في ثمانينيات القرن الماضي، وقبل اكتمال تشكل "حزب الله" بصيغته الحالية، كانت حركة "أمل" حليفاً أساسياً لليسار في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. حركة "أمل" التي تأسست برعاية الإمام موسى الصدر، تحالفت مع الحزب الشيوعي اللبناني والفصائل الوطنية، رغم الاختلاف الأيديولوجي الواضح بين الماركسيين والتيار الشيعي ذي المرجعية الدينية. صحيح أن حركة "أمل" تقاربت مع إيران بعد ثورة 1979، لكن ذلك لم يمنع استمرار التنسيق العسكري والسياسي، لأن العدو كان واحداً: الاحتلال وأدواته.
الرفيق الشهيد جورج حاوي، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني وأحد أبرز القادة اليساريين في تاريخ لبنان، لم يتردد في تحالف حزبه مع "حركة أمل" ثم مع "حزب الله" لاحقاً في مواجهة الاحتلال. لم يكن جورج حاوي "خائناً" لليسارية، بل كان مدركاً أن معركة التحرر الوطني هي المدخل لأي مشروع تغيير اجتماعي حقيقي. وهو نفسه من قال: "لسنا مع حزب الله لأننا نتفق معه في الرؤية، بل لأن العدو المشترك يجمعنا. بعد التحرير سنختلف، لكن اليوم لا خيار أمامنا سوى الوحدة في المواجهة".
بالتأكيد، ظروف اليوم والواقع والمستجدات وإمكانيات اليسار ليست كما كانت في الثمانينيات. لكن الموقف والتحليل يجب أن يكونا واضحين ومن دون تأويل، ليحددا أين هو موقع اليسار عموماً، والحزب الشيوعي اللبناني خصوصاً.
هناك تجارب أخرى لا تقل دلالة. فالتحالف الكبير الذي قاده الشهيد كمال جنبلاط تحت اسم "الحركة الوطنية اللبنانية" ضم تحت لوائه الحزب الشيوعي اللبناني، ومنظمة العمل الشيوعي، والبعثيين، والناصريين، إلى جانب فصائل فلسطينية إسلامية مثل "فتح" وتيارات أخرى. لاحقاً، ومع انطلاق الانتفاضة الأولى، لم يجد اليسار اللبناني غضاضة في التعامل مع "حماس" كجزء من مشروع مقاوم للاحتلال، رغم الاختلافات العقائدية العميقة. العبرة أن اليسار التاريخي لم يكن أبداً "سليلاً" للدولة القائمة، بل كان حليفاً للمقاومة أينما وجدت.
في العام 1982، ومع انطلاق "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، كانت الدولة اللبنانية مشلولة بالكامل بفعل الحرب الأهلية. لم تكن هناك سلطة مركزية قادرة على حماية الحدود أو اتخاذ قرار سيادي، بل كانت الدولة منقسمة على ذاتها ومأزومة. ثم جاء الرئيس المنتخب بشير الجميل مدعوماً من إسرائيل وأميركا وأنظمة عربية رجعية، وكان هدفه المعلن سحق المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. بعد اغتياله، لم يخرج شقيقه أمين الجميل عن هذا النهج، بل حاول توقيع "اتفاق 17 أيار 1983" للسلام المنفرد مع إسرائيل. وهذا الاتفاق لم يسقط إلا بدم المقاومة وتضحياتها. إذاً، هل كان من المعقول يومها أن نتحدث عن "إكمال بناء الدولة"؟ بالطبع لا. ما كنا نعيشه هو دفاع عن وجودنا، ولهذا كان شعارنا واضحاً: "الأرض لمن يحررها". وهذا ليس شعاراً طائفياً أو انقلابياً، بل هو منطق تاريخي طبيعي: على مر العصور، المقاومة المنتصرة هي التي تساهم أساساً في إعادة بناء الدولة، لأن الدولة المنهارة أو المتواطئة لا يمكنها القيام بهذه المهمة وحدها. من حرر الأرض هو الأحق ببناء الدولة التي تليق بأصحابها.
