهم وبالتقسيط الممل علّها تسدّ بعض فواتير ديونهم المتراكمة وتؤمّن احتياجاتهم المعيشية الأساسية.

أما عشية الإضراب، تناقل الأساتذة رسالة أدّت إلى تراجع البعض منهم عن المشاركة به وفيها "طلال جبور. منسق الأمم... حضرة المدراء الكرام... كلّ أستاذ أو ناظر أو مرشد صحي أو موجّه تربوي يتغيّب عن دوامه بحجة الإضراب أو غيره يُصار إلى استبداله على الفور وإبلاغ المنطقة التربوية لتأمين البديل". سيناريو التهديد هذا تكرّر بداية العام الماضي أيضاً من قبل بعض المدارس التي نقلت رسالة تهديد المناطق التربوية وتحذيرها من الاستغناء عن كلّ من يلتزم بالإضراب من "المستعان بهم في الدوام المسائي".
وعند الحديث عن معاناة "المستعان بهم" أشارت المعلمة سلوى على أن "الأساتذة" يضطرون إلى توقيع عقد لوزارة التربية أن لا حقوق لديهم (أي العقد مؤقت لسنة دراسية واحدة)".

طفح الكيل...
يوم السبت 12 كانون الأول الجاري، أعلنت كلٌّ من "لجنة الأساتذة المستعان بهم في تعليم بعد الظهر"، وأيضاً "لجنة الإرشاد الصحي والتربوي في فترة الدوام المسائي لتعليم الطلبة النازحين السوريين" الانضمام لإضراب النظار الذي نفذ في 14 الجاري.
وأشارت مصادر من "لجنة الأساتذة" لـ "النداء" أن "الأساتذة قرّروا تنفيذ الإضراب بعد مماطلة المعنيين بتسديد مستحقات الفصل الثاني عن العام الماضي، ووصول معلومات أن الأموال غير متوفرة والدولة مفلسة. ناهيك عن الوعود المتكرّرة بقبض مستحقات أجر حصص "التعليم عن بعد" قريباً، وكالمعتاد دخلنا الشهر الثاني وما زلنا ننتظر ترجمة هذه الوعود لنا، وكأنه لا يكفي اقتطاع أجر الحصة الأساسي"، مشدّدة على أن أبرز مطالبهم هي، "إنصاف الهيئة التعليمية كاملة من (معلم وناظر ومدير وعمال النظافة...). والحصول على حقوقنا الكاملة عبر دفع مستحقات التعليم عن بعد عن العام الماضي لكلّ الأفراد ومن دون تمييز، ورفع أجر الحصة للجميع بما يتناسب مع الواقع الحالي وليس بثمن بخس أي بزيادة ألفي ليرة، بل تكون على الأقل زيادة منطقية".

يذكر أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تدفع أجر حصة المعلّم 20 دولاراً منذ إطلاق هذا المشروع وتلزيمه لوحدة التعليم الشامل في وزارة التربية، التي بدورها تدفع للأساتذة اليوم 20 ألف ل.ل. مقابل الحصة بعد زيادة أجرها 2000 ل.ل. والتي كانت 18 ألف ل.ل، وقبلها 14 ألف ل.ل.. تلك الزيادة الزهيدة جاءت بعدما رفعت "لجنة الأساتذة" الصوت عالياً العام الماضي وتنفيذهم الإضراب العام المفتوح الذي التزم به عدد من المدارس مدة شهر، فرفعت الوزارة 3000 ل.ل. أجر حصة المرشد التربوي والصحي، و5000 ل.ل. للمدير (20 ألف للحصة بدلاً من 15 ألف) أما الناظر فكانت زيادة 1500 ليرة على حصته.
واليوم يتساءل، "المستعان بهم" عن لغز حصولهم على ما يقارب الدولارين أجر الحصة بدلاً من العشرين دولار، مطالبين أقله إنصافهم عبر احتساب المستحقات وفقاً لسعر المنصة الذي وضعه مصرف لبنان (3900 ليرة للدولار الواحد).

بدورها عرضت بهية أمونة، أبرز مطالب "لجنة الإرشاد الصحي والتربوي في الدوام المسائي" التي تمحورت بـ "رفع أجر الساعة من 15000 إلى قيمة الدولار على المنصة الإلكترونية - عدم حرماننا من أجرنا في فترة "الأونلاين" كسائر الموظفين في الحقل التربوي - زيادة عدد الساعات اللا صفيّة للإرشاد الصحي والتربوي للتمكّن من القيام بالمهام التي تحتاج إلى جهود في التحضير والتنفيذ."

