نقد السردية.. ضرورة
بات نقد السردية اليوم واجبًا لا مفر منه، لذلك فعلى القارئ أن يقرأ وفي قلبه اتقاد العاطفة وبرودة العقل معًا. ففي منطقتنا، منذ أن انتقل المشروع الصهـ.ـيوني من الفكرة إلى مرحلة التطبيق، ظلت معركة السردية مهملة، أو على الأقل بعيدة عن دائرة التصويب الصحيح. وما يثير القلق أكثر اليوم هو غرق قضية تحرر منطقتنا وشعوبها في مستنقع السردية المشوهة، الذي لم يعد محصورًا في منظور إنساني عاطفي فحسب، بل بات الصراع يُختزل في فئة اجتماعية أو جغرافية دون سواها.
منذ بدايتها، حملت القضية الفلسـطينية في تجليها قضية تحرر منطقتنا وشعبنا من نير الاستعمار وأدواته، وفي مطلعها غلبت عليها سمات التعاطف الإنساني، من دون طرح سياسي جذري للقضية، مع بعض الممارسات السياسية والسمات التي تغلبت عليها السمة العاطفية أو التعاطفية في تعميم القضية. وهذا ما استغلته الحركة الصهـ.ـيونية في تلك الفترة، إذ قدّمت سرديتها الخاصة ونالت تعاطفًا من مشرق العالم إلى مغربه، بالادعاء أنها تمثل شعبًا مضطهدًا ومهجّرًا معرّضًا للإبـادة، وأنها لجأت إلى تلك البلاد لتقيم فيها، نظرًا لرواية تاريخية اصطنعتها لتغليب التعاطف معها لا عليها. بل إنها استقطبت استعطافًا من المحيطين بها كي يتقبلوا حضورها.
بعد ذلك، نجحت القوى التحررية في توليف القضية في إطار سياسي يغلب العاطفي، وتمكنت من تحميلها بعدًا سياسيًا خارج منطق الروايات التاريخية والعاطفية. وعمدت إلى تطويرها وتوسيع دائرة المعنيين بها، فتحولت إلى قضية سياسية قومية تخص فئات اجتماعية أوسع تجمعها اللغة ذاتها، مع محاولات لتحميلها بعدًا أمميًا.
لكن هذه المحاولات ما لبثت أن تراجعت، بسبب ما حملته هذه الوجهة من قصور في تحويلها، إذ لم تستطع إعادتها إلى أصلها كقضية تحرر أممي. وسعت الحركة الصهـ.ـيونية إلى تفريغها من مفهومها السياسي، وتحويلها إلى صراع قومي تستطيع من خلاله تصوير نفسها الطرف الأضعف كقومية منكوبة ومحاصرة. وهنا كان القصور الذي أصاب مشروع تحررنا، إذ لم نستطع إكمال المسار في تصويب السردية التحررية، بل هوينا في السردية القومية التي تلاعبت بها الحركة الصهـ.ـيونية، وعزلتها من جديد عن مفهومها الأممي التحرري، فتعرضنا لانتكاسة مريرة.
أما اليوم، فعدنا إلى مستنقع تشويه القضية الذي تعمل الحركة الصهيـ.ـونية باستمرار على تعليبه بما يتناسب مع رؤيتها ومساعيها، لتجريدها من حقيقتها، وحصر المواجهة بفئات أقل. فالسردية التي يتم تبنّيها اليوم، والتي تفيد بأن المواجهة محصورة بفئة بعينها "الشيـعة"، أو حتى بقعة جغرافية محددة "جنوب لبنان"، هي المستنقع الذي ينبغي أن لا نغرق فيه مجددًا.
فالحديث اليوم عن أن العدوان يطال فئة بعينها أو بقعة جغرافية محددة، هو سعي صهـ.ـيوني تعمّد الى تثبيته عبر الاستهدافات والتهجير والخطاب والبث الإعلامي. ومع أننا ندرك ونقدّر حجم المعاناة التي تتعرّض لها هذه الفئة وأبناء هذه الجغرافيا، وما يقدمونه من تضحيات جسام، فإن الواجب والضرورة يقتضيان ألا ننجرّ خلف هذه السردية، لما تسببه من عزلة وتقويض لعصب المواجهة، وحصرها بتلك الفئة وحدها، فتُلقى تبعات المواجهة على عاتقها وحدها، ويُخفف من ثقل العداء الذي ينبغي توجيهه للمشروع الصهـ.ـيوني في سبيل قضية تحررنا.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى إعادة السردية الحقيقية إلى نصابها. فالضرورة تقضي بإعادة تعريف الصهـ.ـيونية بوصفها أداة إمبريالية وُجدت في منطقتنا لاستغلال بلادنا وشعوبنا كافة، وما يترتب على هذا النموذج من تأثير في الواقع الأممي، ومن استغلال إمبريالي لموارد الشعوب وطاقاتها. ومع العودة إلى هذا التعريف، علينا أن نشير إلى مخاطر هذا النموذج وعدوانيته على البشرية جمعاء، كي لا تنحصر هذه المواجهة في فئة قليلة أو جغرافيا محددة.
فالصراع اليوم مع الصهيـ.ـونية في لبنان ليس معزولًا، بل هو مرتبط بحصار الولايات المتحدة لكوبا، وهو استمرارية للعدوان الصهيو-أمريكي على إيـران، وامتداد للاستغلال الإمبريالي لقارة أفريقيا. فالمعتدي ليس الصـ.ـهيونية وحدها، بل هي الإمبريالية بتجلياتها المختلفة وأدواتها المتعددة. ومن عليه مواجهتها ليست إيران منفردة، ولا كوبا وحدها، ولا جبل عامل وأبناؤه دون سائر اللبنانيين.
إن السردية اليوم في حاجة ماسة إلى نقد جذري، وهذا النقد هو السبيل لتصحيح مسار الصراع، وإخراجه من أشكاله المنفردة، وتوحيده في مواجهة من يعتدي ويدمر ويستغل ويحتل عقولنا وأرضنا ومقدراتنا.
لذا سأكرر بأننا في هذه المرحلة بحاجة إلى "قلوب متقدة وعقول باردة"، فالمواجهة لم ولن تنته قريبًا.
النداء 2026. حقوق المنادى فقط محفوظة.