الصين في بحر العرب: نظرة شاملة على عُمان

عام 2013، اتخذت الصين خطوات ملموسة نحو إرساء علاقات اقتصادية ثنائية مع الدول النامية كجزء من إحياء "طريق الحرير" القديم. ومن خلال استعارة الرمز التاريخي لهذا "الطريق"، تبنت الصين مفهوم التنمية المتبادلة وتابعت بنشاط الشراكات الاقتصادية مع الدول الحديثة التي كان طريق الحرير يمر عبرها. تؤكد السياسة الخارجية للصين على بناء مجتمع ذو مستقبل مشترك ومسؤوليات مشتركة مع الدول الأخرى. وقد أولت الصين من خلال هذه الاستراتيجية اهتمامًا خاصًا بالمنطقة العربية، وذلك لاعتمادها على الوقود الأحفوري، ولكون المنطقة شريك طبيعي للصين لوجودها على طريق الحرير.

بحسب معطيات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، ارتفعت التجارة العربية الصينية منذ 1990 من لا شيء تقريبًا الى أن أصبحت الصين الشريك التجاري الرئيسي للعالم العربي، حيث بلغت نسب النمو التجاري ما يقارب ال 20% سنويًا. استهدفت استثمارات الصين الخارجية في المنطقة بدايةً قطاع الطاقة. إذ يقدر أن ما يقارب 40% من إمدادات الصين من النفط مستوردة من الخليج العربي. وتعد المنطقة العربية ثامن شريك تجاري مع الصين. وقد استهدف استثمارات مبادرة الحزام والطريق الصينيية مؤخرًا قطاعات أخرى، مثل البنى التحتية والخدمات اللوجستية والقطاعات الصناعية التي يمكن أن تعزز مخططات التنويع لدى الدول العربية. وتكون مبادرة الحزام والطريق قد فتحت بذلك نافذة من الفرص للعرب، الذين حوصر بعضهم مثل العراق وسوريا وليبيا، بالحروب والعقوبات المفروضة من الغرب وهذا بالاضافة الى عدم الاستقرار السياسي.
تسعى دول الخليج منذ زمن طويل الى تنويع اقتصاداتها لتصبح أقل اعتمادًا على صادرات النفط. تعتبر عُمان إحدى هذه الاقتصادات، خاصة مع التحديات الأعمق التي تواجهها، بتناقص إنتاجها واحتياطها النفطي. وهي بالمقارنة مع جيرانها في الخليج، أعجز عن تدارك مشاكلها المالية الحالية. لذلك كان عليها التوجه نحو التصنيع وتنويع صناعاتها وإلا ستصبح معتمدة على الريوع الجيوسياسية، وبالتالي، أقل استقلالية. يتوجب على عُمان على المدى القصير، مع تضاؤل احتياطها النفطي، إيجاد مصادر بديلة لتوليد الدخل من أجل الحفاظ على نمو اقتصادي صحي سليم. وقد ظهرت الفرصة لتحقيق هذه الغاية عندما عرضت الصين عليها حزمة استثمار صناعي بمليارات الدولارات عام 2016.
تعتبر عُمان إحدى دول الشرق الأوسط الرئيسة التي تمد الصين بالنفط. بالنظر إلى خارطة عُمان، يبدو جليًا أنها بوابة الخليج العربي كما أنها ممر هام إلى القرن الإفريقي. وهي مركز محتمل على طريق سلاسل الإمداد عبر المحيطات. لقد دفع هذا الموقع الجيواستراتيجي بعُمان لتبرز على رادارات الإمبراطوريات القديمة (الفارسية على سبيل المثال)، والحديثة (الاحتلال البرتغالي في القرن السادس عشر، والبريطاني في نهايات القرن التاسع عشر وحتى عام 1972)، إلى جانب التأثير الأمريكي (خلال الخمسين عامًا المنصرمة). وبينما سعت بريطانيا والولايات المتحدة إلى إنشاء قواعد عسكرية في عُمان من دون طرح خطة للتطوير، قدمت الصين مؤخرًا خطة تعاون اقتصادي تتماشى مع تطلعات عُمان نحو التنوع.
