الاتفاق الأميركي - الإيراني: مكاسب مؤجلة وثغرات تتيح التراجع

شكلت الشراكة العدوانية بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي محوراً لإشعال حروب مدمرة طالت شعوب المنطقة والعالم وآخرها كان حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني منذ عام 2023 والعدوان المستمر على لبنان واحتلال الأراضي في الضفّة الغربية والجولان السوري والجنوب اللبناني.

وقد بلغ هذا المسلسل العدواني ذروته في الحرب الأخيرة التي شنتها واشنطن وتل أبيب على إيران. ولم يكن الجنوب اللبناني ساحة ثانوية في هذه المعركة، بل تحول إلى مسرح لتدمير ممنهج وتهجير قسري من قبل العدو الاسرائيلي استهدف اقتلاع المجتمعات من جذورها وتفريغ الأرض من سكانها، مستغلّاً دخول حزب الله في هذه الجولة من المواجهة بعد اغتيال المرشد الإيراني علي الخامنئي. لقد قصفت الطائرات الأميركية والإسرائيلية في إيران المدن والبلدات، ودمرت البنى التحتية المدنية والصناعية والتربوية، فيما شرّد العدوان الصهيوني في لبنان مئات الآلاف، وعمل على تغيير معالم الجغرافيا ومحو البشر والحجر والشجر على امتداد المنطقة التي سمّاها خطاً أصفر.

غير أن توازنات الميدان وبشكل خاص نجاح إيران في إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية ورفع أسعار النفط حول العالم رغم الخسائر الكبيرة التي أصابتها واغتيال قيادتها السياسية والعسكرية والدينية، فرضت في نهاية الأمر على الجميع الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وبعد أسابيع من التجاذبات توصّل الأميركيون والايرانيون إلى اتفاق مؤقت سمّي بمذكرة تفاهم، وتم تأجيل العديد من النقاط الخلافية فيه إلى الاتفاق النهائي الذي قد يصدر بعد شهرين قابلة للتجديد.

 

مواد مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران

مواد الاتفاق لم تنشر بشكل رسمي لكن هناك مسودات تداولتها الصحف الأميركية اليوم الأربعاء 17 و قيل أنّها صادرة عن مسؤولين اميركيين وذلك قبل يومين من توقيع الاتفاق المزمع في جنيف في سويسرا بين الوفد الأميركي برئاسة نائب الرئيس فانس والوفد الإيراني برئاسة رئيس البرلمان قاليباف، وهذا أبرز ما جاء فيها:

  1. تُعلن جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة، مع حلفائهما في الحرب الحالية، بتوقيع مذكرة التفاهم هذه، إنهاءً فوريًا ودائمًا للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وتتعهدان بعدم شن أي عمل عدائي ضد بعضهما البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد أي منهما. وسيؤكد الاتفاق النهائي أحكام هذه المادة والمواد المتبقية.
  2. تتعهد جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة باحترام سيادة كل منهما وسلامة أراضيها، والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية.
  3. تتعهد جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة بالتفاوض والتوصل إلى اتفاق نهائي في غضون مدة أقصاها 60 يومًا، قابلة للتمديد بالتراضي.
  4. فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، ترفع الولايات المتحدة الحصار البحري وتمنع أي تدخل أو عرقلة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتعيد حركة الملاحة البحرية إلى طاقتها الكاملة في غضون 30 يومًا كحد أقصى؛ على أن تكون حركة السفن متناسبة مع حجم حركة الملاحة قبل الحرب من جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كما تتعهد الولايات المتحدة بسحب قواتها من المناطق المحيطة في غضون 30 يومًا من تاريخ الاتفاق النهائي.
  5. فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، تتخذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الفور خطوات لضمان استئناف حركة السفن التجارية من الخليج العربي إلى بحر عُمان وبالعكس في غضون 30 يومًا إلى حجمها قبل الحرب، مع مراعاة ضرورة إزالة العوائق التقنية وتحييد الألغام من جانب إيران.
  6. تتعهد الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع خطة شاملة متفق عليها من الطرفين لإعادة تأهيل الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتنميتها الاقتصادية، مع ضمان تمويل لا يقل عن 300 مليار دولار أمريكي. سيتم وضع آلية تنفيذ هذه الخطة، كجزء من الاتفاق النهائي، في غضون 60 يومًا.
  7. تلتزم الولايات المتحدة بإنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة حاليًا على جمهورية إيران الإسلامية، وفقًا لجدول زمني يُتفق عليه كجزء من الاتفاق النهائي، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأمريكية الأحادية، سواءً كانت أساسية أو ثانوية.
  8. تؤكد جمهورية إيران الإسلامية مجددًا أنها لن تنتج أسلحة نووية أبدًا. وقد اتفقت جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة على أن مصير المواد المخصبة ومصير جميع القضايا الأخرى المتفق عليها بشأن البرنامج النووي، بما في ذلك احتياجات إيران النووية، سيتم تناولها بشكل وافٍ في اتفاق نهائي؛ وسيؤكد الاتفاق النهائي أحكام هذه المادة.
  9. تتفق جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة، ريثما يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، على الحفاظ على الوضع الراهن: ستحافظ إيران على الوضع الراهن لبرنامجها النووي، ولن تفرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على إيران أو تعزز قواتها في المنطقة.
  10. تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بأنه فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، وحتى تاريخ رفع العقوبات، ستصدر وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات لصادرات النفط الخام الإيراني، والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها، وجميع الخدمات ذات الصلة، بما في ذلك الخدمات المصرفية والتأمين والنقل وما شابهها.
  11. تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية، في ضوء التقدم المحرز في المفاوضات نحو التوصل إلى اتفاق نهائي، بالإفراج عن الأموال والأصول المجمدة أو المقيدة لجمهورية إيران الإسلامية وإتاحتها بالكامل. وستُستخدم هذه الأموال، سواء كانت مودعة في الحساب الرئيسي أو محولة، لأي دفعة نهائية للمستفيد يحددها البنك المركزي لجمهورية إيران الإسلامية، وستكون متاحة للاستخدام بالكامل. وتتعهد الولايات المتحدة بإصدار جميع التصاريح والتراخيص اللازمة على هذا الأساس.
  12. تتفق جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية على إنشاء آلية تنفيذ للإشراف على التنفيذ الناجح للاتفاق النهائي والالتزام به مستقبلاً.
  13. بعد توقيع مذكرة التفاهم هذه، وتلقي ضمانات بشأن بدء تنفيذ المواد ٤ و٥ و١٠ و١١ منها، واستمرار تنفيذ هذه الخطوات، ستدخل جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة في مفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي يقتصر على المواد المتبقية.
  14. سيتم اعتماد الاتفاق النهائي بقرار ملزم من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

 

المكاسب الأميركية

يتمثل أبرز المكاسب الأميركية في الإنهاء الفوري والدائم لحرب متعددة الجبهات شملت لبنان، وهو ما يجنّب واشنطن استنزافاً عسكرياً ومالياً متصاعداً كانت قد بدأت تتورّط به نتيجة عدوانها الذي لم يأخذ بالحسبان قدرة إيران على المواجهة طويلة المدى وتعطيل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز. تقدم المادة الثامنة مكسباً بإعادة التأكيد الإيراني على عدم إنتاج أسلحة نووية أبداً، مع الإبقاء على الوضع الراهن للبرنامج النووي الإيراني دون تقدم لحين الاتفاق النهائي. كما تستعيد الولايات المتحدة أمن الملاحة البحرية الحيوية عبر تعهد إيران في المادة الخامسة بإزالة الألغام والعوائق التقنية وضمان استئناف حركة السفن التجارية من الخليج إلى بحر عُمان، وهو ما يحمي إمدادات الطاقة العالمية. الاتفاق يمنح واشنطن أيضاً آلية إشراف دولية على التنفيذ (المادة 12)، مما يضفي شرعية أممية على الترتيبات الأمنية المقبلة. إضافة إلى ذلك، فإن تجميد الوضع النووي يمنح الولايات المتحدة فرصة لصياغة اتفاق نهائي يعالج مصير المواد المخصبة وسائر القضايا العالقة، في حين يُنهي الالتزام بعدم فرض عقوبات جديدة (المادة 9) حالة التأرجح الاقتصادي والتضخّم في أسعار الطاقة قبيل الانتخابات النصفية في أميركا في تشرين الثاني. لكنّ عملياً، تعتبر هذه المكاسب صغيرة، إذ كان المضيق نفسه مفتوحاً بحريّة تامّة قبل الحرب، أمّا آليات الاشراف على البرنامج النووي الإيراني، فيبدو أنّها تشبه ما كان قد حقّقه الاتفاق السابق مع أوباما في العام 2015 دون أية مواجهة عسكرية، واعتماداً على الضغوط الاقتصادية والعقوبات وحدها.

