النقل العام: طوق نجاة للبيئة الحضرية

أن يتوفّر الانتقال بين مكانَي الإقامة والعمل بيُسر وكلفة معقولة لكافة فئات المجتمع فهو مؤشّر يشفّ عن عدالة هذا المجتمع وحساسيته لمتطلبات معيشية أساسية لجميع أفراده. ولكن أين هي تلك الحساسية في مجتمع يتولى أمره ثلة من أصحاب المليارات لا تحتمل مخيلتهم مثل هذه المسائل!؟

في نطاق بيروت الحضري وعلى صعيد النقل اليومي، يتنقّل ثمانون في المئة (80%) من الأشخاص عبر السيارة الخاصة وثلاثة عشر في المئة (13%) عبر الحافلات (الفانات والباصات) وسبعة في المئة (7%) عبر سيارات السرفيس والتاكسي. أما نسبة المتنقلين عبر الدراجات الهوائية والمشي (لغير هدف الرياضة اليومية أو الترفيه) فتكاد تنعدم بسبب فقر البنى التحتية المطلوبة لتيسير هذه الوسائط الحيوية والمستدامة للنقل.

وبمثل هذه التقسيمة بين الوسائط المختلفة للنقل في مدينة كبيروت، حيث تتركّز مراكز الأعمال والسكن بمناطق محدّدة وتنحصر الطاقة الاستيعابية لشبكة الطرق (بسبب أوضاع تشغيلية هزيلة وظروف موضوعية تفرضها تضاريس المدينة وانحصارها المكاني) تكون النتيجة الحتمية هي الاختناقات المرورية المتفاقمة مع الوقت وما يرافقها من تلوّث بيئي وصخب سمعي وهدر لموارد بشرية ومادية عديدة. وما يفاقم الوضع أنّ معدل إشغال السيارات الخاصة يتدنّى لراكبٍ واحد (السائق) بالسيارة في أغلب رحلات الانتقال اليومي من وإلى أماكن العمل في ساعات الذروة الصباحية والمسائية. عدا عن كونه معزّزاً لثقافة الفردانية وعدم المشاركة، ينتج عن هذا السلوك المنتشر بين مالكي السيارات الخاصة كلفة اقتصادية باهظة، بما فيها التأخير والتلوّث وكلفة المواقف والصيانة من بين تكاليف عديدة أخرى.
ومع تركز الوظائف والأعمال في مدينة بيروت ونطاقها الحضري، تتركّز مشكلة الازدحام على مداخل المدينة في ساعات الذروة الصباحية والمسائية. ويفاقم الوضع غلاء كلفة السكن داخل بيروت، بما يسبّب التمدّد العمراني المستمر في الضواحي بحيث تتبعثر مراكز جذب الرحلات اليومية وتنتشر أفقيّاً والذي يؤدّي بدوره لزيادة عدد الرحلات على شبكة النقل.

في المفهوم المتقادم (اقرأ المتهالك) لحلول الازدحام المروري تسود مقاربة توسيع المساحات المخصصة للسيارات بما يشمل توسعة الطرق والتقاطعات وإقامة طرق وجسور جديدة. وقد أثبتت التجربة عبر مدن العالم أنّ كل توسعة طرق تستجلب ازدحامها المتناسب طرداً مع حجمها. وتكون المحصّلة النهائية لهذه الحلول الباهظة الكلفة الازدحام المتزايد، وصولاً إلى الإغلاق الشبكي العظيم (Grid lock) واقتطاع ساعات طويلة من الحياة اليومية في محبس السيارة الانفرادي. وتوثّق الأبحاث الاكاديمية والمهنية في الموضوع هذه الحقيقة بشواهد متكررة عبر مدن العالم. أمّا ما يثبت في البحث الأكادميي والتطبيق العملي كحل حاسم لهذه المشكلة فهو تعزيز وسائل النقل العام بدوره الحاسم في تأمين نقل حضري سلس وحيوي لاشتغال أي مدينة واستدامة حياتها اليومية.

إذأً، الحل الجذري للاختناق المروري في بيروت معروف تماماً لدى جميع الأطراف المتابعة للموضوع. إنه النقل العام المتكامل والمتطور في مستوى خدمته وتشغيله وتغطيته المكانية والزمانية وموثوقيته في الانتقال اليومي، وهو يشمل الحافلات الكهربائية الحديثة وحافلات النقل السريع بالمسارات المخصصة والترام والترام-باص وغيرها من تقنيات حديثة ووسائل أخرى عديدة.

ومن الملاحظ أنّ بعض صناع القرار على المستويات المتقدمة (نواب ووزراء) لا يزالون غير مدركين لحساسية المسألة ويرونها بالمنظار التقليدي القديم الداعي إلى توسعة الطرق للسيارات الخاصة. وليس هذا بالجهل البريء عند من يفترض اطلاعهم على أبسط أشكال الحياة في مدن العالم (القريب والبعيد). والمرجّح أنّ هذا الجهل مقصودٌ كرمى لأصحاب مصالح مالية كبرى تشمل ولا تقتصر على لوبيات مستوردي السيارات ومقاولي الأشغال المؤبدة على شبكة الطرق المنكوبة.

أما أننا في زمن الانتفاضة المجيد.. فهلمّ إلى الدفع بالحلول الجذرية القادرة على جمعنا على متن مركب واحد، حلّاً واحداً وأخيراً!

  • العدد رقم: 369
`


أحمد صبري