"الحلقة الأضعف"...!!
تشكّلت مؤخراً "لجنة نظّار بعد الظهر (دوام مسائي - سوريين)"، ورفعوا الصوت عالياً في 8 كانون الأول الجاري بإعلانهم عدم الالتحاق بمدارسهم والبدء بالإضراب المفتوح، مشدّدين على أنهم أصبحوا اليوم "الحلقة الأضعف" في المدارس مادياً ومعنوياً. والوزارة تحدّد ناظراً واحداً لكلّ مئة طالب، وفي حال تغيب الطلاب يحسم جزءاً من حصص الناظر/ة. أما مطالبهم التي أدّت إلى الأضراب العام، فهي:
"- تحسين سعر الحصة بما يناسب وضع الليرة والاقتصاد وقيمة عملنا وتعبنا. أي ما كانت تعادل حصتنا بالدولار ودفعها بسعر المنصة ٣٩٠٠ ل. ل. لكل دولار، لأن الأموال تدفع بالدولار.
- عدم ربط عدد وقيمة الحصص بعدد الطلاب المتغيّبين والحاضرين وربطه فقط بالمسجلين.
- توضيح موثّق فيما خصّ احتساب ساعات "التعليم عن بعد" والحضوري بسبب تقسيم التلاميذ إلى مجموعات. (يعني الحصة كاملة أو نصف أجر؟).
- فتح مجال حصص لـ٢٥ حصة لمن أراد ذلك وعدم ربطها بعدد حصص قبل الظهر.
- الدفع بمهلة زمنية كحد أقصى شهر لأتعابنا بعد تعبئة الجداول وتسليمها".

"تعليق الإضراب"...
هذا غيض من فيض من معاناة "المستعان بهم" في الدوام المسائي، ولجوئهم إلى الإضراب، وعدم التزام البعض منهم به مثل مدارس الضاحية الجنوبية والنبطية وجبيل... وأما الساعات الأخيرة لليوم الأول فقد حسمت مواصلة الإضراب لدى أساتذة الإرشاد الصحي والتربوي، الذين سلّموا مذكرة بمطالبهم إلى السيدة بان خليفة في وحدة التعليم الشامل، ود. محمد دوغان مستشار وزير التربية وأيضاً إلى مكتب "اليونيسف". وقرّروا انتظار نتيجة وعود اللقاءات بالمعنيين، واضطروا الاكتفاء بالإضراب التحذيري ليومٍ واحد، بسبب تزايد التهديدات والضغوط عليهم، حتى أن أحد المدراء أصدر تعميماً يمنع بموجبه الأساتذة من الدخول بأيّ مجموعة على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة بالتعليم أو إبداء رأيهم بأيّ مسألة تتعلق بحقوقهم، أما زميلته فنجحت تهديداتها الحادّة في رسالة صوتية من إسكات صوت الأساتذة في مدرستها، خوفاً من استبدالهم.
وفي هذا السياق، اعتصم عدد من الكادر التربوي والإداري في التعليم الرسمي (دوام بعد الظهر) الذي يضمّ الأساتذة والإرشاد الطبي والتربوي والنظّار، الخميس الماضي 17 كانون الأول الجاري أمام وزارة التربية للمطالبة بدفع مستحقاتهم.
بدورها، أيضاً علّقت "لجنة النظار" في اليوم الخامس الإضراب الذي أطلقت شرارته، بعد منحها "الثقة" لتأكيد رابطة التعليم الأساسي بتبنّي مطالبهم، بالرغم من تجارب السنوات السابقة معها؛ إذ أنه من المتعارف عليه أن الرابطة لم تقم بدورها النقابي المفترض ولا حتى مؤخراً في مساندة "المستعان بهم" في حقهم بالإضراب وحمايتهم من التهديدات، ويأمل العديد من "المستعان بهم" في الدوام المسائي أن تخذلهم توقعاتهم وأن يترجم تضامن "الرابطة" فعلياً على الأرض، ولا يبقى محصوراً ببعض البيانات والتصاريح الصحافية.