المواجهة في باب المندب وآفاقها

يتباهى إعلام العدو الصهيوني بما سماه تسريع إنجاز الجسر البري من الإمارات العربية المتحدة وصولا الى الدولة العبرية مبرورًا ببعض دول الخليج العربي، وذلك تعويضًا عن خسائره المتأتية من منع قوات انصار الله اليمنية السفن التي تشحن بضائع من المرور عبر مضيق باب المندب الحيوي والذي أنشأت أميركا لأجله قوات دولية مؤلفة من عدة دول اوروبية ودولة عربية واحدة لحماية تلك السفن وتأمين وصولها لكيان العدو.

هذه التطورات الدراماتيكية المرتبطة بتداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة تجعل امريكا تتورط مرةً اخرى في الشرق الأوسط، الذي كانت قد اوضحت كثيرًا، أنها تريد الإبتعاد عنه لصالح تعزيز تواجدها في الشرق لمواجهة الصين، لكن هذا التواجد الآن، بحسب الباحث اليمني المتخصص في مجال الجغرافيا السياسية والتاريخ الاقتصادي أسامة عبد الرحمن، لا يبتعد كثيرًا عن تلك الاستراتيجية المعلن عنها؛ فهي لا ترغب بأن تنجح الوساطة الصينية التي بدأت بين ايران والسعودية في انهاء ملف حرب اليمن، فهذا الأمر، إذا ما تحقق، سيرفع من حظوظ ونفوذ الصين كثيرًا في المنطقة. وعلى صعيد اخر قدم انصار الله معادلة بسيطة لحل هذا النزاع مفادها أنه "يجب أن تتوقف الحرب في غزة وان تتدفق المساعدات الإنسانية بالشكل الكافي وإلا فإن حصار باب المندب سيتواصل"، والعالم يعرف أن ما يحدث ليس عملية قرصنة عشوائية يمكن التصدي لها من خلال مرافقة السفن، فنطاق المعركة واسع ويتضمن قدرات عسكرية متقدمة قد تؤدي لتطور عسكري خطير يؤثر على المنطقة بأكملها ومعظم دول المنطقة لا ترغب ان تتورط فيه، ولا هي تجد نفسها في موقف أخلاقي قوي يدعم المشاركة فيه.
إن مضيق باب المندب كان تاريخيًا محط أنظار العالم لما يشكله من أهمية نظرًا لموقعه الجغرافي الهام. أما العدو الصهيوني فعمل على التمدد الى محيطه، حيث أقام قواعد عسكرية وبخاصة في اريتريا المطلة عليه والواقعة بين عدة دول افريقية في المنطقة تعيش اضطرابات سياسية وعسكرية كبيرة، كما وأن الامارات العربية المتحدة هي ايضًا تمددت الى تلك المنطقة واستثمرت عددًا من موانئ الدول المطلة على باب المندب، وهي تتواجد ايضًا، بقوة، في موانئ اليمن الجنوبي. من هنا، يرى عبد الرحمن، إن هذا المنفذ تمر منه ٣٠ % من تجارة العالم وهو الطريق المختصر بين الشرق ودول حوض البحر الأحمر والمتوسط وجميع دول أوروبا لكونه يشكل الطريق الاقصر. ويستفيد الكيان الصهيوني من هذا الطريق كثيرًا، فكل تجارته مع الشرق، سواء واردات أو صادرات، تمر منه، ويكفي ان نعرف ان ٢٠% من حجم صادراته الخارجية تذهب للسوق الصيني فقط و ٢٥% من الواردات تأتي من الصين، وإغلاق هذا الطريق سيؤثر لجهة ارتفاع أسعار السلع بين ٣٠ و ٦٠% بالإضافة إلى زيادة مدة الرحلة لأكثر من شهر تقريبًا، وتأخذ الصين نصيب الاسد من هذه التجارة .
لذا، يمكن القول ان إغلاق باب المندب يمكن استغلاله من قبل بعض دول الممر أو الجسر البري من خلال الترويج لهذا الطريق البديل كحل سحري للمشكلة والدعوة للاستثمار فيه، بالرغم ان هذا الطريق يستخدم الان شاحنات النقل البري للتوصيل من ميناء دبي الى المنافذ البرية الاردنية اذا ما صدقت الاخبار الاخيرة حول نجاح توصيل اول شحنة عبره، وهذا البديل يستخدم طرق معقدة ومكلفة جدًا وغير عملية لنقل الواردات حيث يمكن استخدامه فقط للشحنات الصغيرة بينما من المستحيل، بصيغته الحالية، ان يستخدم لشحن الواردات الكبيرة. وهنا يجب أن لا ننسى ان دولتين في الطريق البري هما السعودية والإمارات تمران بحالة من التنافس والصراع الاقتصادي والجيوسياسي الكبير الذي قد يتطور لمرحلة المواجهة أو القطيعة في أي لحظة وهو أمر يجعل الانتقال لهذا الطريق البديل استثمار غير مضمون ويصعب الاعتماد عليه.
اما عن احتمال تطور الوضع هناك الى مرحلة متقدمة من الصراع يعتقد عبد الرحمن أن الصراع حاليًا يرتبط بموضوع غزة فلن تسطيع اميركا الترويج لفكرة تصعيد المواجهة بشكل دائم طالما كان حصار باب المندب موجهًا حصرًا ضد سفن الكيان أو تلك المرتبطة به إذ أنه لم تحصل حوادث تذكر لأي سفن أخرى، وهي قاعدة لم تكسر حتى الان، بالرغم من الضغوط السياسية التي تمارس للتراجع عن قرار إغلاق باب المندب ولكن المتحدث باسم نصار الله اوضح أن الأمر غير قابل للمساومة وانه يمكن فقط التخفيف من حدة العمليات اذا ما تم تسريع دخول المساعدات الى القطاع.
إن الوضع في اليمن معقد اصلًا، والمواجهة المحتملة ستقود لتعقيدات أكبر لا يمكن السيطرة عليها. ومع ذلك، فإنها تبقى خيارًا ليس مستبعدًا تمامًا؛ فحشد السلاح مقابل السلاح قد ينتج مواجهة مرتبطة بقواعد الاشتباك، ولكن عبد الرحمن يستبعد هذا الخيار. اذ لا يمكن تأمين البحر من دون السيطرة على المناطق الساحلية، وهو قرار اذا ما اتخذ فانه سيشعل المعارك في اليمن من كل الاتجاهات وقد يتطور بإتجاه تورط دول المنطقة المجاورة إذا انخرطت أيًا منها في هذا التحالف البحري.

  • العدد رقم: 419
`


محمد هاني شقير