لمحة عن تاريخ التدخلات الأمريكية في لبنان


من الواضح أن الرهان على الدور الأمريكي في المنطقة عامة وفي لبنان خاصة أصبح مأزوماً، من ناحية، بمنطق الأزمة الشاملة للنموذج الرأسمالي العالمي، ومن ناحية أخرى بسبب تراجع المخطط الأمريكي الإقليمي وخاصة في سوريا. وهذا ما ينعكس بالضرورة على الساحة اللبنانية ويدفع بالولايات المتحدة إلى التوسع في نطاق تدخلاتها بالشؤون الداخلية لبلدنا. وهو ما برزمن خلال زيارة وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو إلى لبنان. ويأتي رهان الولايات المتحدة الأمريكية دائماً على الطبقة المسيطرة فعليّاً والتي تمثل الدولة أفق ديمومتها، حيث تهدف التدخلات الأمريكية إلى استنزاف واستغلال ثروات البلدان، والتي لطالما استغلّتها الطبقات الغنية لزيادة ثرواتها على حساب طبقات الشعب المقهورة.

إن الكلام عن الإمبريالية الأمريكية يطرح بالضرورة كلاماً عن الهيمنة الإقتصادية للشركات الرأسمالية على خيرات الشعوب ومجابهتها لكل أشكال حركات التحرر الوطني والحركات الإشتراكية. ولعل جون بيركينز في كتابه "اعترافات قاتل إقتصادي" فضح أساليب الحكومات الأمريكية والبنك الدولي في إخضاعهم شعوب البلدان وضمان وجود طبقة فاحشة الثراء فيها، لتعمل على تحقيق مصالحهم.

إنقاذ النظام اللبناني
لم يكن لبنان استثناءً من التدخلات الأمريكية المباشرة. أوّل تدخّل مباشر للحكومة الأمريكية في لبنان كان في عهد الرئيس الثاني للبنان كميل شمعون وتحديداً عام ١٩٥٨، وذلك بعد أن دفعت بشركات النفط لتمويل حلفاء شمعون في انتخابات عام ١٩٥٧. ليس هذا غريباً على الطبقة البرجوازية التابعة التي راهنت على الدور الإمبريالي الإنكليزي سابقاً.
في تلك الفترة شعرت الولايات المتحدة بما أسمته "خطر المد الشيوعي" على المنطقة، المتمثّل بحركات التحرر الوطني في الشرق الأوسط، فسعت إلى دعم الرجعيات العربية الحاكمة ودعمت شمعون في لبنان والسلطة الملكية في العراق عبر حلف بغداد الذي شكّلته عام ١٩٥٥ لهذا الهدف. ومنذ اندلاع الشرارة الأولى للثورة بعد اغتيال الصحافي نسيب المتني، بدأ التحضير الأمريكي لإنزال عسكري في لبنان (عكس ما يحاول أن يعممه الإعلام السائد أن الإنزال كان مفاجئاً). ولم تكن الثورة ضدّ شمعون لم تكن إلا تفجيراً للتناقضات الداخلية في المجتمع اللبناني. لذا، وبطلب من الطبقة البرجوازية التابعة، نزلت قوات البحرية الأمريكية في بيروت وظلت حوالي ثلاثة أشهر إلى حين انتهاء ولاية شمعون وإنقاذ النظام.1 هذا بالإضافة إلى حصول شمعون على ٥٠٠ بندقية هجومية بعدما طلب من قائد الجبهة الشمالية للكيان الصهيوني إسحاق رابين تزويده بالأسلحة. وكان حزب الكتائب قد سبق شمعون في هذه الخطوة حيث طلب مساعدات مالية لحملته الانتخابية عام ١٩٥١ وحصل عليها. والجدير بالذكر أن دافيد بن غوريون، أول رئيس للكيان الصهيوني المحتل، قد قال عام ١٩٥٦ "سنفكك لبنان، ونخضعه، وسيكون دولة يمكن أن نوقع معها بعض المعاهدات".

دعم ميليشيات اليمين اللبناني
بسبب سيطرة السردية التاريخية اليمينية على الحرب الأهلية، وتحوّل أغلب القوى التي كانت تُعرِّف عن نفسها أنها يسارية أو اشتراكية إلى أعتى رجعيات البلاد، تم استبعاد الدور الأمريكي في إشعال الحرب الأهلية اللبنانية وفي دعمه الميليشيات اليمينية اللبنانية. وبالطبع، إن لهذا التعتيم التاريخي هدفه في تزييف الوعي الشبابي عن السبب الرئيسي للحرب الأهلية، ألا وهو الصراع الطبقي في تلك الفترة. فعندما أثارت الموجة اليسارية ذعر الطبقة البرجوازية التابعة وأحزابها اليمينية المسيطرة في البلاد، هرعت إلى الولايات المتحدة وأداتها الكيان الصهيوني لإنقاذ نظامها. وكان للحكومة الأمريكية حساباتها أيضاً، وتمثّلت في الخوف من أن يصبح لبنان ضمن المعسكر الإشتراكي وبالتالي تفقد الولايات المتحدة مصالحها فيه، كما الخوف على سلامة الكيان الصهيوني في حال أصبح في لبنان دولة مقاوِمة.