لقد اصطدمت المقاومة الوطنية بزعماء الطوائف الذين تمسكوا بالنظام المحاصصي المدعوم من أميركا وإسرائيل. وعندما جاء اتفاق الطائف ليكرس هذا النظام ويشرعن الاحتلال السوري، لم يكن اليسار قادراً على منعه لأنه كان منهكاً ومشتتاً، وإضافة إلى ذلك، جاءت المتغيرات العالمية الكبرى، وفي مقدمتها سقوط الاتحاد السوفييتي، وما نجم عنه من ارتدادات مدمرة على الأحزاب الشيوعية واليسارية في كل أنحاء العالم.
ما نراه الآن ليس مجرد عدوان إسرائيلي رداً على "صواريخ المقاومة". نحن أمام حرب كبرى، تتداخل فيها عوامل متعددة: صراع على الغاز والنفط في شرق المتوسط، وعلى طرق التجارة البحرية (من طريق الهند إلى طريق الحرير الجديد)، وعلى رسم الشرق الأوسط الجديد تحت مسمى "إسرائيل الكبرى" الممتدة من النيل إلى الفرات. في هذا السياق، هل يعقل أن ننشغل بالصراعات الداخلية بدلاً من أن ننظر إلى من يهدم البيوت فوق رؤوس الأطفال ويخطط لتهجير شعب بأكمله؟
عندما يبكي هؤلاء الكتاب على "الدولة التي تحل مكانها المقاومة" أو "مصادرة قرار الحرب والسلم"، فأي دولة يقصدون؟ تلك التي يُنتخب رئيسها بقرار أميركي-سعودي؟ تلك التي رئيس حكومتها مكلف بتنفيذ الإملاءات الإسرائيلية تحت عنوان "الإصلاح"؟ الدولة التي سلّمت حدودها وبحرها وثرواتها للعدو قبل أن تدافع عنها؟ لا يسار بنى يوماً على هذه الدولة الطائفية، ولا مستقبل لنا معها.
المطلوب أن نكون واقعيين: أعداؤنا مشتركون (أميركا، إسرائيل، الناتو، أنظمة التطبيع)، ومصيرنا واحد: إما أن نقف معاً أمام آلة الإبادة، أو نُسحق فرادى. تأجيل الخلاف حول شكل الدولة والنظام السياسي ليس "تنازلاً"، بل ضرورة تاريخية ودرس من دروس النضال التحرري. بعد دحر العدوان، سنعود إلى ساحة الصراع الداخلي الديمقراطي.
الماضي مهم، لكنه ليس سجناً. المقاومة الوطنية في 1982 لم تكن تقاوم ضمن شروط مثالية، بل كانت محاصرة من الداخل والخارج. اليوم، قوى المقاومة (اللبنانية، الفلسطينية، اليمنية، العراقية) تخوض حرباً وجودية ضد مشروع استيطاني عالمي. اليسار الحقيقي هو الذي يقف إلى جانب المستضعفين والمقاومين، وليس إلى جانب "الدولة" التي تتآمر على شعبها باسم "السيادة". الذي يكتفي بالتباكي على "أجندات خارجية" و"استبدال سلطة الدولة" بينما العدو يهدد وجودنا، ليس يساراً تحررياً، بل يساراً متحجراً يخون مهمته التاريخية.
مهمات اليسار الآنية والتحضير لليوم التالي
لكن الوقوف إلى جانب المقاومة اليوم لا يكفي. اليسار الحقيقي هو من يعدّ لليوم التالي للحرب، لأن الأوضاع الداخلية ستكون أكثر صعوبة على الناس من رصاص العدو. الحرب لن تنتهي بمعركة عسكرية فقط، بل بخراب هائل، ونزوح جماعي، واقتصاد مدمر، وصراع داخلي عميق وحاد بين القوى السياسية المختلفة، قد يهدد البلد ووحدته أكثر مما هددها الاحتلال نفسه.
