"جمول" الفكرة التي لا تموت

- "يا رجال ونساء لبنان من كل الطوائف والمناطق والاتجاهات، أيها اللبنانيون الحريصون على لبنان بلداً عربياً سيداً مستقلاً، الى السـلاح استمراراً للصمود دفاعاً عن بيروت والجبل، وعن الجنوب والبقاع والشمال، الى السلاح تنظيماً للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الإحتلال وتحريراً لأرض لبنان من رجسه على امتداد هذه الارض من أقصى الوطن الى أقصاه".

مقتطف من بيان تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) في 16 أيلول 1982
- "يا أهالي بيروت لا تطلقوا النار نحن منسحبون".
عبر مكبر الصوت على آلية عسكرية لقوات العدو تسير خلفها مجموعة من الجنود، في 26 أيلول 1982
عند صيدلية بسترس (تقاطع الصنائع - فردان)، نفذ ثلاثة فدائيون من الحزب الشيوعي المنضوي في "جمول" عملية عسكرية ضد تجمع لجنود العدو المحتلين أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم، لتبدأ بعدها سلسلة عمليات في جميع الأراضي اللبنانية ضد جيش الاحتلال الصهيوني وعملائه المحليين. وقد جاءت عملية الفدائي خالد علوان من الحزب السوري القومي الاجتماعي، أحد الأحزاب المشاركة في جمول، يوم 24 أيلول 1982، لتُعلن عن نقلة نوعية في أسلوب ونهج العمليات الفردية في استهداف قوات العدو. عندما أفرغ طلقات مسدسه بأجساد عدد من ضباط وجنود الاحتلال في مقهى "ويمبي" بشارع الحمراء فقتل ضابطاً وجنديين ثم انسحب من المكان.
لم يكن البيان - النهج الذي انطلق في السادس عشر من أيلول، وحمل توقيع الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني الشهيد جورج حاوي ومحسن إبراهيم أمين عام منظمة العمل الشيوعي من منزل كمال جنبلاط، سوى التعبير المكثف عن اجتراح القوى الشيوعية والقومية والعلمانية داخل لبنان المستباح، لخطة عمل ميدانية تتسلح ببرنامج تحرري، ثوري ديمقراطي، يعمل على توحيد الشعب في مواجهة الغزاة وأدواتهم المحليين، الذين أرادوا إعادة فك وتركيب الدولة اللبنانية على أسس طائفية ومذهبية أي كانتونات تنزع عنها انتماءها العربي وتجعل منها محمية خاضعة للكيان الصهيوني، ومرتبطة بقوى الهيمنة الإمبريالية، سياسيّاً واقتصاديّاً. وإذا كانت المصادفة التاريخية قد جعلت يوم الإنطلاقة يترافق مع بدء المذبحة الوحشية التي نفذها عملاء الاحتلال الطائفيين تحت حماية ومتابعة قوات الغزو بقيادة مجرم الحرب أرييل شارون في صبرا وشاتيلا. فإنها، وبالدلالة السياسية والكفاحية قد ردت على تلك المجزرة الرهيبة، بالتأكيد على أن الكفاح المسلح هو الأسلوب الأنجع والأسرع في إلحاق الهزيمة بالمحتلين، وفي حماية الشعب من القتل والتهجير.
في الذكرى السابعة والثلاثين لانطلاقة الجبهة المقاتلة التي اجتمع في صفوفها آلاف الحزبين والوطنيين غير المتحزبين من كل الطوائف والمذاهب حول هدف محدد وهو طرد الغزاة المحتلين من لبنان وتطهير تراب الوطن من دنس الاحتلال وعملائه، لابد من إنعاش الذاكرة الوطنية باستحضار تلك الأيام المجيدة من عمر الحركة الوطنية اللبنانية، للإضاءة على ما حقّقته تلك الجبهة من إنجازات ميدانية على أرض الواقع:
- أدت الهجمات الفدائية الجريئة وسلسلة العمليات العسكرية التي قامت بها "جمول" خلال أسبوعين إلى إجبار قوات الغزاة الصهاينة على الإنسحاب من العاصمة بيروت، مع استمرار المواجهات مع قوات العدو على امتداد الأرض اللبنانية. وقد استطاعت قوى المقاومة الوطنية في مطلع العام 1985، من خلال عملياتها القتالية أن تدفع بجيش العدو الصهيوني للانسحاب، وتمكنت من تحرير ما نسبته 85% من الأرض اللبنانية المحتلة.
- بلغت خسائر قوات العدو الصهيوني نتيجة عمليات "جمول" بين ١٦ أيلول ١٩٨٢ وعام ١٩٨٦ ما يقارب ٣٨٦ قتيلاً و50 جريحاً وتدمير 10 آليات صهيونية.
- بلغ عدد عمليات "جمول" 1113 عملية: 907 منها ضد قوات العدو الصهيوني، و206 ضد العملاء المحليين، فيما بلغ عدد المهمات الأخرى 5000.
- ساهم الحزب الشيوعي اللبناني بدور أساسي وفاعل في نضالات جبهة المقاومة، خاصة، وأن ما يقارب من سبعة آلاف مقاتل من الحزب وأنصاره المنتشرين على معظم المحافظات اللبنانية. وفي السجل النضالي للحزب وأنصاره هناك 180 شهيد و1200 جريح وحوالي 3000 أسير ومعتقل زج بهم في المعتقلات.
في هذه الأيام ونحن نستحضر تلك الهامات العظيمة لشهداء وجرحى وأسرى "جمول" الذين صنعوا الانتصار في بيروت وباقي المناطق اللبنانية من خلال طرد قوات المحتل وإلحاق الهزيمة به، نستلهم من تلك التجربة الثورية التي اعتمدت على قواها وتحالفاتها التي تعمدت بالدماء مع المقاتلين الفلسطينيين، الدروس والعبر التي يأتي في مقدمتها: اتفاق قوى الشعب والأمة المقاتلة بمختلف تياراتها الأيديولوجية والسياسية على برنامج المقاومة المسلحة والنضال الوطني الديمقراطي والاجتماعي في مواجهة الأعداء الخارجيين والمحليين من قوى العمالة والتبعية والنهب والفساد.
وإذا كانت سنوات العمل الكفاحي والسياسي المشترك لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، محدودة –لأسباب موضوعية وذاتية لامجال للخوض بها الآن– فإن نهج المقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني الذي مازال يحتل جزءاً عزيزاً من التراب الوطني اللبناني، قد حملته قوى سياسية تُعبّرعن كتلة اجتماعية وازنة، ذات أيديولوجيا دينية جهادية ضد الكيان الصهيوني والقوى الإمبريالية العالمية، قد تابعت تنفيذ المواجهة، وما زالت، في تحرير الجنوب والتصدي لكل اعتداءات العدو الصهيوني على الأراضي اللبنانية، بجدارة واقتدار. هذه المهمة - المواجهة، مازلت بحاجة لرفدها بكل المناضلين الوطنيين والقوميين واليساريين – وفي هذا الجانب تبرز تجارب العديد من حركات التحرر الوطني في أكثر من بلد وقارة، ومثال الواقع المقاوم في غزة "القوى الوطنية واليسارية والإسلامية" دليل على ذلك– من أجل أن تكون المعركة مع العدو وعملائه وأدواته، معركة واحدة ينخرط فيها الجميع بالمقاومة المسلحة، والتصدي لكل محاولات كي الوعي الوطني عبر تسهيل عودة العملاء "المُبعدين" إلى الوطن، وفي صياغة برنامج النضال الاقتصادي والاجتماعي ضد السماسرة وناهبي قوت المواطن.
* كاتب فلسطيني

  • العدد رقم: 365
`


محمد العبدالله