البيرو: انقلابٌ عسكريٌّ مكتمل الأركان على الديمقراطية بغطاءٍ أميركي

تتوالى تداعيات الانقلاب الذي حدث في البيرو، وأسفر عن الإطاحة بالرئيس النّقابي اليساري، بيدرو كاستيلو واعتقاله، وتنصيب نائبته دينا بولوارتي رئيسة للبلاد، بمباركة واشنطن ومنظمة الدول الأميركية (OEA).

الأزمات السّياسية المتعاقبة التي تتخبط بها البيرو، تعود جذورها إلى إرثٍ ثقيلٍ من الفساد المتأصّل، في المؤسّسات العامة وفي النّخب الحاكمة في البلاد، خلّفه عهد الرئيس ألبيرتو فوجيموري، الذي حكم البلاد عقدًا من الزمن (1990-2000)، وانتهى به الأمر في السّجن بتهمٍ متعددة عنوانها الفساد وانتهاك حقوق الإنسان.

تعاقب على الرئاسة، بعد التخلص من دكتاتورية فوجيموري، العديد من الرؤساء الذين فشلوا في إيجاد حلولٍ لإخراج البلاد من أزماتها السّياسية والاقتصادية، حتى باتت تُعرف البيرو بالبلاد التي ما يلبث أن يُنتخب فيها رئيسٌ حتى يسقط. آخر هؤلاء الرؤساء، كان أستاذ المدرسة الريفيّة، والمزارع اليساري بيدرو كاستيلو، الذي كسر احتكار رجال المال والأعمال للرئاسة البيروڤية وكان أوّل رئيس للبيرو ينتمي إلى السّكان الأصليين الذين يشكلون 45% من سكان البلاد.

تمكن كاستيلو، الذي جعل قلم الرصاص شعار حملته في الانتخابات الرئاسية عام 2021 -المتمرّس في قيادة إضرابات المعلّمين والمطالبة بزيادة أجورهم- من الإطاحة بمرشحة المال والأعمال كيكو فوجيموري، ابنة العائلة التي أمعنت فسادًا في البلاد برعاية واشنطن.

وعد الرئيس البيروفي، في خطابه الرئاسي، بحماية موارد بلاده الطبيعية من الشركات العالمية، التي تتبارى على نهبها بموجب عقودٍ وصفها بعقود «الخيانة والفساد، وفق منهجيّة النّظام النّيوليبرالي المخصّص حصريًا لاستغلال الشعب والموارد الطبيعية لصالح قلّة من الأوغاد». وفي مقدمة تلك الدول الناهبة، الولايات المتحدة وكندا وأستراليا.
لذلك شكّل فوزه، صدمةً لدى رجال الأعمال والليبراليين الجدد، والمنتفعين من فلول العهود السّابقة، وسعوا الى الاطاحة به من خلال التّشكيك بنزاهة الانتخابات، واتهامه بالفساد وإساءة استعمال السّلطة. وقد أدّى اعتماد الرئيس اليساري منطق التسويات في تعامله مع القوى اليمينية، وعدم إعلانه صراحةً عن خطواتٍ ملموسةٍ، راديكالية لإحداث تغيير على صعيد النّظام، وتأميم القطاعات الاقتصادية الحيوية، إلى جعله يدفع ثمن ذلك، وفي نهاية عام 2022، تحديدًا في السّابع من كانون الأوّل/ديسمبر، حين كان من المقرّر أن يصوّت البرلمان على عزل الرئيس، حاول الأخيراستباق جلسة التّصويت، وأعلن عن حلّ البرلمان وتعيين حكومة طوارئ، ودعا عبر خطابٍ متلفز الى تقديم موعد الانتخابات البرلمانية.

وصف خصوم الرئيس، هذه الخطوة بالانتحار السّياسي، وأدانوها بالإجماع باعتبارها محاولة انقلابية. أمّا نائبة الرئيس، المحامية دينا بولوارتي، والتي تمّ اختيارها لهذا المنصب كونها تنتمي إلى حزب ”بيرو حرة“، وهو الحزب الذي رشّح كاستيلو للرئاسة، فقد انقلبت على رفيقها وكانت من أوائل الرّافضين لانقلاب كاستيلو على الشرعية، حسب تعبيرها.