 

المكاسب الإيرانية

تحقق إيران عبر هذه الوثيقة، إذا اكتمل تنفيذها، حزمة غير مسبوقة من المكاسب تبدأ بوقف الحرب ورفع الحصار البحري فوراً (المادة 4) وضمان عدم التدخل في شؤونها الداخلية واحترام سيادتها (المادة 2)، مما ينهي عملياً سياسة تغيير النظام والضغوط القصوى. تنص المواد 7 و10 و11 على إنهاء كامل لجميع العقوبات الأحادية والأممية وإصدار إعفاءات فورية لصادرات النفط الخام والبتروكيماويات، إضافة إلى الإفراج الكامل عن الأموال والأصول المجمدة وإتاحتها للبنك المركزي الإيراني من دون قيود، مما يمثل شريان حياة اقتصادياً فورياً، ويلغي مفاعيل سنوات طويلة من العقوبات. وتتوج المادة السادسة المكاسب بالتعهد بخطة استثمار لا تقل عن 300 مليار دولار لإعادة التأهيل والتنمية بالتعاون مع الشركاء الإقليميين وبتمويل خليجي على الأرجح، لكنّها أيضاً مرهونة باستكمال الاتفاق والتزام طهران به بعد 60 يوماً قابلة للتجديد. على الصعيد النووي، تحافظ إيران على الوضع الراهن دون تفكيك فوري، مع تفاوض مستقبلي حول مصير المواد المخصبة يُراعي "احتياجاتها النووية" (المادة 8)، بينما تضمن غياب أي عقوبات أو تعزيز عسكري أميركي جديد (المادة 9)، فيما يمنح قرار مجلس الأمن الملزم (المادة 14) كل هذه المكاسب غطاءً دولياً يصعب التراجع عنه بسهولة لاحقاً من قبل الإدارة الأميركية.

 

خسائر أميركية واسرائيلية بالجملة

تكبدت واشنطن وتل أبيب من بنود الاتفاق المسرب خسائر متعددة الأبعاد (في حال تحقّقه). فالولايات المتحدة خرجت دون تحقيق أهدافها السياسيّة المعلنة؛ إذ أرست المادة الثانية اعترافاً صريحاً بسيادة إيران ونبذاً نهائياً لعقيدة تغيير النظام التي هيمنت على عقيدتها منذ 1979، بينما مثّل انهيار منظومة العقوبات كاملة والإفراج غير المشروط عن الأموال المجمدة (المواد 7 و10 و11) تفريغاً لأداة الضغط الأهم في ترسانتها. وشكّل التعهد بخطة استثمار تتجاوز 300 مليار دولار (المادة 6) سابقة تاريخية قد تساهم في تراجع الهيبة التي اكتسبتها عبر القوّة. عسكرياً، يؤدي سحب القوات من المناطق المحيطة (المادة 4) إلى تقليص البصمة الأميركية في الخليج، كما قد يشجع قوى كالصين على سلوك أكثر جرأة في التعاون مع إيران ودول الخليج أو على تثبيت الحضور في بحر الصين الجنوبي وفي محيط تايوان بعد أن لمست حدود الالتزام الأميركي بأمن الحلفاء.