لهذا، على اليسار عموماً، وعلى الحزب الشيوعي اللبناني خصوصاً، أن يحدد مواقفه بوضوح من الملفات المصيرية التي ستفرض نفسها بعد توقف القتال:
أولاً: ملف الاحتلال والحدود. هل سنكتفي بـ "وقف إطلاق النار" أم سنعمل على تحرير كل شبر لا يزال محتلاً؟ هل سنسمح بإعادة رسم الحدود تحت مسمى "ترسيم دائم" يكرس التنازلات؟
ثانياً: ملف النزوح والعودة. آلاف العائلات هُجّرت من جنوبها وبقاعها وضاحيتها. من سيعيدها؟ من سيعوّضها؟ هل سنترك هذه المهمة لـ"الدولة" التي عجزت عن حماية الناس قبل الحرب، أم سنشكل لجاناً شعبية مقاومة للإعمار والنزوح؟
ثالثاً: الملف المعيشي. الحرب ستزيد الفقر والبطالة والجوع. اليسار مطالب اليوم، وليس غداً، بتقديم برنامج طوارئ اجتماعي: إعادة توزيع المساعدات، كسر الاحتكار، محاربة جشع التجار والمستوردين، وتوفير الدواء والخبز للناس، بعيداً عن المحاصصة الطائفية.
رابعاً: ملف السلاح وقرار الحرب والسلم وتنظيم السلاح داخل الدولة. هذا هو الأخطر والأكثر حساسية. اليسار لا يمكنه أن يكتفي بـ"تأجيل الخلاف" إلى ما بعد الحرب، لكنه أيضاً لا يمكنه أن ينحاز إلى رواية "سلاح المقاومة هو مصدر كل شر". المطلوب موقف دقيق: مقاومة الاحتلال حق، لكن تنظيم السلاح داخل الدولة بعد التحرير واجب. كيف ننتقل من حالة "المقاومة خارج الدولة" إلى "جيش وطني مقاوم"؟ هذا سؤال يجب أن نبدأ بالتحضير له الآن، لا أن نتركه للخصوم.
خامساً: مشروع الدولة البديلة. إذا كانت الدولة الطائفية الحالية عاجزة عن حماية الناس، فليس الحل هو إلغاء الدولة، بل تغيير جذري لها. اليسار مطالب بتقديم مشروع "دولة مدنية ديمقراطية لا مركزية"، تحمي الطبقات الفقيرة وتفتح أفق التطور والازدهار، وتفصل الدين عن السياسة. هذا مشروع طويل الأمد، لكن التحضير له يبدأ اليوم.
اليسار الذي لا يملك إجابات على هذه الملفات، سيُترك للقوى الطائفية والسياسية التقليدية لترسم المستقبل وحده. والنتيجة ستكون: إما حرب أهلية جديدة، أو تسوية على حساب الضعفاء.
هذا هو اليسار التحرري الحقيقي: لا ينتظر الدولة لتنقذه، بل يبني قوته الشعبية من تحت، ليُجبر الدولة والقوى الأخرى على التغيير.
ختاماً
الدفاع عن الأرض اليوم هو الدفاع عن كل ما تبقى من كرامة عربية، وهو الطريق الوحيد لبناء دولة حقيقية غداً. أستعيد مجدداً عبارة الرفيق الشهيد جورج حاوي الذي قالها بصدق قائد لا بمنظّر:
"لسنا مع حزب الله لأننا نتفق معه في الرؤية، بل لأن العدو الذي يواجهه هو عدو مشترك. بعد التحرير، سنختلف، لكن اليوم لا خيار أمامنا سوى الوحدة في المواجهة"
من أجل مقاومة التجزئة: اليسار والمقاومة في مواجهة مشروع "إسرائيل الكبرى"
يحاول البعض، بحسن نية أو بسوء تقدير، تحميل المقاومة الإسلامية مسؤولية العدوان الإسرائيلي على لبنان، وما ينتج عنه من ضحايا وتهجير وتدمير. وكأن الاحتلال لم يكن سوى "رد فعل" على "أجندة خارجية"، وليس المشروع الاستعماري الأكثر تنظيماً في تاريخ المنطقة. وكأن النكبات المتعاقبة التي حلت بفلسطين ولبنان وسوريا والعراق لم تكن بتخطيط أميركي-إسرائيلي ممنهج، بل بفعل محور يُختزل فيه كل شر. هذا التحليل لا يتجاهل التاريخ فحسب، بل يغفل عن درس أساسي في النضال التحرري: معركة الوجود تسبق معركة الشكل.إذا كان البعض يرفض اليوم التحالف مع المقاومة الإسلامية بدعوى "التبعية لإيران"، فهل نسوا أن اليسار اللبناني نفسه تحالف مع قوى كانت توصف في زمانها بأنها "تابعة لدمشق" أو "لطهران"؟
النداء 2026. حقوق المنادى فقط محفوظة.