عام 2016، اتفقت الصين وعُمان على صفقة تبلغ 10.7 مليار دولار لتأسيس مدينة صناعية في المنطقة الاقتصادية الخاصة في الدُقم. و الدُقم هي مدينة صغيرة على ساحل بحر العرب في الجزء الجنوبي الشرقي من عُمان. يشير الاتفاق الى أن ائتلاف مجموعة من الشركات الصينية تدعى عُمان وانفانغ ستقوم بتنفيذ المشروع. وإذا ما تم المضي فيه، سيكون أحد أكثر مشاريع البنى التحتية طموحًا التي تنفذها الشركات الصينية في الشرق الأوسط من بين المشاريع المنضوية ضمن مبادرة "الحزام والطريق".
وقعت العديد الشركات الصينية من منطقة نينغشيا، ذات الحكم الذاتي، ومقاطعة هيباي اتفاقياتٍ لدخول المنطقة الصناعية. ويتضمن المشروع المخطط له مصنعًا للميثانول، وصناعة أدوات البناء، والصناعات الملاحية، ومصانع للأنابيب، ومصنعًا لتجميع المركبات، وقاعدة تصنيعية للألواح الشمسية. إلا أنه لم يتم تلقي سوى القليل من هذا التمويل الصيني حتى الآن. فبالنظر للموقع الجيواستراتيجي لعُمان ما بين باب المندب ومضيق هرمز، فإن الولايات المتحدة لم تألو جهدًا لتعطيل تنفيذ مشاريع التطوير الممولة من الصين في عُمان. فإن المشروع المنفذ الوحيد هو مصنع أنابيب هونغتونغ في دقم (الذي اكتمل في 2021 في المنطقة الصناعية من دقم، ولا يساوي إلا بضعة ملايين من الدولارات).
بينما تستمر أغلب البلدان النامية بالالتفات شرقًا بدلًا من الغرب، قد تدفع عملية التحول هذه بدول الأطراف للإفلات من سيطرة الولايات المتحدة وهيمنة دولارها وأيديولوجيتها النيوليبرالية. وإذا كانت الصين مستقبلًا، تنتج كافة السلع، فمن المرجح أن تتطور تدريجيًا للمتاجرة بهذه السلع وتسعيرها بعملتها الخاصة. إن الخطوات الحذرة نحو الافتكاك من الدولار وآليات الدفع البديلة تنمو، لكنها ما زالت بعيدة عن عزل السوق المالي الأمريكي الأعمق. لكن، بينما تفقد الولايات المتحدة نفوذها على الدول التابعة لها، فإنها ستكثف استخدام الدولار كسلاح بشكل قد يؤدي إلى خسارة جميع الأطراف.
في حالة البلدان التي تقع على بحر العرب، من مصلحة الولايات المتحدة أن تظل الأخيرة دول ريعية. وهذا سيزيد من ميزان القوى الإقليمي ضد إيران. ومن ناحية أخرى، تعامل الصين الدول النامية على قدم المساواة، وتستثمر في البنية الأساسية من خلال المفاوضات السلمية، وتحول المجتمعات. عُمان هي مثال على كيفية تدخل الإمبراطورية الأمريكية في الجنوب العالمي للحفاظ على هيمنتها ضد مسار التنمية السلمي للصين. ومن خلال التمسك بروح الشمولية والتنمية المتبادلة، سعت الصين إلى تنمية الدول الأكثر فقرا. من وجهة نظر تنموية، من المؤكد أن استراتيجية الصين ستسود.

*د. ليندا مطر – استاذة مساعدة، كلية الدراسات الدولية، جامعة صان يات سن، الصين.
**مداخلة ألقيت في المؤتمر العربي - الصيني الأول الذي نظمته جامعة زيجيانغ للعلوم الصناعية والتجارية (浙江工商大学)

 

  • العدد رقم: 416
`


ليندا مطر