منذ عهد الرئيس شارل الحلو عاد الحديث داخل مجلس الأمن القومي الأمريكي عن إمكانية غزو لبنان (على غرار ما حدث عام ١٩٥٨). لذا، قامت الحكومة الأمريكية، عقب مجازر أيلول الأسود في الأردن، باتخاذ موقف لدعم النظام اللبناني في حال حدوث مواجهة مع الفدائيين في لبنان2 . كما قامت عام ١٩٧٠ بتسليح الجيش اللبناني تحت إلحاح الرئيس سليمان فرنجية. (كان كيسينجر يقول إن تسليح الجيش اللبناني يماثل تسليح الكتائب لأن الجيش واقع تحت سيطرة ضباط متعاطفين مع الكتائب)3. وكانت هذه الأسلحة المرسلة تصلح لردع أي تحرك جماهيري شعبي. وكانت الدولة تفضل أن تستخدم السلاح لقمع التحركات اليسارية المطلبية على أن تستخدمها لصد هجمة الكيان الصهيوني على مطار بيروت أو على الجنوب أو حتى في مواجهة الكومندوس الصهيوني الذي نفذ عملية فردان في عام ١٩٧٣.


وفي شهادة شفهية، يقول الدبلوماسي المعروف روبرت أوكلي أن الحكومة الأمريكية مدّت الميليشيات المارونية بالمال والسلاح حتى قبل عام ١٩٧٣ 4 (لم تنشر هذه الوثائق حتى الآن). وطبعاً كانت الأسلحة والأموال تصل إلى هذه الميليشيات من عدة دول كالأردن (عام ١٩٧٦ أرسل ملك الأردن ٤٠٠ طن من السلاح والذخيرة إلى اليمين اللبناني) وإيران (في عهد الشاه) والكيان الصهيوني وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها من البلدان. وبالطبع، كانت الولايات المتحدة الأمريكية داعمة ومشاركة في هذه العملية عبر تاجر السلاح المشهور سركيس سوغانليان. كانت أقذر شخصيات العمليات الخارجية للاستخبارات المركزية الأمريكية موجودة في بيروت. ولعلّ أبرز مثال عليها هو فيليكس رودريغز الذي تواجد في بيروت ما قبل الحرب (متورط في عملية خليج الخنازير الفاشلة وفي اغتيال المناضل الأممي تشي غيفارا). ومن بين هذه الشخصيات، كان الكولونيل الأمريكي مورغان، المُرجّح أنّه ساهم في عمليات تسليح للقوات اليمينية، فقامت منظمة العمل الإشتراكي الثوري في تموز ال ١٩٧٥، باختطافه، مطالبةً بأطنان من الأرز والطحين وزيت الطهي ومواد غذائية أخرى وملابس داخلية وقمصان وسراويل وأحذية وإسمنت وحليب للفقراء في منطقتي المسلخ والكرنتينا.

استمرّ دعم هذه الميلشيات اليمينية من قبل الولايات المتحدة طيلة سنوات الحرب. وهنا يجب أن نعود طبعاً إلى الدور الأمريكي في تخطيطه، إلى جانب العدو الصهيوني، إلى اجتياح لبنان عام ١٩٨٢. فقد كان وزير الخارجية الأمريكي، آنذاك، ألكسندر هيغ مشاركاً بمخططات هذا الإجتياح. واستغلت الحكومة الأمريكية هذا الموقف لإرسال قوات تابعة لها إلى بيروت في إطار القوات المتعددة الجنسيات، والتي نزعت سلاح "بيروت الغربية" بينما كانت "الشرقية" تعجّ بالسلاح والمقاتلين. وقد تبرّأت القوات "الأمريكية" من المجازر التي حدثت في صبرا وشاتيلا.
لم يدُمْ هذا المخطط الأمريكي للبنان، فقد أدّت عمليّات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، منذ انطلاقتها، إلى انسحاب قوات العدو الصهيوني من بيروت، والتي كانت تستهدف سياسيّاً وعسكريّاً أيضاً المشروع الأمريكي برمّته، حيث كان الاحتلال الصهيوني جزءاً من هذا المشروع. وانسحبت أيضاً بفعل العمليات التي استهدفت الوجود الامريكي المباشر، حيث تم تدمير مبنى السفارة الأمريكية في شهر نيسان من العام ١٩٨٣، واستهداف قاعدتها العسكرية في مطار بيروت في تشرين الأول والذي أدى إلى مقتل ٢٤١ جندي أمريكي، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى سحب قواتها مطلع العام ١٩٨٤. وما زالت المحاولات الأمريكية بإعادة سيطرتها الكاملة على لبنان مستمرة حتى الآن.

جاءت زيارة بومبيو إلى لبنان منذ أسابيع قليلة تأكيداً على هذا النهج الذي اعتمدته الولايات المتحدة في كل التخلات السابقة الهادفة إلى الحفاظ على أدوات سيطرتها في لبنان، ومنها النظام المصرفي اللبناني، وبعض التابعين لها "أباً عن جد"، حيث تسعى من خلال هذه الادوات إلى تنفيذ سياساتها ومخططاتها وجعل سيطرتها مطلقة ودائمة ، ومنها زيادة الحصار المفروض على حزب الله ومحاولة إطالة أمد الازمة السورية من خلال عرقلة ملفّي النازحين وإعادة الإعمار. إن كل من راهن على الدور الأمريكي في المنطقة وجد نفسه الآن في مأزق، لأن رهانه هذا ليس ناتجاً إلّا عن مصالح اقتصادية مرتبطة بشكل وثيق بالحلف السعودي-الأمريكي-الصهيوني المأزوم أساساً.

 

  • العدد رقم: 355
`


هادي المصري