ما بعد الحدث التاريخي

راج في الآونة الأخيرة خطابٌ يختزل أسباب حرب الإبادة الإسرائيلية في حدثيّة طوفان الأقصى أو جبهة الإسناد اللبنانية، ويرجعها إلى تجاذبٍ ظاهريّ بين حركة حماس أو حزب الله من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. ورغم أنّني لا أجهد في هذا النصّ لتبرئة أيٍّ منهما من مسؤوليته في الهزيمة، أو للتنصّل من مساءلة خياراتهما السياسية والعسكرية، فإنّ اختزال الحرب في هذا التسلسل السببيّ الخطيّ لا يفضي إلّا إلى إعادة إنتاج تحليلٍ يفرغ التاريخ من تعقيداته البنيوية، وهو في طبيعته تحليل عقيم يكرّس وهم الحدث "المؤسس" أو "التّاريخي"، ويحوّل الإبادة من استكمال طبيعيّ ومنطقي لبنيةٍ استعمارية مسعورة  إلى ردّ فعلٍ على واقعة ظرفية هي، بدورها، ردّ فعلٍ - ولا أسلّم هنا لحتمية وقوعه بشكل مطلق-، على هذه البنية الاستعمارية اذا ما احتكمنا إلى هذا المنطق الخطيّ.  

Image

التخوين، والتخوين المضاد: فعل إعلامي بعيد عن الواقع السياسي

يُعبّر مصطلح "التخوين"، عن ظاهرة دائمًا ما تتصدر المشهد في الساحة اللبنانية، عند كل حدث، أو استحقاق سياسي. ومع دخول وسائل التواصل الاجتماعي إلى المجتمع، تغير تفسير كلمة "الخيانة". إذ أصبحت إجابة على كل سؤال يُطرح، وردًا على كلّ انتقاد أو رأي يُخالف خيار رؤوس الهرم. وهنا لا نتحدث عن شخصية محددة، أو جهة واحدة. فإذا وضعنا سياق استخدام التخوين، تحت المجهر منذ 17 تشرين 2019 وحتى ما بعد جبهة الإسناد عام 2023، رغم وجود هذه حالة منذ زمن، نستنتج أن فعل التخوين لا يقتصر على فريق سياسي، بل يُوظف عند أحزاب الطوائف وأدواتهم الإعلامية لمجرد الاختلاف بالرأي. فيجد المُنتقِد نفسه إمّا عميلًا لسفارات غربية لم يزرها يومًا، أو فارسيًا وممانعًا، وهو نفسه، المُنتقد، يكون قد خُوّن سابقًا من فريق الممانعة. ولا بد من التوضيح هنا أن استخدام المصطلحات، هو لمحاولة توصيف الواقع، وليس إيمانًا بالتفسيرات المُرَوّج لها، لما يشوب تفسيرها من شوائب.

Image

لا بكاء ولا رثاء يرقى لحجم نكبتنا

أفكّر، منذ الدقيقة الأولى لتجدّد هذه الحرب، بخليل حاوي، وبتيسير سبول، وأخيرًا بليلى شهيد، كما لا تغيب عن ذهني صورة شاب جنوبيّ أخذ قراره بالعبور فجر تلك الليلة. لا أكفّ عن التفكير فيهم. فأنا، في أصل الأشياء كلّها، عُقلةٌ جنوبيّة، لا تحيا ولا تُدفن بغير ترابه. لكنّني أفكّر أيضًا، كثيرًا، بخالد علوان، ولو أنّني على معرفة بيّنة بأنّ شكل الاحتلال قد تغيّر، ولم تعد طرق الماضي تنفع في مواجهته. وأشدّد أن لا رغبة لدي برمسنة الكارثة.

Image

نقد السردية.. ضرورة

بات نقد السردية اليوم واجبًا لا مفر منه، لذلك فعلى القارئ أن يقرأ وفي قلبه اتقاد العاطفة وبرودة العقل معًا. ففي منطقتنا، منذ أن انتقل المشروع الصهـ.ـيوني من الفكرة إلى مرحلة التطبيق، ظلت معركة السردية مهملة، أو على الأقل بعيدة عن دائرة التصويب الصحيح. وما يثير القلق أكثر اليوم هو غرق قضية تحرر منطقتنا وشعوبها في مستنقع السردية المشوهة، الذي لم يعد محصورًا في منظور إنساني عاطفي فحسب، بل بات الصراع يُختزل في فئة اجتماعية أو جغرافية دون سواها.

Image

من أجل مقاومة التجزئة: اليسار والمقاومة في مواجهة مشروع "إسرائيل الكبرى"

يحاول البعض، بحسن نية أو بسوء تقدير، تحميل المقاومة الإسلامية مسؤولية العدوان الإسرائيلي على لبنان، وما ينتج عنه من ضحايا وتهجير وتدمير. وكأن الاحتلال لم يكن سوى "رد فعل" على "أجندة خارجية"، وليس المشروع الاستعماري الأكثر تنظيماً في تاريخ المنطقة. وكأن النكبات المتعاقبة التي حلت بفلسطين ولبنان وسوريا والعراق لم تكن بتخطيط أميركي-إسرائيلي ممنهج، بل بفعل محور يُختزل فيه كل شر. هذا التحليل لا يتجاهل التاريخ فحسب، بل يغفل عن درس أساسي في النضال التحرري: معركة الوجود تسبق معركة الشكل.إذا كان البعض يرفض اليوم التحالف مع المقاومة الإسلامية بدعوى "التبعية لإيران"، فهل نسوا أن اليسار اللبناني نفسه تحالف مع قوى كانت توصف في زمانها بأنها "تابعة لدمشق" أو "لطهران"؟

Image

لست مهزوماً ما دمت تقاوم.." كيف يصح علينا هذا القول؟"

أن نقرأ الواقع بعين مجردة ليس خيانة، أن نضع النقد في سياق المواجهة ليس تفصيلاً أو فعل مواربة. فلطالما كان التشخيص ومعرفة الحقيقة هي بداية مسار المعالجة والشفاء. ومن هذا المنطلق، ونظراً لما نعتبره، في تعريفنا المبسط، لوجود هذا الكيان في منطقتنا، فاصطُلح تسميته بالسرطان. والسرطان، وفق معرفتنا الشائعة، هو مرض يصيبنا، ونحن بحاجة للمعاينة والتشخيص ومسار طويل من العلاج في سبيل الشفاء وترميم المناعة، حرصاً على ألا نُصاب به مجدداً.  

Image
الصفحة 2 من 20