وهكذا، تمكّن البرلمان، من تحصيل الأصوات الكافية (101صوتًا) لعزل رئيس البلاد، والذي تزامن مع صدور الحكم الأوّلي على اليسارية كريستينا كيرشنر، رئيسة الأرجنتين السّابقة، ورئيسة مجلس الشيوخ الحالية، بالسّجن ستّ سنوات وكفّ يدها عن العمل السّياسي مدى الحياة.

اعتُقل كاستيلو بعد ساعاتٍ من خطابه، ونُقل بطائرة هليكوبتر إلى أحد مراكز الشرطة، ثم وضع في سجن شديد الحراسة. وكان أوّل الداعمين للانقلاب أمين عام منظمة الدول الأمريكيّة لويس ألماغرو، الذي أشرف على الانقلاب الذي حدث في بوليفيا في عام 2019، وأطاح بالرئيس اليساري إيڤو موراليس.

عمّت البلاد الاحتجاجات الشعبية والمظاهرات، رفضًا للانقلاب العسكري، الذي أطاح بالرئيس النّقابي العتيد، الذي يمثّل أبناء الريف البيروڤي المفقر، وقد جوبه المحتجون بحملةٍ أمنيةٍ شرسة، أسفرت عن مقتل ستين متظاهرًا، واعتقال العشىرات من القيادات السياسية، بتهمٍ متعدّدة تتراوح بين إثارة الشغب و”جرم“ حيازة كتبٍ ومنشورات ماركسيّة.

يحدث ذلك، في ظلّ تواطؤ السّلطة الدينية في البيرو، التي سمحت للسلطة الفاشية الانقلابية باستخدام نوافذ الكنائس لقنص المتظاهرين بالسلاح الذي زوّدهم به الرئيس الإكوادوري اليميني غييرمو لاسو.

البيرو، هي واحدة من دول أميركا اللاتينية الغنية بالموارد المعدنية، كالذهب والزنك والفضة والرّصاص والحديد والغاز الطبيعي، كما تمتلك احتياطيًا كبيرًا من النّحاس (ثاني أكبر احتياطي عالمي بعد تشيلي). وهذا ما يفسّر حماسة السّفيرة الأميركية للاجتماع بوزير التّعدين في الحكومة الانقلابية، للبحث في توقيع الشركات الأميركية عقود الاستيراد أو ”النّهب“. غير آبهة بعمليات القتل الميداني للبيروفيين في الشوارع، وسط تكتّم الإعلام الغربي”الديمقراطي“ عمّا يحدث وتجاهل المجتمع الدولي.

دفعت المواجهات العنيفة بين الشرطة والمتظاهرين، اثنين من الوزراء إلى الاستقالة من الحكومة دينا بولوارتي، في مطلع شهر كانون الثاني/يناير، بينما فتحت النيابة العامة، تحقيقًا أوليًا ضدّ رئيسة البلاد، بجرم التحريج على ”الإبادة الجماعية“ نتيجة ارتفاع عدد ضحايا المواجهات التي حدثت خلال الاحتجاجات. كما يطال التحقيق أيضًا رئيس الوزراء، ألبرتو أوتارولا، وكذلك وزيرَي الداخلية والدفاع. بالرغم من ذلك، رفضت الرئيسة الانقلابية الاستقالة، ولكنها رضخت للضغط الشعبي، ودعت البرلمان إلى إعادة النظر بموعد تقريب الانتخابات، ووعدت بأنّها ستقترح تعديلاً دستوريًا لتقديمه إلى تشرين الأوّل/أوكتوبر.

عانى الشعب البيروفي من القتل والترويع خلال عهد الرئيس فوجيموري الظلامي، بحجة مواجهة منظمة الدرب المضيء اليسارية، وهو اليوم أكثر وعيًا بآلية الاستغلال الرأسمالي الدولية، التي تتحكم بمفاصل بلاده، لذلك فهو ليس محبطًا ولا خائفًا رغم القمع والموت، وقد قرّر مواصلة التظاهر والاحتجاج حتى تحقيق مطالبه المتمثلة في استقالة بولوارتي وحلّ البرلمان والجمعية التأسيسية.

# موسومة تحت :
  • العدد رقم: 412
`


لينا الحسيني