أما "إسرائيل" فقد مُنيت بانتكاسة أيضاً: إذ أوقف الاتفاق الحرب على لبنان (المادة 1) قبل التخلّص من ترسانة حزب الله الصاروخية كما كان يريد العدو، بينما أنهى ضمان احترام السيادة الإيرانية (المادة 2) فعلياً الضوء الأخضر للعمليات الإسرائيلية المباشرة ضد العمق الإيراني في المدى المنظور. وتدفق 300 مليار دولار، بحال حصوله، وعودة النفط الإيراني قريباً للأسواق (المواد 6 و10) يمثلان شرياناً مالياً هائلاً للحرس الثوري وفيلق القدس وكذلك لحلفاء إيران في المنطقة. أمّا انفراد واشنطن وطهران بالتوقيع وتثبيت الاتفاق بقرار أممي ملزم (المادة 14) فهو يعني عملياً خروج إسرائيل من دائرة التأثير على القرار الأميركي في الملف الإيراني (في الفترة الراهنة)، وهو انزياح استراتيجي يطوّقها بمنظومة خصوم ويجعلها رهينة خيارات عسكرية منفردة باهظة التكلفة بحال أرادت التصرّف منفردةً.

 

ثغرات تتيح للأميركي التهرّب من التزاماته لاحقاً

صيغت مذكرة التفاهم بطريقة تفتح ثغرات واسعة تستطيع واشنطن استغلالها لإفراغ الاتفاق من مضمونه وتعطيل مفاعيله الفعلية. أبرز هذه الثغرات أنّ الجزء الأكبر من الالتزامات الأميركية الكبيرة  (كرفع العقوبات بالكامل، وخطة التمويل أو الاستثمار ب ـ300 مليار دولار، وسحب القوات من المناطق المحيطة) ليس فورياً بل مُعلّق على اتفاق نهائي يُختتم خلال 60 يوماً "قابلة للتمديد بالتراضي". وهذا يعني عملياً أن واشنطن (أو إيران) تستطيع إطالة أمد التفاوض إلى ما لا نهاية عبر وضع شروط تعجيزية أو الربط بقضايا خارج النص، متذرعة بأن التوصل لاتفاق نهائي لم ينضج بعد. كما تربط المادة 11 الإفراج عن الأموال المجمدة بـ"التقدم المحرز في المفاوضات"، وهو معيار فضفاض يسمح للإدارة الأميركية بتجميد الأصول عملياً بحجة بطء التقدم أو عدم كفايته.

أما الإعفاءات النفطية ورفع الحصار رغم كونها فوريّة، إلّا أنّها قابلة للالتفاف إدارياً؛ فيمكن لوزارة الخزانة أن تمنح إعفاءات محدودة زمنياً أو مشروطة بإجراءات معقدة تمنع وصول العائدات، فتعيد تسمية عقوبات سابقة أو تلجأ لعرقلة مصرفية ونقديّة. الكونغرس الأميركي أيضاً يشكل ثغرة دستورية كبرى، إذ يمكنه تمرير تشريعات عقابية توصف بأنها "قوانين جديدة" لا تدخل في إطار العقوبات التنفيذية التي تعهدت الإدارة بعدم فرضها، مما ينسف الغرض بالكامل.

هدنة مؤقتة

لقد حقّقت إيران مكتسبات سياسية كبيرة لم تكن في حسبان الإدارة الأميركية، لكن في الجانب العملاني وفي حال أرادت واشنطن التهرب من المواد الرئيسية، فإن ما يتبقى من مكتسبات اقتصادية ونووية ملموسة لإيران هو هش ومؤقت، رغم تمكّنها من كسر الارادة السياسية الأميركية. المكسب الفوري هو وقف إطلاق النار فيما تمثل الإعفاءات النفطية الممنوحة فوراً شرياناً يبقى تحت رحمة التمديد، بالإضافة إلى رفع الحصار البحري عنها.

أما المكتسبات العمليّة فيظل جزء منها معلقاً على الاتفاق النهائي. لذلك يمكن النظر إلى هذه المرحلة بأنّها هدنة مؤقتة وأنّ الإنهاء الفعلي للحرب يبقى معلّقاً على مسار الاتفاق النهائي خلال الأشهر المقبلة، والتي من المرجّح أن تطول إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأميركية في تشرين الثاني المقبل، كما من المرجّح أن يستعمل فيها كلا الطرفين كل ما تيسّر له من أدوات الضغط والتفاوض الدبلوماسي والميداني.